-

اسرار وخفايا

تاريخ النشر - 08-11-2026 09:28 AM     عدد المشاهدات 11    | عدد التعليقات 0

ما بعد المواجهة الأمنية .. الأردن أمام اختبار المناعة الفكرية والاختراق الرقمي

الهاشمية نيوز -

احرس حدود عقلك.. الأردن في مواجهة الإرهاب الفكري والامتداد الرقمي للتطرف

كتب محرر الشؤون المحلية

لم تعد المعركة مع الإرهاب محصورة في الميدان الأمني، ولم يعد الخطر الذي يهدد المجتمعات مرتبطا فقط بمن يحمل السلاح أو يخطط لتنفيذ عملية إرهابية، فهناك معركة أخرى أكثر هدوءا، وأشد تعقيدا، تتسلل إلى العقول دون استئذان، وتعبر الحدود دون أن تحتاج إلى جواز سفر، وتجد طريقها إلى البيوت والجامعات وأماكن العمل عبر شاشة هاتف صغير يحمل في داخله عالما مفتوحا من الأفكار والروايات والمحتوى.
إن ما شهدته مواقع التواصل الاجتماعي في الأردن عقب جريمة كنيسة حمود في محافظة الكرك، وما تلاها من عملية "ردع حمود" ، وما رافق الحدثين من نقاشات حادة وتراشقات إلكترونية واستقطابات دينية وسياسية وفكرية، يستدعي قراءة أعمق من مجرد رصد التعليقات والمنشورات أو تصنيف المواقف بين مؤيد ومعارض، فنحن أمام سؤال أكبر يتعلق بطبيعة المناعة الفكرية للمجتمع الأردني، ومدى قدرته على حماية وعيه من الاختراق في فضاء رقمي لم تعد فيه الحدود الجغرافية قادرة وحدها على حماية المجتمعات من الأفكار التي تستهدفها.
نحن مخترقون فكريا عبر الفضاء الإلكتروني، وفكرنا أصبح مستباحا في عالم مفتوح، تتدفق عبره الأفكار المتطرفة وخطابات الكراهية والتحريض، وتجد فيه الجماعات المتشددة فرصة للوصول إلى عقول الناس، والتأثير في مواقفهم، وإعادة تشكيل قناعاتهم، وربما تحويل بعضهم، عن قصد أو دون إدراك، إلى أدوات لنشر خطابها وإعادة إنتاجه.

وهنا تكمن خطورة المشهد، فالتطرف لم يعد بحاجة إلى منبر تقليدي أو اجتماع سري أو تنظيم ظاهر حتى يروج لأفكاره، إذ بات بإمكانه أن يتخفى خلف حساب مجهول، أو مقطع مصور، أو منشور يستثير المشاعر، أو نقاش ديني وسياسي يجري توظيفه بطريقة مدروسة لإثارة الانقسام، بل إن بعض الأفكار المتطرفة قد تصل إلى المستخدم في صورة رأي أو تعليق أو مادة مثيرة للجدل، قبل أن تتسلل تدريجيا إلى طريقة تفكيره وموقفه من الآخر ومن الدولة والمجتمع.
ولعل الأخطر من انتشار الفكرة المتطرفة ذاتها أن تتحول إلى خطاب متداول، وأن تجد من يدافع عنها أو يبررها أو يعيد نشرها، حتى وإن لم يكن ناقلها منتميا إلى تنظيم إرهابي أو مقتنعا بجميع أفكاره، فالتطرف لا يحتاج دائما إلى أن يقنع الجميع باعتناق أيديولوجيته، بل قد يكفيه أن ينجح في تطبيع بعض مفرداتها، وأن يجعل خطاب التكفير والكراهية والتحريض جزءا من النقاش اليومي.
وهذا هو الإرهاب الفكري والامتداد الرقمي للتطرف، معركة لا تقل خطورة عن المواجهة الأمنية، لأنها تستهدف البيئة التي يمكن أن ينمو فيها الإرهاب قبل أن يتحول إلى فعل وسلوك.

