-

كتابنا

تاريخ النشر - 20-08-2024 10:28 AM     عدد المشاهدات 10    | عدد التعليقات 0

المكوث عند المنتصف ..

الهاشمية نيوز - فايزة عبد الكريم الفالح

على ضِفاف مساءات شُرفَتي، كان البدر قد جذبَ مِن رِمش الليل شعاعا، حين استَرَقَ الحرف مِن سِربِ الخبرِ يقيناً، فألقى على أسطري موازينه بالحقِّ لمّا رأى، وأنه ملأَ النجدين لمّا سمِع: «وإنّه بسم الله الرحمن الرحيم». على الصادقين إذا صدقوا، وأنّه للأوفياء لمّا وفوا. هذا هو الذي بيننا. وإنّ للكتابة شرعةً ومنهاجاً، وإنّه لأمر عظيم، حين هزَّ الحرف جذعه؛ ليسّاقط على سطوري مِن ثمر الكلمات جَنيّا، ويرويه سحاب المِداد، إذا ما جادَ عليه حين هَمى، وإذا ما ارتوت عروقُ الكلماتِ مِن لُباب الفكرِ شربة ماءٍ زلالٍ، حيث لا ظمأٌ بعده. هكذا رأيتُ حرفكِ...! كما الماء «إذا ما وجِدَ بطُلَ التيمّم». وهكذا تماماً رأيتُني في عين حرفي...! كما مِداد السماء للأرض.

ثم ماذا بعد...؟! يا سمراء الرّيف...! يا خضراء الملامح...! خالَ لي وأنا أسير أتبع صوت خُطاي؛ أنّ المسافات لا تُقاس بالمدى؛ إذا ما استعرتُ مِن سرب الشوق جناحاً، أطيرُ به حيث أريد الوصول إلى الوجهة التي تشتهيها النفس، حاملا تحت رياش جناحي، أجمل القصص...! لَمّا امتلأ كأس الفكرِ بذخاً، وكان مِزَاجُهُ شهداً خالصاً؛ لذّة شَرِبتُ منه، فالتقت الروحان سموّاً في معارج القلم والحرف؛ بدون موعد مسبق، حتى أصبحتا روحاً واحدةً؛ فكان لقاء الصاحب بصاحبه. وفي لحظةِ خوفٍ من المجهولِ...! راودتُ حرفي على أن لا يُصاحبكِ، وطلبتُ منه الرحيلَ...! إنّ لكَ لضربة قاضية. والحرف سيفك البتّار...! وأنا أخاف على حرفي مِن الشقاء. ثمّ...! أجهش حرفي بالبكاء... وإذ به يسجدُ باكياً نُبلاً ولطافةً؛ حين أَذرَيتُ دَمعَ الحبر في عيِنِه، ناداني إليه القلم وَدَعاني، وإذ بالبوح يسري شرقا، يلتقط أنفاسه من نسائم جنوب البحر الشّاميّ1؛ حيث تونس الماء، والخضراء، والوجه الحَسَن... عابرة أنفاسي حدود الطّوق إلى التّوق اللامنتهي، وما زالت الروحان دون الجسدين تلتقيانِ...

ها أمُّ قلمي...! ينزف مِدّاده؛ لَمّا أجبره حرفكِ على النزف، وحين استفزّه نَقْرُ بنانكِ، أخاله مِن الزمن العتيق يستمدّ قوّته مِن أصوات أدوات النّحّاتين؛ على جُدِر معابد «العاتريّة»2. وإذ بصداه يضرب على جُدِر معابد مدينة «البتراء»3 النبطيّة الورديّة... بعبارة قد رامَ عليها الشفق بألوانه الأرجوانيّة؛ فنَدَف الندى من خدّها حمرة، واِنبثق الفجر لامعاً؛ مِن ثغرها الباسم. عبارة واحدة تكفي؛ أن تكون كتاباً للأديبة السمراء، «فتحية دبش»: «أخرجُ كخيطِ حريرٍ مني، أتسللُ فيهم كخيط دخان»... فأيّ خيط حرير منكِ أهدانا كلّ هذا الجمال...!؟، وأيّ تسلّل هذا الذي تسلّلتِه بهدوء إلينا؛ فكان كخيط صباح... رحنا معه كغيمة إلى البراح... لتكوني أنتِ وأنا...! «كأخرايا»4.

أيا قلمي...! لا تجزع مِن طول الانتظار على سفح سطورك، ثمّة سُحب ثِقال ستمر على دواتكِ الآن...! ستهطل عليها؛ لترتشفَ من رضابها عَذب الرِّضاب، سُقيا بيانٍ مِن المعالي والكمالِ... فهل مِن مزيد يا ابنة القارة السمراء...؟! ها...! إنّي أسمعكِ الآن...! يا سمراء...! تهمسين...! هيتَ لكِ مِن حقيبتي «سيري»: «الرّيف الذي سلّمني للمدينة منذ سنوات شبابي الأوّل، ظلّ يستعيدني منها مراراً وتكراراً، فإن هي غيّرت من سحنتي ومن مظهري ومن تفكيري، فقد بقيتُ أحمل قلباً ريفيّاً يملؤه الحنين إلى البراري، وإلى التّراب، وإلى المشي حافية القدمين، والحديث بصوت عالٍ».

بخٍ. بخٍ. يا قلمي...! أراك ما زلت تُبحر معي، في محيط العارفين، خلعتُ عني كلّ ظنوني؛ حين اعتراني الشّكُّ: «إنّكَ لن تستطيع معي صبراً...!». وها أنتَ ترتدي معي حُلّة الصبر الجميل، نغوصُ معاً إلى الأعماق، نغوص في العمق أكثر؛ لسبَر جمال اللغة، في محيط الأديبة «فتحية دبش» يخطف ناظرينا بريقُ الدّان مِن بيانها المكنون، يجذب حواسنا تراقص الفواصل؛ على منصّة كتاباتها العاجيّة، طوراً على «جداريات العزلة»5...!، وتارةً بالنّقش على جِلْدِ القارة السمراء؛ بِحِنّاءِ «ميلانين»6، حتى أطربنا شدوها: «كنت مثلَه جنوباً يحنّ إلى الشمال، وها أنا بعد ربع قرن من الحياة الشمالية، أصبح شمالاً يحنّ إلى الجنوب».

ثمّ...! أحطتُ علماً...

ما بين شَرد وشُرود في أناي إلى أناها، تسربل فكرها ناصع البياض إلى فجاج الميلانين الذي يسكنني، مصاحباً معه وحي العبور إلى مرآة الحقيقة في ذاتي، وقتئذ رأيتُ الصورة المطابقة للأصل في كينونة الإنسانة في المقام الأوّل، والمرأة الكاتبة في المقام ذاته؛ حين وًضَعَتْ «فتحية دبش» مِن خاصرة الوجع؛ مولودها الذي أسمته «ميلانين» بعد ولادة طبيعية، لكنّها كانت عسيرة، واضعة مولودها الذي أنجبته مِن مِيلانينها، ومِن لُباب فكرها الذي طالما يرشح نضجاً مِن وعاء التّجربة الذاتيّة؛ واضعة إيّاه في مهد فكر العالم، محاولة منها؛ طرح قضيٍة إنسانيّة بحتة، قائمة على التمييز العنصري في كثير من البلاد الأوربيّة و(أمريكا)؛ رغم حلول العقد الثالث مِن الألفيّة الثالثة، إلا أنّه مازالت العنصريّة هي الأساس، والمساواة استثناء... وبقيت المفاهيم الرثّة المهترئة، والمتهالكة خيوطها المنسوجة من البدائيّة العنصريّة؛ تّنسَجُ مِن فكرٍ خواء...!

وَجَدَتْ الكاتبة «فتحية دبش» مِن خلال تجربتها؛ أنّ هذا العالم مازال يعيش عصر الظلمة في فكره؛ القائم على التمييز العنصري، وعلى تبيان اللون، فكرٌ ما زال ينظر للون الجلد على أنّه السّمة الوحيدة لإصحابه، غيرُ أبهٍ بألوان طيف فكرهم النوراني، وإنسانيّتهم الحقّ... ممّا أتاح لي القول: شتان... شتان بين الميلانين الذي احتلّ الفكر الأسود في هذا العالم...! وما بين الميلانين صاحب الأرض في الجلد...!

صهْ..! صهْ...! يا ضجيجاً يملؤني...! ثمّة دهشةٌ لا حدّ يُوقفها، ثمّة غصّةُّ احتلّت أنفاسي...وثمّة حنينٌ تسربل أبجديّة نثري. يعلو فيَّ...! ثمّ يعلو...! ثمّ يدنو إليَّ...! قاب قوسين أو أدنى مِن هالة الشمس... والطائر القُمري يرقص على ذبذبات حدسي... والوجع قاسٍ...! يهرب مِن يومي إلى أمسي...! في منتصف صحراء السّنين، تهتُ فيها عنّي، ولا زلت أنتظرني، أحنُّ إليّ كثيرا، وها أنا بعد ربع قرن، أعودُ مِن دوني. بوصلتي أجهضتْ اِتجاهاتِ الرحيل، راق لها المكوث عند المنتصف مثلي.

أما أنا فهذا ديدني في الكتابة...! كتابة لطالما جعلتني أُدمِن على التعاطي بالشعورِ معها؛ إنّني متعطّشة بشغف الإحساس المنفرد بذاتي، حيث المكان الذي أُحبّ، وأعبر معها حيث الزمان المُتكور في روحي، لِأقف مليّا أمامَ صورةٍ مكتملة لليمامِ...! صورةً لطالما أخبرتني الأسطورة عنها؛ إنّها ترفض البرواز الذي يُقَيّد حريّتها، وترفض الرَّف البعيد الذي يجعلها تتشابه مع باقِ الصور... والصورة والكتابة أنا وهي...! وإذا ما أردتِ المسير، يا سمراء...! سيري... سيري حافية القدمين...! بَلِّلي تراب قارّتكِ السمراء، بلادكِ الخضراء بالحنين، ثمّ تعالي...! حيث «عواصف غرفة الكاتب»، حيث المكوث معي عند المنتصف.

هوامش:

(1) البحر الشامي: البحر الأبيض المتوسط.

(2) العاتريّة: هي أقدم الحضارات للإنسان العاقل، والتي مرّت على شمال القارة الأفريقية، جنوب البحر الأبيض المتوسط، قبل 100 ألف سنة، وما زالت أثارها قائمة في تونس، إلى يومنا هذا.

(3) البتراء: مدينة بناها الأنباط، في عام 312 قبل الميلاد، واتخذوها عاصمة لهم تقع في جنوب الأردن، وسمّيت بالمدينة الورديّة؛ نسبة لألوان صخورها ورمالها.

(4) كأخرَايَا: هو أسم لنصّ نثري، للأديبة، فتحية دبش.

(5) جداريات العزلة: اسم كتاب، للأديبة فتحية دبش.

(6) ميلانين: اسم رواية، للأديبة فتحية دبش، وهي الرواية الأولى لها، والتي صدرت عام 2019، وفازت بجائزة كتارا للرواية العربية، فئة الروايات المنشورة وذلك في دورتها السادسة (2020).






تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :