تاريخ النشر - 14-12-2025 07:31 PM عدد المشاهدات 1 | عدد التعليقات 0
حين تكتب التجربة نفسها: قراءة في كتاب الوزير الأسبق أ. د فيصل الرفوع

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون الثقافية
يقدّم استاذ العلوم السياسية والوزير الأسبق الأستاذ الدكتور فيصل الرفوع في كتابه "أوراق متناثرة في مهبّ الريح": من بصيرا إلى تورونتو عملاً توثيقيًا وفكريًا يتجاوز حدود السيرة الذاتية التقليدية، ليغدو شهادة زمن، وقراءة عميقة في التحولات الفكرية والسياسية والاجتماعية التي عايشها الكاتب على امتداد مسيرته الطويلة.
الكتاب غني ومتنوع، لا يروي حكاية فرد بقدر ما يستحضر مسار جيلٍ عربيّ تشكّل وعيه بين القرية والمدينة، وبين الوطن والاغتراب، وبين الحلم الوطني وأسئلة الدولة والهوية، من بصيرا، بوصفها نقطة الانطلاق الأولى، إلى تورونتو، باعتبارها محطة علمية وإنسانية، يرسم الدكتور الرفوع خريطة ذاكرة شخصية ممتدة تتقاطع فيها التجربة الذاتية مع الشأن العام.
يستعرض الكتاب محطات التعليم المبكر، وبدايات التكوين الفكري، والانتقال بين عواصم المعرفة العربية، وصولًا إلى التجربة الأكاديمية والسياسية، حيث تتداخل الجامعة بالوزارة، والفكر بالممارسة، دون أن يفقد السرد هدوءه أو نزاهته، ويبرز في كتابه حرصه على توثيق اللحظة دون ادّعاء، ونقد التجربة دون خصومة، والاعتراف بالمنجز دون إنكار الإخفاق.
كما يفتح الكتاب نوافذ واسعة على قضايا الأمة العربية، من الوعي القومي، إلى التحولات الإقليمية، مرورًا بتجارب الاغتراب العربي في آسيا وأمريكا الشمالية، حيث لا تغيب الأسئلة الكبرى حول الهوية، والانتماء، ومستقبل العالم العربي في ظل المتغيرات الدولية، ويُلاحظ أن الكاتب يوازن بين العاطفة والعقل، وبين الذاكرة والتحليل، ما يمنح النص بعدًا إنسانيًا وفكريًا في آن واحد.
ولا يقف (أوراق متناثرة في مهبّ الريح) عند حدود السرد الزمني، بل يتعمّد تفكيك التجربة إلى، كل ورقة تمثل مرحلة، فكرة، أو موقفًا، في أسلوب يعكس قناعة الكاتب بأن الحياة ليست خطًا مستقيمًا، بل مسارًا متعرجًا تصنعه التفاصيل الصغيرة بقدر ما تصنعه القرارات الكبرى.
الكتاب في مجمله إضافة نوعية للمكتبة الأردنية والعربية، لما يحمله من صدق في الطرح، وجرأة في التقييم، وهدوء في اللغة، بعيدًا عن الاستعراض أو المبالغة، وهو موجّه إلى القارئ الباحث عن فهم أعمق لتجربة الدولة، والجامعة، والمنفى، من خلال عين شاهد شارك وراقب ودوّن.
إنه كتاب في الذاكرة، لكنه أيضًا كتاب في المستقبل؛ دعوة للتأمل، ومساءلة للتجربة، وتأكيد على أن الأفكار، مهما بدت متناثرة في مهبّ الريح، قادرة على أن تترك أثرها العميق في الوعي الجمعي.