المعركة و شاشات الهواتف

لم تكن جريمة كنيسة حمود مجرد حادثة أمنية مؤلمة في محافظة الكرك، بل كانت اختبارا حقيقيا لمدى تماسك المجتمع الأردني وقدرته على مواجهة محاولات استغلال الجريمة لإثارة الانقسام الديني والاجتماعي.
فالأردن الذي اعتاد أن يرى في وحدته الوطنية أحد أعمدة استقراره، وجد نفسه أمام نقاشات إلكترونية تجاوز بعضها حدود التعبير عن الغضب والاستنكار، لتصل إلى التعميم والإساءة والتشكيك وإطلاق أحكام على جماعات ومكونات اجتماعية ودينية بأكملها، وكأن جريمة ارتكبها متطرفون يمكن أن تتحول إلى مسؤولية جماعية يتحملها آخرون بسبب الدين أو الهوية أو الانتماء.
وفي المقابل، ظهرت مواقف أردنية واسعة رفضت الجريمة، وأكدت التضامن بين الأردنيين، ورفضت تحويل الدماء إلى مناسبة لإشعال فتنة داخل المجتمع، وكانت مشاهد التضامن والتعزية والتكاتف، وما رافقها من مواقف وطنية، تعبيرا عن حقيقة اجتماعية لا يجوز أن يحجبها ضجيج المنصات أو انفعالات بعض الحسابات.
لكن النقاش لم يتوقف عند حدود الجريمة، بل اتسع مع عملية ردع حمود وما رافقها من نقاش حول الأبعاد الأمنية والسياسية والعسكرية للعملية، والعلاقات الأردنية السورية، وطبيعة التهديدات التي تواجه المملكة في محيطها الإقليمي.
وهنا تداخلت المواقف، فمن المواطنين من نظر إلى العملية باعتبارها إجراء في سياق حماية الأمن الوطني ومواجهة مصادر التهديد، ومنهم من ناقش أبعادها السياسية والقانونية وانعكاساتها الإقليمية، وهي أسئلة تدخل في صميم النقاش العام ولا يجوز وضع أصحابها في خانة واحدة لمجرد اختلافهم في التقدير أو الرأي.
وفي المقابل، ظهرت تعليقات ومنشورات تجاوزت النقاش المشروع إلى التشكيك والتحريض والتعميم، وأخرى حاولت توظيف الأحداث في سجالات أيديولوجية ودينية وسياسية، الأمر الذي جعل منصات التواصل ساحة تتقاطع فيها المخاوف الوطنية والاختلافات السياسية وخطابات التطرف والكراهية.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نسمح للتطرف بأن يفرض علينا معادلة زائفة، مفادها أن المجتمع منقسم إلى معسكرين، وأن الاختلاف في الرأي يعني العداء للوطن، أو أن الدفاع عن الوحدة الوطنية يقتضي إلغاء حق الاختلاف، فالأردنيون ليسوا مطالبين بالتطابق في آرائهم، وإنما بالحفاظ على وطن يجمعهم رغم اختلافاتهم.

خطاب الكراهية ليس مجرد انطباع

ولأن الحديث بات أكثر عبر مواقع التواصل الاجتماعي لا ينبغي أن يبقى في إطار الانطباعات، فإن تقرير مرصد مصداقية الإعلام الأردني أكيد، التابع لمعهد الإعلام الأردني، يقدم مؤشرات مهمة تستحق التوقف عندها.
فبحسب التقرير الذي نشر في 26 تشرين الأول 2026، رصد المرصد خلال أول 48 ساعة من جريمة كنيسة حمود 657 منشورا ارتبط كل منها بثلاثة تعليقات فأكثر تضمنت تعبيرات تدل على الكراهية تجاه طرف مجتمعي، وكانت غالبية تلك التعليقات من حسابات مجهولة أو خارجية المصدر.
واللافت أن المرصد وثق 766 مادة صحفية منشورة على خمس منصات تواصل اجتماعي، نشرتها 16 وسيلة إعلام محلية وعربية ودولية، ولم تتضمن المنشورات الصحفية نفسها تعبيرات كراهية، بينما ظهرت تلك التعبيرات في تعليقات الجمهور، وبلغت نسبتها 1.8 بالمئة من مجموع التعليقات التي شملها الرصد.
أما في العينة الخاصة بالناشطين والمؤثرين، فقد رصد المرصد 156 منشورا لـ128 ناشطا ومؤثرا معروفا في الأردن وخمس دول خارجية، وتبين أن 27 منشورا منها تضمنت تعبيرات صريحة تندرج ضمن خطاب الكراهية، بنسبة بلغت 17.3 بالمئة، مقابل 82.7 بالمئة من المنشورات لم تتضمن هذا الخطاب.
وهذه الأرقام تحمل دلالتين لا يجوز إغفالهما، الأولى أن خطاب الكراهية موجود ويجد طريقه إلى النقاش الرقمي، والثانية أن هذا الخطاب لا يمثل بالضرورة غالبية المستخدمين أو المزاج العام للمجتمع الأردني، ولا يجوز تضخيمه إلى درجة تصوير المجتمع وكأنه أسير للانقسام.
لكن المؤشر الأكثر أهمية يتمثل في أن خطاب الكراهية لم يصدر فقط عن حسابات مجهولة، بل ظهر أيضا في بعض منشورات شخصيات عامة وناشطين ومؤثرين معروفين، بما يطرح تساؤلات جدية حول المسؤولية المترتبة على امتلاك جمهور واسع، وحول الحدود الفاصلة بين التعبير عن الرأي واستثمار الأحداث الحساسة في صناعة الاستقطاب.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن وجود حسابات مجهولة أو خارجية المصدر لا يثبت وحده وجود عملية منظمة أو جهة تقف خلفها، لكنه يكشف حجم التحدي الذي يواجه المجال الرقمي، ويؤكد ضرورة التحقق من مصادر المحتوى وعدم التعامل مع كل تعليق أو رواية باعتبارها انعكاسا حقيقيا لاتجاهات المجتمع.

