خاص / الهاشمية نيوز
كتب محرر الشؤون السياسية - محمد الحريري
في مرحلة إقليمية مشتعلة، وتغيّرات دولية تعيد رسم خرائط القوة والمصالح، يبرز سؤال واحد يشغل العقول داخل أي دولة:
كيف يمكن حماية الداخل في عالم يتقلّب بسرعة، وتتداخل فيه الأزمات إلى حدّ يصعب معه الفصل بين ما هو اقتصادي وما هو أمني، وما هو صحي وما هو سياسي؟
في الأردن، لم يعد هذا السؤال نظريًا منذ سنوات، فقد اختارت الدولة، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، أن تبني نموذجًا خاصًا بها في إدارة المخاطر والأزمات، نموذجًا لا يعتمد على (رد الفعل) بل على القدرة الاستباقية، وعلى تثبيت منظومة حماية وطنية تعمل باستمرار دون توقف.
في هذا السياق، جاءت حلقة بودكاست "إرث" التي استضافت مدير الاستجابة الإعلامية في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات، أحمد النعيمات، لتكشف بصورة معمّقة جانبًا من " العقل الاستراتيجي" للأردن في التعامل مع المخاطر، لم تكن الحلقة مجرّد استعراض إداري أو تنظيمي، بل شهادة سياسية أمنية تستحق أن تُقرأ في سياقها الوطني والإقليمي والدولي.
لمشاهدة اللقاء اضغط هنا
المخاطر.. من المفاهيم الكلاسيكية إلى الرؤية الملكية الاستشرافية
حتى عام 2005، كان العالم بأسره ينظر إلى إدارة الأزمات باعتبارها "حماية من الكوارث" ، سواء كانت طبيعية أو بشرية.
أما اليوم، فالمشهد تغيّر بالكامل:
المخاطر أصبحت متداخلة.
الأزمات لم تعد تُرى بالعين.
الحدث المحلي يتأثر مباشرة بما يجري في غزة وأوكرانيا وتايوان والبحر الأحمر.
الأمن الغذائي أصبح جزءًا من الأمن السياسي.
المعلومة أصبحت سلاحًا، والتضليل أداة حرب.
يقول النعيمات:
"جلالة الملك أدرك مبكرًا أن الدولة تحتاج مركزًا واحدًا يوحد إدارة المخاطر والأزمات، لأن الأخطار أصبحت متداخلة، ولأن مفهوم الأزمة تغيّر جذريًا."
بكلمات أخرى:
ليست المشكلة أن تحدث أزمة، بل في كيفية رصد جذورها قبل أن تتشكل، وهنا يظهر الفرق بين الدول التي تفهم عالم اليوم، والدول التي تُفاجأ به.
الأزمة و الكارثة.. الفارق الذي يحدد مصير دولة
يوضح النعيمات مفهومًا مهمًا يغفل عنه الكثيرون:
الأزمة: حدث مفاجئ، قليل المعلومات، يضع الدولة تحت ضغط اتخاذ القرار (مثل جائحة كورونا).
الكارثة: حدث وقع بالفعل وخلّف خسائر، ويدور الحديث حول احتوائها.
هذا الفارق ليس نظريًا، بل هو ما جعل الأردن، وسط الجائحة، ضمن أفضل عشر دول عالميًا في إدارة كورونا، لأن الدولة لم تنتظر وصول الخطر، بل تعاملت معه وفق تنظيم سياسي إداري يستند إلى بنية وطنية موحدة.
وهنا يقول النعيمات:
" المركز كان الأوركسترا التي نسّقت الجهد الوطني.. ومن دون هذا التناغم، ما كان للأردن أن يحقق ما حققه."
في السياق السياسي، هذه الجملة تختصر فلسفة الدولة الأردنية الحديثة:مؤسسات قوية، قرار مركزي، ومرونة في التنفيذ.
المواطن لا يرى ما يجري تحت السطح.. ولكنه يعيش نتائجه
من أهم النقاط السياسية الاستراتيجية التي وردت في حديث النعيمات، هي تلك المرتبطة بغياب "الوعي العام" لطبيعة الجهود المكثّفة التي تبذلها الدولة لحماية الاستقرار.
