تاريخ النشر - 02-07-2024 10:00 AM عدد المشاهدات 10 | عدد التعليقات 0
سلام في هذا البيت

الهاشمية نيوز - ليلى جاسر سلامة
ذلك المساء هاجر بعيدًا كأي ذكرى من الذكريات على تهويدات أمي الآتية من الريف. عندما أيقنتْ أمي أني كبرت فجأة في إجازة الربيع نادت علينا: يا صغيريْ أغلقا الأجهزة الغبية وتعالا إلى هنا استلقيا بجانبي.
سبقت أخي إلى حضن أمي.
قالت لنا: اتركا أمكما تتأمل وجهيكما البريئين الجميلين. سأحميكما قدر استطاعتي ما دمت على قيد الحياة. وسأخبركما منذ الآن: سيعمُّ السلام في هذا البيت، سيعمُّ الأمن والإيمان في هذا البيت.
كنت أفكر بعصبية، أتناول طعامي بعصبية، وأقضم أظافري، ولكن رغم كل ذلك كانت تقول أمي: سيعمُّ السلام في بيتنا! تنظرُ إلى وجهي وتسألني ذات السؤال: هل كل شيء على ما يرام؟ هل أنت بخير؟
شعرتُ أن حبلًا متينًا يربط قلبينا أخذ يتأرجح في الربيع.
كنت خائفة من الاعتراف بأنّ هنالك سر أخفيه عنها، وهي من علّمتني أن الأسرار نوعان، أسرار يمكن أن أحتفظ بها، وأسرار كبيرة عليّ بحاجة إلى حكمة أمي لتقرر عني في أي صندوق أضعها.
حدث الأمر في آخر سنة في المدرسة الابتدائية عندما التحقتْ بالصف طالبة غامضة تقسم شعرها إلى ضفيرتين طويلتين جدًا كأنها سلسلة تلال في جزيرة ياكوشيما باليابان. جلستْ بسكون على المقعد بجانبي، لم تكن تتكلم فظننت أنّ القطّة أكلت لسانها فهكذا سألتها صديقتي لطّوف في إحدى المرّات. اتفقت مع لطّوف أن ننشر السعادة في قلب هذه الفتاة الغامضة لتشرق شمسها كبقية الأطفال.
حاولنا كثيرًا أن ندخل الفرح إلى قلبها، فقلوب الأطفال تخضرُّ على الدوام، لكن لم تستجبْ! ولأنني كنت أثرثر مع صديقتي لطوّف في الحصص الدراسية، غيّرت المعلمة مكان لطّوف فأزعجني الأمر كثيرًا، خصوصًا أنّ القط أكل لسان الفتاة الغامضة سيرين. مضت الأيام سريعًا وجاء الخريف، خريف حارق لا يعبث مع أشجار النخيل التي تظلل ساحة المدرسة. شعرت بالحزن لأنّ صديقتي رؤى انتقلت إلى فرقة أخرى وبالكاد كنا نلتقي في الفسحة، كنتُ ألملم صديقاتي اللواتي تفرّقن هنا وهناك وكأنني ألملم خرز عقد ثمين، لأن المديرة الجديدة كانت تتصرف كساحرة شريرة وتقول: ممنوع، ممنوع، ممنوع! لم يهمني ذلك، ما أزعجني أن العقد الثمين انفرط؛ صديقات الطفولة: مريم، رؤى، جنّة، أمل ولطّوف.
كانت أمي تكرر كل صباح في الطريق إلى المدرسة في إشارة للابتعاد عن رفاق السوء: حبة الليمون العفنة إذا بقيت في سلّة الليمون ستنقل لها العفن، وحبة التفاح العفنة إذا بقيت في سلّة التفاح ستنشر العفن لبقية التفاح.
