تاريخ النشر - 07-11-2026 12:36 PM عدد المشاهدات 14 | عدد التعليقات 0
رسالة عاجلة إلى وزارة التربية والتعليم .. لا تتركوا عقول أبنائنا للمنصات

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون المحلية
لم تعد حماية الوطن تقتصر على حماية حدوده الجغرافية، ولا مواجهة التحديات الأمنية في الميدان وحده؛ فهناك جبهة أخرى لا تقل أهمية، تمتد عبر الهواتف الذكية والمنصات الرقمية، وتصل إلى عقول الشباب وأفكارهم ومواقفهم، دون أن تحتاج إلى عبور الحدود أو الاستئذان من أحد.
وإذا كانت الأحداث الأخيرة قد أعادت طرح أسئلة جوهرية حول التطرف وخطاب الكراهية والاستقطاب المجتمعي، فإن السؤال الذي ينبغي أن يتقدم اليوم إلى واجهة النقاش الوطني هو: ماذا نفعل لحماية عقول الأجيال قبل أن تقع فريسة للأفكار المتطرفة والمعلومات المضللة وخطابات التحريض؟
كيف نُعدّ طالبا ، تلميذا، معلما ،قادرا على التمييز بين الحقيقة والشائعة، وبين الاختلاف الفكري والتحريض، وبين حرية التعبير والترويج للكراهية؟ وكيف نضمن ألا تكون المنصات الرقمية هي المصدر الوحيد الذي يستقي منه أبناؤنا أفكارهم ومواقفهم، في ظل تدفق محتوى لا يخضع بالضرورة لمعايير المعرفة أو المسؤولية أو المصداقية.
هنا تبرز مسؤولية وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، باعتبارها المؤسسة التي تتولى بناء الإنسان الأردني في مراحل تكوينه الأولى، وتمتد مسؤوليتها إلى التعليم الجامعي وإعداد الأجيال للحياة العامة وسوق العمل، فالمواجهة الفكرية لا يمكن أن تبدأ بعد وقوع الحوادث، ولا يجوز أن تظل رهينة حملات توعوية موسمية أو محاضرات عابرة تستدعيها الأزمات ثم تنتهي بانتهائها.
المطلوب اليوم انتقال حقيقي من التعامل مع الوعي بوصفه نشاطا إضافيا إلى اعتباره جزءا أصيلا من العملية التعليمية، ومن بناء شخصية الطالب ومناعته الفكرية.
ومن هنا، فإن إعادة النظر في طبيعة المساقات الوطنية في الجامعات الأردنية تبدو ضرورة تستحق الدراسة الجادة، بحيث تكون متطلبات جامعية إجبارية راسخة في الخطط الدراسية، لا مساقات استدراكية أو متطلبات شكلية يتعامل معها الطالب باعتبارها عبئا أكاديميا ينبغي اجتيازه، وأن تشرح للطالب كيف يستهدف الأردن من الإرهاب.
فالمساقات الوطنية ليست مجرد ساعات دراسية تضاف إلى الخطة الجامعية، وليست معلومات تقليدية عن تاريخ الدولة ومؤسساتها، بل يجب أن تكون مساحة معرفية حقيقية يتعرف من خلالها الطالب إلى هوية الدولة الأردنية وتاريخها الدستوري والسياسي، ومؤسساتها الوطنية، ومبادئ المواطنة وسيادة القانون، وحقوقه وواجباته، ومسؤولياته تجاه المجتمع، فضلا عن التحديات الفكرية والإعلامية والرقمية التي تواجهه في عالم متغير.
والأهم أن يتطور مضمون هذه المساقات ليواكب التحولات التي فرضتها وسائل التواصل الاجتماعي، وأن يتجاوز الأساليب التقليدية القائمة على التلقين والحفظ، نحو بناء القدرة على التفكير النقدي والتحليل والتحقق من المعلومات، وفهم طبيعة الخطاب الإعلامي، وكيفية تشكل الرأي العام، وآليات التأثير النفسي والفكري التي تستخدمها بعض الجهات والجماعات لاستقطاب الشباب والتأثير في قناعاتهم.
فالطالب الذي يقضي ساعات طويلة أمام المنصات الرقمية، ويتلقى يوميا كما هائلا من المعلومات والآراء والمقاطع والتفسيرات، يحتاج إلى أدوات معرفية ونقدية تحميه من الانجراف خلف كل ما يراه أو يسمعه، فليس كل ما ينتشر حقيقة، وليس كل صاحب جمهور صاحب معرفة، وليس كل خطاب جذاب بريئا من أهدافه أو نتائجه.
ولا بد أن يدرك الطالب أن إعادة نشر معلومة غير موثوقة ليست ممارسة بلا تبعات، وأن خطاب الكراهية لا يصبح مقبولا لمجرد أن صاحبه يقدمه في قالب ساخر أو تحت عنوان حرية الرأي، وأن التحريض على العنف والتكفير واستهداف فئات المجتمع لا يمكن أن يندرج تحت مظلة الاختلاف المشروع.
ومن هنا، لا بد أن تمتد هذه المسؤولية إلى المدارس، لا أن تنتظر وصول الطالب إلى مقاعد الجامعة.
إذ لا بد من تخصيص حصة توعوية دورية في المدارس، ومحاضرة جامعية منتظمة، تستضيفان أهل الاختصاص في الفكر والإعلام والقانون وعلم الاجتماع وعلم النفس والأمن السيبراني، للحديث بلغة قريبة من الطلبة عن التحديات التي يواجهونها في العالم الرقمي، وكيفية التعامل مع خطاب التطرف والكراهية، والتحقق من المعلومات، وفهم أساليب التأثير والاستقطاب الإلكتروني، والمسؤولية القانونية والأخلاقية المترتبة على النشر وإعادة التداول.
وهذه الحصص والمحاضرات لا ينبغي أن تكون نشاطا احتفاليا أو لقاء عابرا لمناسبة معينة، بل برنامجا توعويا مستمرا، وفق خطة سنوية واضحة، تتناسب موضوعاتها مع الفئات العمرية والمراحل التعليمية، وتستجيب للقضايا التي تشغل الطلبة وتؤثر في سلوكهم وتوجهاتهم.
فطالب المدرسة يحتاج إلى فهم مبسط لمسؤولية استخدام الهاتف والمنصات الرقمية، وكيفية التعامل مع التنمر الإلكتروني والشائعات والمحتوى المحرض، فيما يحتاج طالب الجامعة إلى نقاش أعمق حول الفكر المتطرف، وحرية التعبير، والتعددية، والمواطنة، والأمن الفكري، والأبعاد القانونية والأخلاقية للنشر الرقمي.
والأهم أن تكون هذه اللقاءات تفاعلية، لا تلقينية، تفتح المجال للأسئلة والنقاش، وتعرض نماذج واقعية، وتساعد الطلبة على التفكير والتحليل وتكوين المواقف الواعية، فالمطلوب ليس جيلا يخشى السؤال أو الاختلاف، بل جيلا يمتلك القدرة على السؤال والتحقق والحوار، ويرفض العنف والتكفير والتحريض، ويتمسك بقيم الدولة والمجتمع والتعايش.
كما أن من الضروري أن يشارك في هذه البرامج خبراء ومختصون من خارج المؤسسات التعليمية، ممن يمتلكون المعرفة والخبرة العملية في التعامل مع هذه الملفات، بحيث لا يبقى الحديث عن التطرف الرقمي والتضليل الإعلامي والمواطنة مجرد مفاهيم نظرية، بل يتحول إلى معرفة تطبيقية تساعد الطلبة على فهم ما يجري حولهم، والتعامل معه بوعي ومسؤولية.
وهنا تبرز أهمية إشراك وزارة الاتصال الحكومي في هذا المسار، بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية، للاستفادة من الخبرات الإعلامية والمختصين في الدراية الإعلامية والمعلوماتية، وتطوير مواد توعوية موثوقة تصل إلى المدارس والجامعات، وتواكب طبيعة المحتوى الذي يتعرض له الشباب على المنصات الرقمية، كما يمكن أن تسهم هذه الشراكة في توفير خبراء ومتحدثين، وإعداد أدلة توعوية مبسطة، وتوحيد الرسائل التثقيفية التي تخدم هذا الهدف الوطني.
ولا يقل عن ذلك أهمية تأهيل المعلمين وأعضاء الهيئات التدريسية أنفسهم، وتزويدهم بالأدوات اللازمة للتعامل مع الأسئلة والقضايا التي يطرحها الطلبة، لأن بناء الوعي لا يتحقق بإضافة مادة دراسية فقط، وإنما بوجود بيئة تعليمية تشجع على التفكير النقدي، وتقبل الحوار، وتحترم الاختلاف، وتمنح الطالب مساحة آمنة للتعبير عن رأيه ومناقشة الأفكار دون خوف أو تخوين.
ولا ينبغي أن نفهم هذا التوجه على أنه محاولة لفرض رأي واحد أو مصادرة حق الطلبة في التفكير والنقد والاختلاف؛ على العكس تماما، فالمواطنة الواعية تقوم على احترام التعددية، وفهم القانون، وقبول الرأي الآخر، والقدرة على مناقشة الأفكار بالحجة والمعرفة، لا بالشتائم والتخوين والتحريض.
إن الدولة القوية لا تخشى السؤال، والمجتمع المتماسك لا يخشى الاختلاف، لكنهما يحتاجان إلى أجيال تعرف حدود المسؤولية، وتدرك أن حرية التعبير لا تعني تبرير الإرهاب أو التحريض على العنف أو استهداف السلم المجتمعي، كما أن الانتماء الوطني لا يعني تعطيل التفكير أو إلغاء النقد، بل يعني أن يكون الاختلاف مسؤولا، وأن تظل مصلحة الوطن وأمن المجتمع واستقراره حاضرة في سلوك الفرد ومواقفه.
ومن المهم كذلك ألا نختزل التربية الوطنية في مواجهة التطرف وحده؛ة، فهي أوسع من ذلك بكثير، إنها بناء علاقة واعية بين المواطن ودولته، وتعريف الأجيال بتاريخ الأردن ومؤسساته وتضحيات أبنائه، وتعزيز قيم المسؤولية والعمل والإنجاز واحترام القانون، وترسيخ ثقافة المشاركة الإيجابية في الحياة العامة، فالشاب الذي يفهم وطنه ومؤسساته وحقوقه وواجباته، ويدرك قيمة الاستقرار والتعددية، يكون أكثر قدرة على مواجهة محاولات التضليل والاستقطاب.
إن بناء المناعة الفكرية لا يتحقق بالخوف من الأفكار أو منع النقاش حولها، بل بمواجهتها بالمعرفة، وتقديم البدائل الفكرية الرصينة، وتعزيز قدرة الشباب على التفكيك والتحليل، وعدم تركهم وحدهم أمام محتوى قد يستهدف عواطفهم أو يستغل غضبهم أو يوجه أسئلتهم نحو مسارات متطرفة.
ولعل من الضروري أن تتبنى الوزارة هذا التوجه ضمن إطار مؤسسي واضح، يبدأ بمراجعة المساقات الوطنية ومحتواها في الجامعات، ودراسة جعلها متطلبات إجبارية، مرورا بتخصيص برامج توعوية دورية في المدارس والجامعات، وصولا إلى بناء شراكات مع المختصين والمؤسسات الإعلامية والثقافية والأمنية ذات العلاقة، مع تقييم أثر هذه البرامج بصورة دورية، حتى لا تبقى مجرد عناوين جميلة في الخطط والاستراتيجيات.
ولعل من المهم التأكيد أن الأجهزة الأمنية تقوم بدورها في حماية الوطن ومواجهة التهديدات، وتتحمل مسؤولية أساسية في حفظ الأمن والاستقرار، لكن لا يمكن تحميلها وحدها مسؤولية حماية الوعي العام، فهذه مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة والجامعة، وتصل إلى الإعلام والمؤسسات الدينية والثقافية والمجتمعية. أما المؤسسة التعليمية، فلديها فرصة استثنائية للتأثير المبكر والمستمر في بناء شخصية الطالب ومناعته الفكرية.
نحو تعليم يحمي عقول الطلبة
إن وزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية أمام فرصة لطرح مشروع وطني متكامل، يعيد الاعتبار للمساقات الوطنية، ويطور محتواها، ويجعل التوعية الفكرية والرقمية ممارسة منتظمة في المدارس والجامعات، بمشاركة الخبراء والمؤسسات المعنية.
فالأوطان لا تُحمى فقط بما تمتلكه من أجهزة ومؤسسات وقدرات، بل أيضا بما تمتلكه أجيالها من وعي ومعرفة وانتماء وقدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين الاختلاف والفتنة، وبين النقد المسؤول والتحريض.
لقد آن الأوان أن ننتقل من السؤال: كيف نواجه التطرف بعد ظهوره؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف نبني جيلا يمتلك المنعة الفكرية التي تمنع الأفكار المتطرفة من اختراقه؟
إن الاستثمار في وعي الطالب ليس شأنا تعليميا محضا، بل استثمار في أمن المجتمع واستقراره ومستقبله، وفي قدرة الدولة على مواجهة تحديات لا تتوقف عند حدود الجغرافيا، بل تتسلل إلى العقول عبر فضاء مفتوح لا يمكن إغلاقه، وإنما يمكن تحصين الإنسان في مواجهته.
احموا عقول الأجيال كما تحمون حدود الوطن، فالمعركة على الوعي تبدأ من مقاعد الدراسة، والإنسان الواعي هو خط الدفاع الأول عن وطنه.