يقول النعيمات:
"المواطن لا يسأل نفسه لماذا لم ترتفع الأسعار بعد حرب غزة، ولا بعد حرب أوكرانيا وروسيا، السبب أن هناك خطة وطنية تُنفّذ يوميًا."
هذا التصريح يكشف جانبًا مهمًا في فلسفة الإدارة في الأردن:الدولة تعمل على " كبح الصدمات" قبل أن تصل إلى المجتمع، ولا تنتظر أن تتحول الأزمة السياسية الدولية إلى مشكلة محلية.
ولذلك، يراقب المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات:
المخزون الغذائي
المخزون المائي
سلاسل التوريد العالمية
الأسواق الدولية
تأثير الأحداث الإقليمية
حركة الحدود
أنماط الهجرة
طبيعة التضليل الإعلامي
السياسة هنا واضحة:
حماية النسيج الاجتماعي من ارتدادات العالم الخارجي.
الأمن الغذائي.. من قرار سياسي إلى بنية وطنية
ما قاله النعيمات حول رؤية جلالة الملك للأمن الغذائي ليس تفصيلًا إداريًا، بل هو قرار سياسي سيادي:
بناء صوامع أفقية وعمودية.
تطوير التخزين المتنقل.
إدخال التكنولوجيا في مراقبة المخزون.
توسيع قاعدة البيانات الوطنية.
هذه استراتيجية دولة، لا استراتيجية مؤسسة، ولذلك، استطاع الأردن رغم محدودية موارده أن يصمد أمام أزمات كبرى ضربت العالم، مثل:
أزمة القمح العالمية
أزمة الشحن البحري
الحرب الروسية – الأوكرانية
اضطراب أسواق الطاقة
التضخم العالمي
وفي كل ذلك، كان المركز الوطني أحد أذرع الدولة في تطبيق رؤية ملكية واضحة:التحول من إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر.
الأردن خارج حدوده.. الأمن الوطني يمتد إلى مواطنيه في الخارج
عندما تحدث النعيمات عن إجلاء الأردنيين في الحرب الأوكرانية الروسية، بدا واضحًا أن المملكة تتعامل مع مواطنيها خارج البلاد باعتبارهم جزءًا من منظومة الأمن الوطني، ليس الأمر مجرد سفارة أو خدمات قنصلية، بل: قاعدة بيانات، متابعة دراسية
متابعة صحية
ضمانات لوجستية
إجلاء من مناطق خطرة
حماية مستقبل الطلبة
تنسيق سياسي – أمني – لوجستي
هذا السلوك يعكس "معيار دولة" وليس "معيار حكومة".
المعلومة.. سلاح سياسي واستراتيجي
في عالم اليوم، المعلومة ليست تفصيلًا بريئًا،
هي أداة حرب، ووسيلة تأثير، وقد تكون سببًا في تغيير اتجاهات الرأي العام، أو خلق حالة إرباك سياسي داخل أي دولة.
لذلك، حين تحدّث النعيمات عن" المصادر المفتوحة" ووحدة الدراسات عالية الأداء، كان يشير إلى جزء مهم من أدوات الأمن الوطني:
رصد الشائعات
رصد حملات التأثير الخارجي
تحليل البيئات المعادية
فهم ديناميكيات السوشيال ميديا
قراءة المزاج العام
تحديد مصادر التهديد المعلوماتي
وفي عالم تتداخل فيه خوارزميات التواصل مع الجغرافيا السياسية، تصبح هذه الأدوات ضرورة سياسية، لا تقنية.
29 خطرًا وطنيًا.. سجل سياسي للحماية من التهديدات المركبة
من أكثر النقاط أهمية في حديث النعيمات، هو وجود سجل وطني للمخاطر يشمل 29 نوع خطر، تم تحديد:
تعريفه
أدوات مواجهته
أدوار المؤسسات
السيناريوهات
خطط التمرين
وآليات التنفيذ
هذا السجل هو في الحقيقة "خريطة سياسية" لطريقة تفكير الدولة الأردنية لإدارة الأزمات :
المخاطر معروفة
المسؤوليات واضحة
السيناريوهات جاهزة
القرار مركزي
التنفيذ موزّع
والتنسيق دائم
هذا يضع الأردن ضمن قائمة الدول القليلة التي تمتلك منظومة إدارة مخاطر وطنية مكتملة.
