-

مقالات مختارة

تاريخ النشر - 13-05-2024 10:41 AM     عدد المشاهدات 39    | عدد التعليقات 0

سافر لا تهاجر .. حكايا إفريقية

الهاشمية نيوز -

بشار جرار

استدرك معتذرا فأقول، إلا لمن اضطر إلى ذلك سبيلا! نعم، خلاصة تجربتي ومن عرفت عن قرب هي النصح بالسفر، بل وكثرة الأسفار على أن تكون متنوعة، وتفادي الهجرة إلى أقصى درجة، فإن كان من بد فالأقرب الأقرب هو الأفضل. والقرب لا يكون مكانيا فقط ولا بحسب موقع المسافر أو المهاجر من خطوط الطول شرق خط غرينيتش أم غربه. كما يقال شرّقت أم غرّبت، الشمس لا تغطى بغربال ولا شيء يعدل الوطن.
حقا روما من فوق غير روما من تحت. قالوها في السياسة وأصدق ما تكون في الملاحة، جوا على وجه الخصوص. هذه أول رحلة أسافرها في حياتي تقطع نصفين من قريتنا الصغيرة، شرقا وجنوبا. وضعتني الأسفار هذه المرة -وكاتب هذه السطور من عشاق الرحلات وأدب الرحلات- وضعتني أمام فرصة غير مسبوقة لعيش فصلين مرتين بفارق غفوة. غادرت واشنطن بعد انقضاء الشتاء وعدت إليه مرة أخرى في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية. أما «الارتداد شرقا» كما تحب بعض القنوات تسمية برامجها، فذلك ديدن البشرية كلها، لا ريب عائدة إلى نشأتها الأولى إلى حيث الحضارات الأكثر عراقة، إلى مهد الديانات السماوية وحتى الأرضية الأكثر سموا في قيمها الإنسانية بحثا عن الذات وعن خالقها، سبحانه.
عبر تطبيق متابعة الرحلة عبر جهاز تتبع الأقمار الصناعية لموقعها، مررت فوق بلاد تلاشت بينها الحدود السياسية وتداخلت حدودها الطبيعية. رصدت تنوعا في الألوان لتربتها ومياهها وثرواتها الحرجية وحقولها المتدرجة من الأصفر إلى الأحمر ومن الأخضر الناشف الباهت إلى اخضرار مفعم في الحياة حتى من على ارتفاع أربعين ألف قدم. ولعلها حكمة بالغة لقياس «العلو» أو الارتفاع بوحدة «القدم» لعلنا نذكر دائما أننا لن نخرق الأرض ولن نبلغ الجبال طولا.
أول ما لفت انتباهي وقد شهدت كثيرا عدم تطابق خط السير الذي يختاره كابتن الطائرة مع ركابها. الخطوط المستقيمة والطرق الأقصر ليست كما تبدو على الشاشة. اتجهت الطائرة شمال في بداية الأمر صوب كندا بدلا من التجول شرقا وجنوبا كما يبدو منطقيا للركاب، ومن ثم مرت فوق أجواء دول عرفنا تاريخها أكثر من غيرنا نحن أحفاد إبراهيم، خليل الرحمن، عليه السلام، أبو إسماعيل من هاجر وإسحق من سارة. من بلاد العم سام حيث لا مكان لعنصرية ضد أي من الأعراق أو الأديان، دستوريا وبقوة إنفاذ القانون والقوى الناعمة الخاصة بصناعة الوعي والمزاج العام، من أمريكا إلى أوروبا التي هجرها المهاجرون الأوائل هربا بدينهم وكراماتهم وأرواحهم وأرزاقهم. تأملت مليا سماء إسبانيا والبرتغال ونحن نعبرها، حيث حمى المسلمون اليهود، وتأملت بعدها سماء مصر الحبيبة، التي هاجر إليها السيد المسيح طفلا وأمه سيدة نساء العالمين مريم البتول، حتى أخذتنا الخطوط الإثيوبية عبر أجواء إثيوبيا إلى أطراف إفريقيا الأم -الجنوبية الشرقية، فتذكرت النجاشي، بحبور وعرفان تأملت بمحبته وعدالته وشجاعته، وانتصاره لجعفر الطيار ابن عم الرسول العربي الأميّ الأمين، في مواجهة عتاة نفر من قريش أرادوا ملاحقة المسلمين الأوائل، تماما كما أراد اليهودي المتحمس «زيلاس» أو الغيور على دينه، المتطرف شاؤول ملاحقة المسيحيين الأوائل حتى خرّ صريع الحق على الطريق إلى دمشق عبر نهر أردن القداسة والرسالة، فتحول من شاؤول الإرهابي إلى بولص الرسول الذي بشر بالمسيحية بين «الأميين» إلى العالم أجمعين.
متى يقر من يلاحقون الناس في «ما وقر في القلب وصدّقه العمل» أنهم من الأخسرين أعمالا؟ متى يعلم الناس، أن ما من حق لابن آدم أن يقف بين ابن التراب وخالقه من طين؟ لن تقوم قائمة لدولة أو مجتمع أو أي صناعة في أي من قطاعات الإنتاج ما لم تكن الحرية الحقيقية حجر الزاوية فيها، وحجر رأس البناء فيها، المسؤولية التامة عنها.
لو أكثر الناس من الأسفار أو على الأقل قراءة أدب الرحلات والاستفادة من تجارب من سبقونا في الأرض، لو سرنا حقا في الأرض، لأغنتنا الأسفار عن الهجرات كلها!






تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :