كتب محرر الشؤون السياسية / د. عمر الزيود
لم يكن الطريق الذي تسير عليه الدولة يوماً معبداً أمام الحكومة ومجلس الأمة؛ فالعلاقة بين السلطات التنفيذية والتشريعية في الأردن مرت بمطبات متكررة عبر العقود، تصطدم الحكومات دوماً بالمجالس البرلمانية نتيجة تباين المزاج الحكومي مع إرادة الشارع، أو العكس.
وفي المشهد الحالي، بين حكومة الدكتور جعفر حسان، ابن البلاط الملكي، والبرلمان العشرين، ابن الشعب، يبدو المواطن الأردني محاصراً بين رغبات لم تتحقق وآمال تتأرجح، الشارع يعبّر عن عدم رضاه عن الأداء العام، فيما ترى الحكومة مجلس النواب معرقلاً لمسارها، يضيع الوقت ويعطل الخطط في ظل رؤية ملكية لتحديث سياسي واقتصادي واجتماعي، بالمقابل، يعتبر البرلمان أن الحكومة "مكانك سر"، عاجزة عن تلبية مطالب ممثلي الشعب، ما يعكس حالة من الجمود السياسي تمس جوهر النظام الديمقراطي الأردني.
وعلى الصعيد الدستوري، تتردد همسات عن تعديلات محتملة تمس المواد الأساسية المرتبطة ببقاء الحكومة بعد حل مجلس النواب، وفترة انتخاب مجلس جديد، فالمادة 74 من الدستور الأردنى تنص على أن "الحكومة التي يُحل مجلس النواب في عهدها تستقيل خلال أسبوع من تاريخ الحل، ولا يجوز تكليف رئيسها بتشكيل الحكومة التي تليها"، أما التعديل المطروح في الظل، فيقضي ببقاء الحكومة القائمة بعد حل المجلس، وهو ما يفتح الباب أمام نقاشات واسعة حول دور السلطة التنفيذية والرقابة البرلمانية.
أما المادة 73، فتنص على وجوب إجراء انتخابات عامة خلال أربعة أشهر من تاريخ الحل، على أن يجتمع المجلس الجديد في دورة غير عادية، وإذا لم تجرَ الانتخابات في الوقت المحدد، يعود المجلس المنحل لسلطته الدستورية فوراً، والتعديل المقترح في الظل يسعى لتمديد هذه المهلة إلى عام أو أكثر، مما يغير من ديناميكيات التمثيل الشعبي ويضعف آليات المساءلة البرلمانية.
وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، يشكل الأردن نقطة ارتكاز في الشرق الأوسط، خاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023 في غزة وسقوط نظام الأسد في سوريا عام 2024. ورغم التحديات، تبقى بوصلته السياسية ثابتة نحو الحفاظ على علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، اللذين يربطان الدعم السياسي بأي التزام بمبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والاستدامة، والمساهمة في تنمية المجتمع، وتعزيز برامج التمكين عبر المؤسسات الوطنية، لا سيما السلطات التشريعية كمجلس النواب.
في هذا السياق، تبدو الأردن أمام مفترق طرق؛ بين تعزيز الاستقرار السياسي وتحقيق الرؤية الملكية للتحديث، وبين مطالب الشارع والرقابة البرلمانية، ما يجعل أي تعديل دستوري أو تحرك حكومي تحت مجهر المتابعة الدقيقة من المجتمع المحلي والإقليمي والدولي.
الرؤية الملكية للتحديث السياسي: اختبار البرلمان والحكومات
في 2021، أعلن جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين الرؤية الملكية للتحديث السياسي، بوصفها مشروعًا استراتيجيًا لإعادة هندسة النظام السياسي الأردني. هذه الرؤية لم تقتصر على تعديل القوانين، بل وضعت خارطة طريق لتحويل البرلمان والحكومات إلى أدوات فاعلة ومسؤولة سياسيًا، عبر بناء كتل حزبية قوية وبرامج انتخابية واضحة، مع الحفاظ على الاستقرار الوطني.
الرؤية تعكس فهمًا دقيقًا للتحديات الداخلية: ضعف الحياة الحزبية، تراجع ثقة الشارع بالبرلمان، وهيمنة العمل الفردي والخدماتي على الأداء التشريعي، وتأتي كإشارة واضحة بأن التحديث السياسي ليس رفاهية، بل ضرورة لمواجهة أزمة تمثيل حقيقية.