المؤثرون.. الجماهيرية مسؤولية وليست امتيازا

من المسائل التي تستحق وقفة جادة، دور بعض المؤثرين وأصحاب الحسابات ذات الانتشار الواسع في توجيه النقاش العام، خصوصا عند وقوع أحداث أمنية أو دينية أو اجتماعية حساسة.
فقد أصبحت الجماهيرية الرقمية في بعض الأحيان معيارا للنفوذ والتأثير، وأصبح عدد المشاهدات والتعليقات والتفاعلات وسيلة لقياس نجاح المنشور، حتى إن بعض المحتويات لا تجد طريقها إلى الانتشار إلا لأنها تستثير الغضب أو تستفز المشاعر أو تفتح أبوابا من السجال بين المستخدمين.
وهنا تبرز إشكالية لا يجوز تجاهلها، هل يدرك بعض أصحاب المنصات الجماهيرية أن ما يكتبونه قد يتجاوز حدود رأي شخصي إلى التأثير في آلاف الأشخاص، وربما توجيه النقاش نحو مسارات من التوتر والانقسام؟
ليس المطلوب أن يتوقف المؤثرون عن إبداء آرائهم، ولا أن تتحول منصاتهم إلى مساحات خالية من النقد أو النقاش، لكن المطلوب أن يدركوا أن حرية التعبير تقترن بالمسؤولية، وأن امتلاك جمهور واسع لا يمنح صاحبه حصانة أخلاقية أو مهنية من نتائج ما ينشره.
فحين يطرح مؤثر قضية دينية أو سياسية بصياغة تعميمية، أو يستحضر حادثة أمنية لإثارة خصومة بين مكونات المجتمع، أو يترك منشورا محرضا يتسع في التعليقات دون أي مراعاة لخطورة الخطاب، فإنه يساهم في تشكيل بيئة قابلة للاستقطاب، حتى وإن لم يكن ذلك هدفه المعلن.
وليس كل منشور مثير للجدل تحريضا، وليس كل نقاش حاد خطاب كراهية، فالمعيار هو مضمون الخطاب وسياقه وما يتضمنه من استهداف أو تمييز أو تحريض على العنف، لكن من غير المقبول أن تتحول المأساة الإنسانية إلى وسيلة لرفع نسب المشاهدة، أو أن يصبح وجع الناس وقودا لمعارك إلكترونية تبحث عن التفاعل أكثر مما تبحث عن الحقيقة.
إن المؤثر الذي يمتلك عشرات الآلاف أو مئات الآلاف من المتابعين يمتلك مسؤولية تتناسب مع حجم تأثيره، وعليه أن يدرك أن الكلمة قد تبني وعيا، وقد تهدم جسورا من الثقة في لحظة واحدة.

