تاريخ النشر - 29-11-2025 12:57 PM عدد المشاهدات 7 | عدد التعليقات 0
رحلة الأحزاب الأردنية: من غرفة الولادة إلى غرفة الإنعاش

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون السياسية
في بلد اعتاد أن يصنع استقراره بعرق الناس ووعي الدولة، لا بضجيج الشعارات، تبدو الأحزاب السياسية في الأردن اليوم وكأنها جوقة موسيقية فقدت نوتتها: أصوات كثيرة، وعزف قليل، وحضور بلا تأثير، "براندات" لامعة تتدلّى على لافتات كبيرة، وأسماء تتبدل، وقيادات تتزين بالخطاب السياسي فيما الواقع يقول شيئًا آخر: الأحزاب التي وُلدت على وقع "التحديث السياسي" دخلت إلى الحياة العامة بقوة المراسيم، وخرجت منها بخفة الريح.
ظهر المشهد وكأن البلاد تعيش نهضة حزبية، فيما الحقيقة أن المواطن لم يلمس سوى ازدحام في اللافتات وغياب في الأفعال، وبقي الانتماء الأردني الحقيقي ثابتًا: ولاء للدولة وقيادتها الهاشمية، لا لتجارب حزبية ما تزال تبحث عن معناها.
يقول أحد المحلّلين إن " المشهد الحزبي بدا كمن بُعث للحياة بقرار، لكنه لم يُمنح روحًا ليعيش"، فالأحزاب برأيه ، ظهرت فجأة في الواجهة، نظّمت المؤتمرات، عقدت الورش، دفعت بإعلانات وتحرّكت في المحافظات، لكنها ما أن انتهت الانتخابات الداخلية حتى عاد معظمها إلى سباته القديم، تاركة المشهد السياسي بلا حرارة، وبلا تأثير، وبلا حياة حزبية حقيقية، ويضيف المحلل ذاته: " الفرق الوحيد بين الحزب والصالون السياسي الآن هو أن الأول لديه شعار، والثاني لديه قهوة".
ويرى محلل آخر أن المشكلة ليست في الفكرة الحزبية، بل في الأشخاص الذين تصدّروا هذه الكيانات، فبدل أن تقدّم الأحزاب وجوهًا جديدة وأفكارًا مبتكرة، أعادت تدوير الشخصيات ذاتها التي عرفها الأردنيون لعقود، ويصف الأمر قائلًا: ( مشهد الأحزاب اليوم يُشبه تبديل قمصان لا أكثر؛ الأسماء تغيّرت، أما النهج فبقي كما هو، والمواطن يعرف ذلك جيدًا، ولذلك لم يتعامل معها بجدّية"، ويؤكد أن ما يُقال في الشارع يعكس تمامًا هذا الشعور: هي نفس الوجوه، مع شعار جديد فقط".
ويذهب أحد الباحثين السياسيين إلى أبعد من ذلك حين يؤكد أن الأحزاب تحولت دون قصد إلى عبء إداري وسياسي على الدولة بدل أن تكون رافعة إصلاحية، فالدولة فتحت الباب، قدّمت البيئة القانونية، ضمنت حرية التنظيم، ودعمت التمكين، لكن النتائج جاءت أقل بكثير من حجم الجهد الرسمي، ويضيف: المفارقة أن الدولة تبدو اليوم أكثر التزامًا بإنجاح التجربة من بعض الأحزاب نفسها، بينما المواطن بقي ثابتًا في ولائه وانتمائه للدولة والقيادة الهاشمية دون الحاجة للمرور عبر تلك الكيانات".
وفي تحليله لأسباب الفشل، يشير محلل بارز إلى أن المشكلة الجوهرية تكمن في غياب المشروع السياسي الحقيقي داخل معظم الأحزاب، فبرامجها كما يقول تكاد تكون نسخًا متشابهة، عمومية، إنشائية، لا تلامس الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه الأردني، ويضيف: المواطن لم يجد في هذه البرامج ما يقنعه بأن الحزب سيغيّر حياته أو يحمي مصالحه، لذلك بقي يراقب من بعيد، يبتسم أحيانًا، ويسخر غالبًا".
أما على صعيد الاتجاهات المستقبلية، فيرى المحللون أن الأحزاب أمام امتحان وجودي سيظهر مع اقتراب الانتخابات المقبلة، فإما أن تعيد تنظيم نفسها وتنتج قيادات جديدة قادرة على الاشتباك مع هموم الناس، أو أنها ستتآكل طبيعيًا وتبقى مجرد لافتات معلّقة بلا جمهور حقيقي، ويقول أحدهم: لن تستمر الأحزاب بهذه الحالة؛ إمّا أن تتطور أو يتجاوزها الشارع تمامًا".
ويختم محلل سياسي أردني معروف رأيه بعبارة تختصر المشهد كله حين قال:
" إن لم تقدّم الأحزاب قيمة حقيقية للمواطن فلن يراها، وإن لم يشعر بأنها تعبّر عنه فلن يتجه نحوها، وإن لم تُحدث فرقًا فسينساها المواطن الأردني أثبت ولاءه للدولة دون وسطاء، لكن الأحزاب ما زالت تحاول إثبات حقّها في البقاء على الورق فقط.
ويضيف إن الأحزاب الناجحة تبنى كما الهرم ،من الأسفل بقاعدة قوية إلى أعلى الهرم، فيما معظم الأحزاب الأردنية بنيت بطريقة الهرم المقلوب من الرأس إلى القاعدة، فيما يطغى رأس المال على رأس الهرم في كثير من الأحيان.