بكيت لأن سلّة التفاح فارغة، وسلّة الليمون فارغة. كنت أواجه تحديًا في الحفاظ على الأصدقاء بسبب التنقلات الاستراتيجية التي تقوم بها المديرة الساحرة. لم يعجبني ذلك الأمر بتاتًا!
بقيت سيرين الفتاة الغامضة تتأمل السبورة، والسقف، والجدران وحيدة. أبتْ أن تتفوه بكلمة، كانت تضع كفيّها على أذنيها بسبب الضجيج في الصف. وذات يوم خريفي، مررت لي ورقة كتبت عليها بالإنجليزية: مرحبا، اسمي سيرين! فعرفت أنها مهتمة بالحديث باللغة الإنجليزية، فأرجعت لها الورقة: مرحبا يا سيرين! لمَ لا تتكلمين؟! أجابت على الورقة ودفعتها نحوي: غير مهم!
عندما انتهى الاختبار الأول اصطحبتني أمي لشراء الحلوى، فأخبرتها عن سيرين وقلت لها: تجلس بجانبي فتاة جديدة لا تنطق، وأنا غير مرتاحة. قالت أمي: ربما تعاني من طيف التوحد، عامليها بالحسنى. ثمّ سألتني أسئلة كثيرة جدًا وكنت أجيب.
مضت الأيام وأصبحت سيرين تكتب لي وأنا أردّ عليها كتابة. اشتقت لصديقاتي؛ لطّوف كانت مجنونة، ومريم كانت عبقرية الرياضيات، وأمل الغيورة كانت تحاول دومًا أن تشعل حربًا شقية بسبب علاقتي المتينة برؤى الهادئة الخجولة. أحب أمل جدًا رغم تصرفاتها الغبية أحيانًا. ولكن هذه الفتاة الغامضة التي تحيك لها أمها جديلتين معقودتين بقوة كانت مختلفة تمامًا، فهي اختارت أن تتواصل معي بصمت دون أن تتفوه بكلمة واحدة. سألتني أمي: هل هي بكماء؟ فسألت أمي: ماذا تعني كلمة بكماء؟ فأجابت: أي لا تستطيع الكلام. فقلت لأمي: لطّوف تقول إن القط أكل لسانها. ضحكت أمي وقالت: عامليها بلطف ولا تتنمري عليها! قلت لأمي ضاحكة: أنا لا أتنمر على أحد، فقط أتنمر على المتنمرين.
في أحد الأيام الصفّية المملة حيث كانت المعلمة غائبة، حضرت معلمة بديلة وجلست على الكرسي تعبث بهاتفها. كانت حصة فراغ طويلة أطول من حصة الرياضيات، ففوجئت بسيرين تعطيني ورقة كتبت عليها: أبي يغتصبني ويتحرّش بي.
غصّ قلبي الصغير من الصدمة، ولو كان درس الكهرباء وكنا في حصة العلوم لصعقتني الكائنات الحيّة الدقيقة. كتبت لها: كيف ذلك؟ فأعادت لي الورقة: هو يحبني! ثم أرجعتها لها: الآباء لا يغتصبون أبناءهم، لأنهم ليسوا غرباء. قلتُ لها: اربطي قلبك بقلب أمك! ثم فجأة صاحت المعلمة بصوت الرعد: هدووووووء!! فتّشت عن صديقتي لطّوف وأخبرتها بما أفصحت عنه سيرين، وكعادتها اقترحت أشياء مضحكة: اطلبي من أمك أن تتبناها!
انتهى الدوام المدرسي بسلام، وكنت لا زلت أفكر بالمسكينة سيرين لأن هذا السر من النوع الثاني كبير ولا يمكنني أن أحمله، فركضت أسرع من غزالة لأخبر أمي التي كانت تنتظرني في السيارة، ألقيت عليها التحية ثم قلت لها: انظري يا أمي، في الصف فتاة جديدة تقول إن أباها يغتصبها! خافت أمي كثيرًا، قرأت الورقة وقالت لي: ابتعدي عنها نهائيًا! سألتُ أمي: أليس التحرش من أفعال الغرباء؟! أجابت أمي: أعتقد أن أباها شيطان! قلت لأمي: يجب أن نساعدها! فقالت أمي: غدًا سأخبر المشرفة!