الفضاء الإلكتروني مفتوح.. وفكرنا أصبح مستباحا

لقد تغير مفهوم الحدود في العالم الرقمي، فالدولة تستطيع أن تحمي حدودها الجغرافية وتراقب معابرها، وتستطيع أجهزتها الأمنية أن تلاحق التهديدات وتتعامل مع مصادر الخطر، لكن الفضاء الإلكتروني لا يتوقف عند حدود الدولة، ولا يحتاج من يريد نشر فكرة إلى تصريح دخول أو وسيلة نقل.
فالمحتوى الذي ينشر في أقصى العالم يصل إلى هاتف المواطن خلال ثوان، والمنصات تتيح الوصول إلى مجتمعات وأفكار وتيارات مختلفة، كما أن تقنيات مثل الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) قد تتيح تجاوز بعض القيود الجغرافية المفروضة على المحتوى أو الخدمات.
وهذا لا يعني أن استخدام هذه التقنيات دليل على مخالفة أو تطرف، ولا أن كل محتوى متاح عبرها ضار، لكن الحقيقة التي يجب أن نتعامل معها بواقعية هي أن الحجب وحده لا يشكل حماية فكرية مستدامة، وأن محاولة إغلاق كل منفذ رقمي ليست حلا عمليا في عالم تتغير فيه أدوات الوصول باستمرار.
فالمشكلة ليست في أن الإنترنت مفتوح أمام الجميع، وإنما في أن عقولنا قد تصبح مفتوحة دون وعي لكل ما يتدفق عبره.
نحن أمام فضاء تستطيع الجماعات المتطرفة استثماره في نشر خطابها، وتستطيع من خلاله إعادة تدوير المواد الدعائية، والتواصل مع الفئات المستهدفة، وتقديم الأفكار المتشددة في قوالب مختلفة، وقد تستغل بعض القضايا المحلية والأحداث الأمنية لبناء روايات تستهدف الثقة بالمؤسسات أو إثارة الكراهية بين أبناء المجتمع.
والأخطر أن المستخدم قد لا يدرك أحيانا أنه يتعرض لمحاولة تأثير فكري، فقد يظن أنه يشاهد مقطعا عاديا أو يقرأ رأيا شخصيا أو يشارك في نقاش عابر، بينما يكون المحتوى جزءا من خطاب أوسع يقوم على التلاعب بالمشاعر أو تقديم معلومات مجتزأة أو إعادة إنتاج أفكار إقصائية.

إن الاختراق الفكري لا يحتاج دائما إلى اختراق جهازك، يكفي أن ينجح صاحبه في اختراق طريقة تفكيرك، وأن يدفعك إلى تبني رواية دون تحقق، أو كراهية جماعة دون معرفة، أو التشكيك في كل ما حولك دون دليل.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا: إذا كان الفضاء الإلكتروني مفتوحا أمام الجميع، فمن يحمي عقولنا من كل ما يحمله هذا الفضاء؟

احرس حدود عقلك.. فالإنسان هو خط الدفاع الأول

إذا كانت الدولة تحرس حدودها الجغرافية بأجهزتها الأمنية والعسكرية، فإن لكل إنسان حدودا فكرية يجب أن يحرسها بنفسه.
وهذه ليست عبارة إنشائية أو دعوة إلى الانغلاق أمام العالم، بل هي مسؤولية فردية ومجتمعية في زمن أصبح فيه الوصول إلى المعلومات والأفكار أسهل من أي وقت مضى.
فالعقل ليس مساحة مستباحة لكل ما ينشر، والوعي ليس مادة قابلة للتشكيل وفق ما تمليه الحسابات المجهولة أو الجماعات المتطرفة أو بعض الأصوات التي تتخذ من إثارة الجدل وسيلة لصناعة النفوذ.
ليس كل ما يصل إلى هاتفك يستحق أن يدخل عقلك، وليس كل ما يثير غضبك يستحق أن تعيد نشره، وليس كل مقطع مصور دليلا، ولا كل رواية متداولة حقيقة، ولا كل صاحب جمهور واسع مصدرا موثوقا للمعلومات.
إن الإنسان هو خط الدفاع الأول عن عقله، وهو المسؤول عن انتقاء ما يتلقاه، والتحقق مما يقرأ، ومراجعة ما يعتقد، والتمييز بين النقد المشروع والخطاب التحريضي، وبين الاختلاف الفكري والدعوة إلى الكراهية.
وهنا تبرز أهمية الوعي الذاتي، فليس من المعقول أن نطالب الدولة بملاحقة كل منشور وكل حساب وكل فكرة، بينما لا نمارس نحن أبسط قواعد المسؤولية الرقمية، من التحقق قبل النشر، والتوقف عن إعادة تداول الشائعات، ورفض التعميم، وعدم الانجرار وراء الاستفزازات التي تستهدف مشاعرنا وهويتنا الوطنية.
فحين يشارك المواطن منشورا غير موثوق، أو يعيد نشر خطاب تكفيري، أو يساهم في حملة تستهدف جماعة دينية أو اجتماعية، فإنه قد يصبح، دون أن يدرك، جزءا من سلسلة نشر تخدم خطابا لا ينسجم مع قيم المجتمع ولا مع أمنه واستقراره.
ومن هنا فإن حماية العقل لا تعني أن نغلق أبوابنا أمام الأفكار المختلفة، بل أن نمتلك القدرة على استقبالها ونقدها ومناقشتها دون أن نكون أسرى لها أو أدوات في خدمتها.

