تاريخ النشر - 17-10-2026 11:37 AM عدد المشاهدات 40 | عدد التعليقات 0
التفاعل على حساب الأخلاق .. من يحاسب المحتوى الإعلامي على إحدى القنوات الخاصة الأردنية

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون المحلية:
لم يعد مقبولا أن تتحول بعض القضايا الحساسة إلى مادة للاستهلاك الإعلامي السريع، أو أن يصبح التفاعل والمشاهدات المعيار الأهم في صناعة المحتوى، على حساب الدقة والمسؤولية واحترام القيم المهنية، فالإعلام الذي يملك القدرة على التأثير في الرأي العام لا يجوز أن يتعامل مع القضايا المجتمعية باعتبارها فرصة لرفع نسب المشاهدة فحسب، بل بوصفها مسؤولية تتطلب التحقق والتوازن واحترام كرامة الأشخاص.
إعادة نشر منشورات تتناول شبهات تحرش في بيئة العمل، وأخرى تتعلق بتعيينات في مؤسسات عامة، فَتح النقاش حول طبيعة المحتوى الذي تقدمه بعض القنوات التلفزيونية الخاصة، والحد الفاصل بين معالجة قضية تهم الرأي العام، وبين الانزلاق إلى أساليب نشر تثير الجدل من دون أن تقدم بالضرورة معالجة مهنية مكتملة.
فإذا كانت شبهات التحرش تستوجب التحقيق والجدية وحماية حقوق المعنيين، وإذا كانت التعيينات العامة تستحق المساءلة بشأن الكفاءة وتكافؤ الفرص، فإن ذلك لا يمنح أي وسيلة إعلامية حق تجاوز معايير التحقق أو استخدام لغة قد تسيء إلى الأشخاص أو تمس خصوصيتهم، فخطورة القضية لا تبرر ضعف المعالجة، وحرية النشر لا تعني أن كل ما يجذب التفاعل يصبح مقبولا مهنيا.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا لا يتعلق بالوسيلة الإعلامية وحدها، بل بالجهة التي يفترض أن تتابع الالتزام بالتشريعات والمعايير المنظمة للعمل الإعلامي: أين هيئة الإعلام من هذا المشهد؟ وما دورها في تقييم المحتوى الذي يثير تساؤلات جدية حول المسؤولية الأخلاقية والمهنية؟
إن دور هيئة الإعلام لا ينبغي أن يقتصر، في نظر الجمهور، على الإجراءات الإدارية وتنظيم القطاع، بل يتطلب وضوحاً في المعايير، وشفافية في التعامل مع الشكاوى، ومتابعة مهنية للمخالفات التي تدخل ضمن اختصاصها، فحين يثار جدل حول محتوى منشور عبر وسيلة إعلامية، يصبح من المشروع التساؤل عن آليات التقييم، والإجراءات المتاحة، ومدى اتساق تطبيق القواعد على مختلف المؤسسات، من دون انتقائية أو استهداف.
فإذا كانت هناك معايير مهنية وأخلاقية تحكم النشر، فما آليات التحقق من الالتزام بها؟ وإذا وردت شكوى بشأن محتوى معين، فكيف تُدرس، وما الإجراءات التي يمكن اتخاذها إذا ثبتت مخالفة؟
هذه ليست دعوة إلى تكميم الإعلام أو فرض رقابة على النقد، بل مطالبة بأن تكون حرية الإعلام محمية بالمسؤولية، وأن تكون المساءلة خاضعة للقانون ومعايير واضحة، لا للأهواء أو الضغوط أو للمصالح الشخصية، فكما أن من حق الصحفي تناول قضايا الفساد والتحرش والتعيينات، ومن حق المجتمع أيضاً أن يعرف ما إذا كانت الوسائل الإعلامية تتعامل مع هذه الملفات وفق أصول المهنة.
والأخطر أن تتحول المنافسة على التفاعل إلى مبرر لتقديم محتوى يستثمر في حساسية القضايا، ويترك التحقق والتفسير والسياق في مرتبة ثانوية، عندها لا يعود السؤال عن عدد المشاهدات، بل عن الثمن المهني والأخلاقي الذي يدفعه الإعلام عندما يقدم الإثارة على المعلومة، والانتشار على المسؤولية.
إن القنوات التلفزيونية الخاصة ليست بمنأى عن المساءلة المهنية، كما أن الجهات التنظيمية ليست بمنأى عن أسئلة الجمهور بشأن أدائها ووضوح إجراءاتها، والمسؤولية هنا مشتركة: وسيلة إعلامية تلتزم بالدقة واحترام الحقوق، وهيئة تنظيمية توضح معاييرها وتطبق القانون بعدالة وشفافية.
المطلوب اليوم ليس إصدار أحكام مسبقة على منشورات بعينها، بل إجابات واضحة من هيئة الإعلام عن كيفية التعامل مع المحتوى المثير للجدل، والمعايير التي تحكم تقييمه، والضمانات التي تمنع تحوّل حرية النشر إلى غطاء للإساءة، أو تتحول الرقابة إلى وسيلة لتقييد النقد المشروع.
فالإعلام ليس سباقاً مفتوحاً لجمع التفاعلات، وهيئة الإعلام ليست جهة هامشية في هذا النقاش، وبين مسؤولية الناشر وواجب الجهة المنظمة، تبقى الحقيقة والمهنية وكرامة الإنسان خطوطاً لا ينبغي تجاوزها، لأن خسارة ثقة الجمهور تبدأ عندما يشعر بأن الإثارة أصبحت أهم من المضمون، وأن الأسئلة المهنية لا تجد من يجيب عنها، وأن تلك القناة التلفزيونية الخاصة مدار الحديث تحتاج إلى رقابة على محتواها.