قالت أمي للمشرفة: أريد إبعاد ابنتي عن الطالبة الضحية. لم تقلْ المشرفة شيئًا! بل سألتني أسئلة كثيرة. كررت أمي قولها رأسًا على عقب: أريد إبعاد الضحية عن ابنتي! قالت المشرفة: لا يجوز، أريد مساعدة من ابنتك فهذه الطفلة لا تثق الآن إلا بها. قالت أمي متعجبة: جئت أطالب بإبعادها عن ابنتي، وأنت تطلبين من ابنتي أن تتقرّب إليها؟!! قالت المرشدة الحمقاء: ابنتك شاهدة الآن! ويتعين عليها جلب أوراق أخرى تدين الأب.
نظرتْ أمي ورأيتُني في عينيها فتأملت وجهها الطيب الحنون آنذاك، تصفّحت دقّات قلبها القلق مرسومة على وجهها كنت أشعر بالفخر أنني سأنجز مهمة إنسانية وأنا في الثانية عشرة من عمري. كلّفتني المرشدة بمهمة كبيرة الحجم وثقيلة الوزن. قالت أمي: هذه مهمة صعبة، عديني ألّا تقرئي شيئًا! لا تقرئي! لا تقرئي!
كانت أمي تقول لي دومًا: أنت باحثة عظيمة! ستصيرين يومًا عالمة في علم الحيوان وباحثة متمرسة في سلوكياته.
لم أستمع لتنبيهات أمي، فأنا قطة فضولية! قرأت الكثير وبحثت عن معنى كل كلمة! فعرفت أشياء شريرة لم ينبغِ أن أعرفها لأنني طفلة صغيرة. لم أعد أفرق بين سلوكيات الحيوان والإنسان، ففي كتاب العلوم تبدو الحيوانات متزنة وعقلانية. أذكر نفسي جيدًا عندما كنت طفلة.
أصبحت كل يوم أرجع إلى البيت حزينة، تركت صلاتي، ضربتُ أخي، أهملتُ دراستي، أصبحت أقضي وقتًا طويلًا في اللعب على الحاسوب، لقد فعلتُ أشياء كثيرة لأعبر فيها عن غضبي.
أخفيت في قلبي عن أمي سر بحجم كوكب ضخم أو ورم خبيث!
مرّت الأيام وأصبحت عالقة في عالم سيرين المتوحش البذيء، وإذا في يوم تحدث مشاجرة عجيبة بين بنات الصف فاشتكت جريش الثرثارة على ابنة خالتها مليكة وصديقتها ميمونة بأنهما تتصرفان كالأولاد. لأول مرّة في حياتي أعرف أن الكبار يورثون الكره والبغض لأطفالهم إذ انتقلت مشاكل عائلتين وأختين إلى صفنا، في المنزل مشاجرة بين الكبار ثم تنتقل العدوى لصغارهم في المدرسة. جريش هي فيروس داخل الصف تنشر الشائعات وتثير المشاكل، هذا ما قالته معلمتي لأمي.
غضبت المديرة الساحرة وبقية الساحرات فأمرتْ الجميع بحصر المشكلة. أصبحت المدرسة كالسيرك وكثُرَ المهرجون، لا أعرف ولا أذكر كيف نفدن ثلاثتهن من العقاب، ثمّ لا أفهم ولا أذكر كيف أصبحت أنا وسيرين على كرسي التحقيق!!
ما أذكره جيدًا هو أنّ أمي قاومت لتوثق الحبل المتين بين قلبينا من جديد، وأذكر الوعد الذي وعدتني إياه ذات مساء مهاجر: سيعمُّ السلام في هذا البيت.