الأجهزة الأمنية ليست وحدها في المعركة

ومن الإنصاف، بل من الواجب الوطني، أن نؤكد أن الأردن يمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية تقوم بجهود كبيرة في حماية الوطن وملاحقة التنظيمات الإرهابية ومتابعة مصادر التهديد وإحباط المخططات التي تستهدف أمن المواطنين واستقرار الدولة كل يوم دون الإعلان عن ذلك .
هذه الجهود لا يجوز التقليل منها، ولا يمكن التعامل مع المواجهة الأمنية باعتبارها مسؤولية عادية أو مهمة يمكن الاستغناء عنها، فهي خط الدفاع الأساسي عن أمن الدولة والمجتمع، وهي التي تتعامل مع التهديدات الميدانية وتتحمل مسؤولية حماية الأرواح والممتلكات والسيادة الوطنية.
لكن في المقابل، لا يمكن أن نحمّل الأجهزة الأمنية وحدها مسؤولية مواجهة التطرف بكل أشكاله وصوره.
فلا تستطيع الأجهزة الأمنية أن تضع حارسا على كل هاتف، ولا أن تمنع كل مستخدم من متابعة محتوى متطرف، ولا أن تحرس عقول ملايين المواطنين نيابة عنهم، كما أن المواجهة الأمنية، مهما بلغت من الجاهزية، لا تستطيع بمفردها معالجة الأسباب الفكرية والثقافية والاجتماعية التي تسمح لبعض الأفكار المتشددة بالانتشار.
إن مواجهة الإرهاب تبدأ من ملاحقة من يخطط وينفذ، لكنها لا تنتهي عند ذلك، إذ لا بد من مواجهة الفكر الذي يغذي الإرهاب، والخطاب الذي يبرره، والبيئة التي تمنحه فرصة الانتشار.
وهنا تتوزع المسؤولية بين الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والكنيسة والإعلام والمؤسسات الثقافية والمجتمع المدني، إلى جانب مؤسسات الدولة المختصة.

فالأسرة مطالبة بمتابعة الأبناء ومناقشة ما يتعرضون له عبر المنصات، والمؤسسات التعليمية مطالبة بتعزيز التفكير النقدي والقدرة على التمييز، ورجال الدين مطالبون بمواجهة خطاب التكفير والإقصاء، والإعلام مطالب بالتحقق وتقديم المعلومات الموثوقة، والمؤثرون مطالبون بممارسة تأثيرهم بمسؤولية.
أما المواطن، فعليه أن يدرك أن زر المشاركة ليس فعلا بريئا دائما، وأن ما يعيد نشره قد يصل إلى آلاف الأشخاص، وأن صمته عن خطاب الكراهية ليس بالضرورة حيادا إذا كان قادرا على رفضه والتصدي له بالوعي والحجة.

هل نحتاج إلى ضبط الفضاء الرقمي؟

بالتأكيد، لكن الضبط لا يعني إغلاق المجال العام أو مصادرة حرية التعبير أو تحويل كل اختلاف إلى مخالفة.
نحن بحاجة إلى منظومة متوازنة تحمي المجتمع من المحتوى الذي يروج للإرهاب والتجنيد والتحريض على العنف، وتوفر آليات واضحة للتبليغ والرصد والتعامل مع الحسابات التي تنشر التهديدات أو تدعو إلى الكراهية والعنف، وتعزز التعاون مع المنصات الرقمية الكبرى في مواجهة المحتوى المخالف للقوانين وسياسات النشر.
كما نحتاج إلى تطوير أدوات وطنية للرصد والتحليل المبكر، قادرة على فهم أنماط انتشار المحتوى المتطرف، والتمييز بين النشاط الحقيقي للمستخدمين والحملات المنسقة، دون القفز إلى استنتاجات لا تدعمها الأدلة.
لكن الأهم من ذلك كله هو أن يكون الضبط قائما على القانون، وأن تكون معاييره واضحة ومحددة، وأن يظل النقد السياسي والاختلاف الفكري وطرح الأسئلة حقا مكفولا، ما دام لا يتحول إلى تحريض أو تهديد أو دعوة إلى العنف.
فالدولة التي تريد تحصين مجتمعها فكريا لا بد أن تحمي في الوقت ذاته حقه في التفكير والنقاش والاختلاف، لأن الوعي لا يُبنى بالخوف من السؤال، وإنما بالقدرة على الوصول إلى الحقيقة ومناقشتها.
ولا يمكن أن نواجه التطرف بمنطق إقصائي مضاد، أو أن نطلب من الناس رفض الكراهية بينما نمارسها بحق بعضنا البعض.