المركز..مؤسسة استراتيجية في قلب القرار
حين يصف النعيمات المركز بأنه واحد من أهم خمس مؤسسات استراتيجية في الدولة، فهو يضعه ضمن مربع القرار الوطني الحقيقي:
1. رئاسة الوزراء
2. القوات المسلحة
3. المخابرات العامة
4. الأمن العام
5. المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات
هذه المؤسسات الخمس هي التي تشكّل الدرع السياسي الأمني للدولة الأردنية.
المركز لا ينافس أحدًا، بل ينسّق بين الجميع،ووظيفته ليست تنفيذية، بل تنسيقية تحليلية قيادية على مستوى إدارة المخاطر، والأهم:أنه يعمل 24 ساعة يوميًا، خارج الحسابات السياسية الداخلية، وبعيدًا عن الضجيج.
الإنذار المبكر في البترا.. نموذج سياسي للنجاح
ربما لم يسمع الكثيرون عن أن البترا أُخليت 6 مرات في خمس سنوات، دون إصابات أو خسائر، لكن ما وراء هذه المعلومة هو "ابتكار استراتيجي" في إدارة الخطر:
أجهزة إنذار مبكر.
تحليل لبيانات.
اتخاذ قرار سريع.
تعاون مؤسسي بين الجهات.
حماية قطاع سياحي يشكّل ركنًا من أركان الاقتصاد الوطني.
هذه العينة الصغيرة تكشف ما يعنيه "العمل الاستباقي" في السياسة العامة.
المنعة الوطنية.. الهدف السياسي الأهم
في حديثه، يلخّص النعيمات جوهر العمل الوطني كله في ثلاثية:
المنعة – التكيف – الاستباق.
وهذه الثلاثية ليست نظرية، بل هي:
قدرة دولة على البقاء ثابتة في محيط متغير.
قدرة مؤسسات على فهم المخاطر قبل وقوعها.
قدرة قيادة على بناء نموذج طويل الأمد.
وهنا تكمن القوة السياسية للأردن:
دولة صغيرة جغرافيًا، لكنها كبيرة بقدرتها على حماية نفسها في عالم مضطرب.
ما كشفه أحمد النعيمات في حلقة “إرث” ليس مجرد حديث عن مؤسسة، بل هو عرضٌ لطريقة تفكير دولة، وفلسفة قيادة، ومسار تحوّل استراتيجي بدأ منذ سنوات طويلة.
هذه ليست قصة إدارة أزمة، بل قصة بناء نظام منعة وطنية يواجه:
التضليل
الاقتصاد العالمي
الحروب الإقليمية
التغير المناخي
الأمن الغذائي
الهجمات السيبرانية
الكوارث الطبيعية
الاضطرابات السياسية الدولية
وتداعيات الصراعات الإقليمية
إنه نموذج أردني متكامل
نشأ من رؤية ملكية، وتحرك بمؤسسات قوية، ويُدار بعقل استراتيجي يدرك أن حماية الداخل تبدأ من قراءة العالم، لا من انتظار نتائجه.
|
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه. |
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |
أضرار كبيرة تطال محاصيل الذرة والحمضيات في الأغوار الشمالية
وفيَّات الأربعاء 28-10-2026
مشروع قانون التنفيذ يوسع منع سفر المدين ويعدل تسوية ديونه
مديرية الأمن العام تجدد تحذيراتها في ظل الأحوال الجوية السائدة
عمّان الأهلية ومركز الحسين للسرطان ينظّمان فعالية توعوية بسرطان الثدي
صيدلة عمّان الأهلية تنظم اللقاء 3 للخريجين وأنشطة لإعداد الكفاءات الصيدلانية