تاريخ النشر - 24-08-2025 04:35 PM عدد المشاهدات 5 | عدد التعليقات 0
سلاح حزب الله .. معضلة لبنان على مفترق الطرق

الهاشمية نيوز -
كتب الأستاذ الدكتور هاشم الحمامي
يشهد لبنان لحظة فارقة في تاريخه السياسي والأمني. فالحكومة كلّفت الجيش بإعداد خطة لفرض "احتكار الدولة للسلاح" مع نهاية أغسطس 2025، في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى إنهاء هيمنة حزب الله على القرار الأمني. القرار جاء بعد حرب 2023-2024 التي أضعفت الحزب عسكرياً، ومع تزايد الضغوط الأمريكية والإسرائيلية على بيروت. لكن السؤال يبقى: هل يستطيع لبنان استعادة سيادته كاملة من دون الانزلاق إلى حرب أهلية جديدة؟
"الدولة الموازية": حزب الله أكثر من مجرد ميليشيا
لفهم الأزمة، لا بد من إدراك أن حزب الله لم يعد مجرد تنظيم مسلح، بل تحول إلى "دولة موازية" داخل لبنان، تمتلك أذرعاً عسكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية مترابطة:
الذراع العسكري: يمتلك "مجلس الجهاد" ترسانة صاروخية وقوة مقاتلة توازي جيوش دول متوسطة الحجم.
الذراع السياسي: يسيطر عبر "كتلة الوفاء للمقاومة" وحلفائه على جزء واسع من المقاعد الشيعية في البرلمان، ما يمنحه نفوذاً كبيراً في صنع القرار.
الذراع الاجتماعي-الاقتصادي: يعوّض فشل الدولة عبر شبكة خدمات تشمل مدارس ومستشفيات ومؤسسات إعلامية، إضافة إلى قروض ومساعدات اجتماعية مثل "القرض الحسن". هذه الشبكة تكفل ولاء بيئته الحاضنة.
قوة الحزب لا تأتي من السلاح فقط، بل من دوره كبديل فعلي للدولة في حياة جمهوره اليومية. وهو ما يجعل تفكيك جناحه العسكري وحده غير كافٍ. يضاف إلى ذلك الدعم الإيراني المقدر بـ200 مليون دولار سنوياً، الذي يمنح الحزب استقلالية مالية وعسكرية ويجعله لاعباً إقليمياً أساسياً.
خطة براك الأمريكية – اللبنانية: بين الفرصة والمخاطر
الحكومة اللبنانية تتبنى خطة مقترحة من المبعوث الأمريكي الخاص، السفير "براك"، وتتألف من مرحلتين:
نهاية 2025: نقل أسلحة حزب الله الثقيلة – من صواريخ وطائرات مسيرة ومدفعية – إلى سيطرة الدولة.
مقابل ذلك: تنسحب إسرائيل من خمسة مواقع حدودية ما زالت تحتلها في الجنوب.
لكن الحزب يرفض هذه الخطة رفضاً قاطعاً، ويتهم الحكومة بتنفيذ "إملاءات أمريكية-إسرائيلية". الأمين العام نعيم قاسم لوّح باحتمال اندلاع حرب أهلية، مشدداً على أن أي بحث في سلاح الحزب يجب أن يكون ضمن "استراتيجية دفاعية وطنية" شاملة.
التحدي الأبرز أمام الخطة أن الجيش اللبناني، رغم شرعيته، يبقى أضعف عسكرياً من الحزب. فكيف له أن يملأ الفراغ الأمني الذي قد يخلّفه انسحاب حزب الله من الجبهات الجنوبية؟
دروس من الخارج: هل يستفيد لبنان؟
التجارب الدولية تعطي مؤشرات، لكنها ليست حلولاً جاهزة:
إيرلندا الشمالية (IRA): نجح نزع سلاح الجيش الجمهوري الإيرلندي عبر مسار سياسي شامل دمج جناحه السياسي في العملية السلمية. لكن وضع حزب الله أعقد بكثير، لارتباطه الإقليمي بإيران وعقيدته العابرة للحدود.
كولومبيا (FARC): جرى نزع سلاح حركة فارك بعد حملة عسكرية أضعفتها وأجبرتها على التفاوض. هذا السيناريو غير واقعي في لبنان، حيث يفتقر الجيش إلى القدرة على حسم الصراع بالقوة.
الدروس هنا واضحة: لا يمكن للبنان أن ينجح إلا باستراتيجية تعالج الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية معاً.
نحو مسار آمن: توصيات لتفادي الصدام
المخرج من الأزمة يتطلب رؤية متوازنة تقوم على ثلاث ركائز أساسية:
الحوار الوطني الشامل: إطلاق حوار جاد، برعاية دولية، لوضع "استراتيجية دفاعية وطنية" تدمج قدرات المقاومة ضمن الجيش، مقابل ضمانات سياسية للحزب.
بناء الدولة من جديد: معالجة الفساد، توفير الخدمات الأساسية، وإنعاش الاقتصاد لتقليص اعتماد اللبنانيين على شبكات الحزب الاجتماعية والمالية.
تعزيز الجيش: دعم الجيش اللبناني عسكرياً ومالياً ليصبح القوة الوحيدة المخولة بحماية الحدود وضمان أمن المواطنين.
خاتمة
لبنان اليوم على مفترق طرق حاسم. إما أن يسلك طريق الحل السلمي عبر الحوار وبناء الدولة وتقوية مؤسساتها، أو ينزلق مجدداً إلى صراع دموي ستكون نتائجه كارثية. قد يكون الطريق طويلاً وشاقاً، لكنّه يبقى الخيار الوحيد لإنقاذ لبنان من الانهيار الكامل ومن شبح حرب أهلية جديدة.