الأردن الذي نريده

لقد أثبتت التجربة الأردنية في محطات عديدة أن التماسك الوطني ليس مجرد شعار يرفع في المناسبات، بل هو رصيد حقيقي يتجلى في الأزمات، وفي التضامن بين الأردنيين، وفي قدرتهم على تجاوز محاولات التفريق بينهم.
وما شهدناه عقب جريمة كنيسة حمود من مواقف تضامن ورفض للفتنة يؤكد أن المجتمع يمتلك من المقومات ما يمكن البناء عليه، وأن الأصوات التي تحاول جر النقاش إلى صراعات دينية واجتماعية لا يجوز أن تختزل صورة الأردن أو تعبر عن حقيقة الأردنيين.
لكن الحفاظ على هذا الرصيد يتطلب عملا مستمرا، ولا يجوز أن ننتظر وقوع جريمة أو أزمة أمنية حتى نعيد طرح أسئلة التطرف وخطاب الكراهية والوعي الرقمي.
فالمناعة الفكرية لا تُبنى في يوم، ولا تُكتسب من بيان أو حملة توعوية عابرة، وإنما هي عملية طويلة تبدأ من طريقة تفكير الفرد، ومن طبيعة الخطاب داخل الأسرة، ومن دور المؤسسات التعليمية والدينية والإعلامية، ومن قدرة المجتمع على رفض كل ما يهدد وحدته.
إن الأردن بحاجة إلى مواطن يثق بمؤسساته، لكنه لا يتخلى عن حقه في السؤال والنقد؛ مواطن يختلف مع الآخرين دون أن يعاديهم، ويناقش دون أن يكفّر، ويعارض دون أن يحرض، ويستخدم التكنولوجيا دون أن يسمح لها بأن تستخدم عقله أو تصادر وعيه.
فليس المطلوب أن يتفق الأردنيون على كل شيء، وإنما أن يدركوا أن اختلافاتهم لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات في يد المتطرفين أو الوقود الذي يغذي الفتن.

من يحرس حدود العقل

إن ما بين جريمة كنيسة حمود وعملية ردع حمود ليس مجرد تسلسل لأحداث أمنية أثارت نقاشا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي، بل هو مناسبة لإعادة التفكير في مفهوم الأمن الوطني نفسه، وفي طبيعة التهديدات التي تواجه المجتمعات في عصر لم تعد فيه المعارك محصورة في الأرض والحدود والسلاح.
فقد تنجح الدولة في حماية حدودها الجغرافية، وقد تنجح أجهزتها الأمنية في إحباط مخطط إرهابي وملاحقة منفذيه، لكن من يحمي عقول أبنائها حين تصبح مستباحة عبر فضاء إلكتروني مفتوح، تتدفق منه الأفكار المتطرفة وخطابات الكراهية والتحريض؟
ومن يمنع أن تتحول شاشات الهواتف إلى منافذ لاختراق الوعي، وأن يصبح بعض المستخدمين أدوات لإعادة نشر أفكار تستهدف وحدتهم ومجتمعهم؟
إن المعركة مع الإرهاب لا تنتهي عند تفكيك خلية أو إحباط مخطط، بل تمتد إلى منع الفكر الذي أنتج الإرهاب من إيجاد موطئ قدم في عقول الناس، وإلى تحصين المجتمع من كل خطاب يحاول أن يزرع الكراهية أو يشرعن العنف أو يمزق النسيج الوطني.
فالدولة تحمي الحدود، والأجهزة الأمنية تحمي الأرواح والاستقرار، لكن الإنسان هو الحارس الأول لحدود عقله،فاحرس حدود عقلك، فالمعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على الوعي، ومن لا يحمي فكره قد يجد نفسه، دون أن يدري، حارسا لأفكار من يريدون اختراق وطنه.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

عـاجـل :