الفجوة النقدية: التنفيذ مقابل الطموح
رغم وضوح الرؤية وطموحها، يظل التنفيذ أكبر تحدٍ، البرلمان لم يتجاوز بعد ثقافة الممارسة التقليدية، والحكومات تتردد أحيانًا بين إدارة المرحلة وقيادة التغيير، هنا يكمن الخطر: بطء التنفيذ أو الانتقائية قد تفرغ الرؤية من مضمونها، وتعيد إنتاج فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات.
الرؤية وضعت سقفًا عاليًا للإصلاح السياسي، لكن بلوغه يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ونخبة برلمانية قادرة على التحول من المراقب المتردد إلى الشريك السياسي المسؤول.
غياب مجلس النواب في الأردن وآثاره على الحكم
شهد الأردن في تاريخه السياسي الحديث فترات غياب فعلي للسلطة التشريعية المنتخبة، شكّلت محطات مفصلية في تطور الحياة النيابية، وأثارت نقاشًا مستمرًا حول التوازن بين متطلبات الاستقرار السياسي ودور البرلمان في التمثيل والرقابة.
أبرز هذه الفترات تمثلت في التعليق الطويل للحياة النيابية بين عامي 1967 و1989، في عهد الملك الحسين بن طلال، عقب حرب حزيران واحتلال الضفة الغربية. ارتبط هذا الغياب بظروف سياسية وأمنية استثنائية وتعقيدات التمثيل النيابي، إلى جانب العمل بالأحكام العرفية وحالة الطوارئ، وهو ما برّرته الدولة بالحفاظ على الاستقرار، مقابل انتقادات سياسية وفكرية اعتبرت أن غياب البرلمان أضعف المشاركة السياسية وأجّل تطور الحياة الديمقراطية، إلى أن عادت الانتخابات عام 1989.
عاد غياب مجلس النواب بصيغة مختلفة خلال حكومة علي أبو الراغب (2000–2003) في عهد الملك عبد الله الثاني بن الحسين، حيث تم حل مجلس النواب عام 2001 وتأجيل الانتخابات، ما أدخل البلاد في فترة امتدت قرابة عامين دون سلطة تشريعية منتخبة، ورغم أن هذا الغياب كان مؤقتًا وجاء ضمن إطار دستوري قائم، إلا أنه خلق فراغًا رقابيًا واضحًا، انتقلت خلاله وظيفة التشريع عمليًا إلى السلطة التنفيذية.
استندت الحكومة في تلك المرحلة إلى المادة (94) من الدستور الأردني لإصدار قوانين مؤقتة، صدرت بإرادة ملكية ودخلت حيز التنفيذ فورًا، في ظل غياب النقاش والرقابة البرلمانية. وقد أدى ذلك إلى تركّز القرار التشريعي والتنفيذي بيد الحكومة، وتسريع تمرير تشريعات، خصوصًا في المجالات الاقتصادية والإدارية، دون المسار البرلماني المعتاد.
وقد خلّف غياب مجلس النواب آثارًا مباشرة تمثلت في إضعاف مبدأ التوازن بين السلطات، وتراجع الدور الرقابي للبرلمان، واتساع الفجوة بين المواطن والمؤسسات التمثيلية، إضافة إلى الحاجة اللاحقة لإعادة النظر في عدد من القوانين المؤقتة بعد عودة المجلس المنتخب. كما أسهم هذا الغياب في ترسيخ جدل سياسي مستمر حول حدود استخدام الأدوات الدستورية الاستثنائية، وضرورة عدم تحوّلها إلى ممارسة دائمة تمس جوهر الحياة النيابية.
في المحصلة، تُظهر التجربة الأردنية أن غياب البرلمان، رغم استناده في فترات معينة إلى مبررات سياسية ودستورية، شكّل تحديًا للحكم التشاركي والرقابي، وأكد أهمية انتظام الحياة النيابية كركيزة أساسية للاستقرار السياسي والحكم الرشيد.
|
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه. |
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |
ترامب يهاجم حاكم مينيسوتا وعمدة مينيابوليس بعد مقتل رجل برصاص ضباط الهجرة
أسماء الأحزاب تحت المجهر: جبهة العمل الإسلامي والاستثناء الوحيد .. تفاصيل
ملايين "الخدمة المجتمعية" من القطاع الخاص لحكومة حسّان تثير الجدل
بني هاني : التوجيهات الملكية لهيكلة الجيش تؤكد العقيدة الراسخة ليبقى درع الوطن وسياجه
الربابعة يكتب .. هيكلة الجيش: عندما تصبح الجاهزية العسكرية رافعة اقتصادية مستدامة
تفاصيل التوجيهات الملكية لإعادة هيكلة الجيش الأردني