-

اسرار وخفايا

تاريخ النشر - 13-08-2026 11:55 AM     عدد المشاهدات 4    | عدد التعليقات 0

المكرمة الملكية ليست شماعة .. والجامعات تدفع ثمن سنوات من سوء الإدارة

الهاشمية نيوز -

كتب محرر الشؤون المحلية 

في كل مرة يتجدد فيها الحديث عن مديونية الجامعات الأردنية، يخرج من يعيد فتح ملف مكرمة أبناء المتقاعدين العسكريين، وكأنها أصل الأزمة، وكأن الجامعات لم تعرف العجز إلا بعد إقرارها.

 

يتكرر المشهد ذاته في كل مناسبة، حتى أصبحت المكرمة شماعة جاهزة يعلق عليها البعض سنوات طويلة من الإخفاقات الإدارية والمالية، بينما تغيب الأسباب الحقيقية عن دائرة النقاش.

 

الحقيقة أن مديونية الجامعات لم تولد بين ليلة وضحاها، ولم يصنعها أبناء المتقاعدين العسكريين، وإنما هي نتيجة تراكمات امتدت لسنوات، بدأت مع ضعف الحوكمة، وسوء الإدارة، وغياب الرؤية الاستثمارية، والتوسع غير المدروس، والاعتماد شبه الكامل على الرسوم الجامعية، إلى جانب تراخي الحكومات المتعاقبة في وضع حلول حقيقية ومستدامة لإنقاذ الجامعات الرسمية.

 

تشخيص خاطئ.. وعلاج أكثر خطأ

 

عندما يتم اختزال أزمة بهذا الحجم في مكرمة أبناء المتقاعدين العسكريين أو برنامج "الجسيم" أو غيرهما من برامج الدعم، فإننا لا نبحث عن حل، بل نهرب من مواجهة الحقيقة.

 

فهل أبناء المتقاعدين العسكريين هم من وضعوا الموازنات؟ وهل هم من أداروا الجامعات؟ وهل هم من قرروا التوسع في الإنفاق أو أهملوا استثمار أصول الجامعات؟ بالتأكيد لا.

 

إن تحميل مكرمة أبناء المتقاعدين العسكريين مسؤولية الأزمة هو تشخيص خاطئ يقود إلى حلول خاطئة، ويمنح من تسببوا بالأزمة فرصة للهروب من المساءلة، بينما يتم توجيه الأنظار إلى فئة لم تكن يومًا جزءًا من صناعة القرار المالي أو الإداري.

 

المتقاعدون العسكريون.. خط أحمر

 

هناك ثوابت في الأردن لا يجوز العبث بها أو الزج بها في كل نقاش مالي، فالمتقاعدون العسكريون ليسوا مجرد شريحة من المجتمع، بل هم رجال أفنوا سنوات عمرهم في خدمة الوطن، وحماية حدوده، وصون أمنه واستقراره.

 

هؤلاء قدموا سنوات طويلة من العطاء، ومنهم من قدم الشهداء والجرحى، ومنهم من أمضى عمره في الميدان دفاعًا عن الأردن، ولذلك فإن أي مكرمة تمنح لأبنائهم ليست عبئًا على الدولة، بل هي جزء من الوفاء الوطني، واستحقاق أخلاقي قبل أن يكون قرارًا ماليًا.

 

بل إن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن مهما قدمت الدولة لأبناء المتقاعدين العسكريين، فلن توفي آباءهم جزءًا يسيرًا مما قدموه للأردن، فالتضحيات لا تُقاس بالأرقام، ولا تُقارن ببند في موازنة، ولا يجوز أن تتحول إلى مادة للنقاش كلما تعثرت جامعة أو ارتفعت مديونيتها.

 

أين المسؤول الحقيقي؟

 

إذا أردنا إنقاذ الجامعات، فلنبدأ من المكان الصحيح.

 

لنفتح ملفات الإدارة، ولنراجع أساليب الإنفاق، ولنحاسب كل من أهدر المال العام، ولنبحث لماذا فشلت بعض الجامعات في استثمار أصولها، ولماذا بقيت تعتمد على الرسوم الدراسية كمصدر دخل شبه وحيد، ولماذا تُمنح عقود ومزايا مالية مرتفعة في بعض المواقع، بينما تتراكم الديون عامًا بعد عام.

 

هذه هي الأسئلة التي تستحق الإجابة، لا أن نستسهل تحميل مكرمة أبناء المتقاعدين العسكريين مسؤولية أزمة يعلم الجميع أنها أعمق بكثير.

 

الأردن لا يكافئ من خدموا الوطن.. بل يرد جزءًا من الجميل

 

مكرمة أبناء المتقاعدين العسكريين ليست منّة، وليست امتيازًا يمكن المساومة عليه، بل هي رسالة وفاء من الدولة لمن أفنوا أعمارهم في خدمة الأردن، ومن يظن أن حل أزمة الجامعات يبدأ من هنا، فقد أخطأ العنوان، وأخطأ التشخيص، وأخطأ الطريق.

 

أما الحقيقة التي لا تقبل الجدل، فهي أن أزمة الجامعات أزمة إدارة وتمويل وحوكمة واستثمار، وليست أزمة أبناء المتقاعدين العسكريين.

 

وإذا كان البعض حريصًا على الحديث عن مديونية الجامعات، فمن الإنصاف أيضًا الاعتراف بأن حكومة الدكتور جعفر حسان كانت من أوائل الحكومات التي انتقلت من التشخيص إلى الفعل، عندما قررت تخصيص نحو 100 مليون دينار لسداد مستحقات وديون متراكمة على الجامعات الرسمية، وهي ديون لم تتشكل في عهدها، بل تراكمت عبر سنوات طويلة.

 

وهذا لا يعني أن الأزمة انتهت، لكنه يؤكد أن معالجة المديونية تبدأ بتحمل المسؤولية، لا بالبحث عن شماعات جديدة أو تحميل المكرمات الوطنية مسؤولية أخطاء إدارية ومالية تراكمت عبر الزمن.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :