-

المجتمع والناس

تاريخ النشر - 20-05-2022 09:39 AM     عدد المشاهدات 423    | عدد التعليقات 0

كيف نحافظ على (ديمومة علاقاتنا الإنسانية)؟

الهاشمية - “في كل مرة أسعى لتكوين علاقة اجتماعية جديدة أخشى من نهايتها السريعة.. مفاجآت وخيبات أمل وواقع أقل من التوقعات، بت أعتقد أنه لا يمكن أن تكون هناك علاقة طويلة الأمد”، كلمات تتردد في ذهن الثلاثينية ميساء محمد التي تخطت المرحلتين المدرسية والجامعية وهي خالية الرفاق، ففي كل مرة تنتهي علاقة الصداقة، عند منعطف معين لا يمكن تجاوزه.
“ليس الصعب هو بناء العلاقات الاجتماعية وكثرة الأصدقاء، وإنما الحفاظ عليها في هذا الزمن الذي تسوده المصالح”، يقول محمد غريب، الذي يؤكد صعوبة أن يبقى الإنسان صامدا وحافظا لعلاقاته الاجتماعية الصعبة في الزمن الذي تكثر فيه المشاكل والمصالح.
ويشير غريب إلى أن الكثير من تفاصيل الحياة التي يمر بها الإنسان سواء كانت ضعفا أم قوة تزيد حاجته لوجود أشخاص بالقرب منه يتحدث إليهم دون حساب ويجدهم في كل وقت ويتحدث إليهم دون الشعور بما يتكلم أو حتى أن يضطر لأن يعد للعشرة.
ويقول “العلاقات الاجتماعية الصادقة تماما كالذهب النفيس أصبح تواجده قليلا والحفاظ عليه صعبا”.
في حين تجد رفيف الهندي، العتب واللوم، أولى خطوات فشل العلاقات، فالعتب يفتح باب الهروب، وكثرة اللوم تدفعنا للاختفاء والتهرب والبحث عن مكان أكثر هدوءا.
الضغوطات الاجتماعية وكثرة الالتزامات والسباق اليومي مع الزمن للتماشي مع ظروف الحياة تجعل الشخص أكثر حاجة لمن يتفهمه ومن يراعي ظروفه ويقف إلى جانبه، دون أن يضطر لأن يبرر غيابه أو حتى صمته في لحظة لقائه بعائلته أو أصدقائه أو رفاقه في العمل.
خبراء نفس وأسرة أكدوا لـ”الغد”، أن بناء العلاقات الاجتماعية قد يكون أسهل من استمراريتها ونجاحها وديمومتها عند الكثيرين، فالبعض لديه قدرة كبيرة على إقامة العلاقات، لكنه يفتقد القدرة على النجاح في إدامة هذه العلاقات بالشكل الصحيح. بل إنه في بعض الأحيان يتم إنهاء العلاقة بعد أشهر معدودة، أو أن العلاقات تضعف ببروز مشكلات كثيرة تنعكس آثارها حتى على الأسر، وتتسبب في قطع علاقات آخرين أو مشكلات يصعب التعامل معها.
الاستشاري التربوي الدكتور موسى مطارنة، يقول “إن العلاقات الاجتماعية هي الأساس لبناء المجتمع والإنسان، ودون علاقات وتفاعل يصبح لدينا مجتمع ميت ومجتمع مقتول، لكن هذه العلاقات يجب أن تقوم على أسس صحيحة”.
ويلفت مطارنة إلى أن أكثر العلاقات الاجتماعية في المجتمع مبنية على أسس خاطئة، وبالتالي تحدث إشكاليات كثيرة.
والعلاقات على اختلاف أشكالها: عائلية، صداقة، وحتى زواج تكون بين اثنين، مبنية على أساس حاجة الطرفين لبعضهما بعضا، والحاجات هي التي تولد العلاقات حتى بين أفراد العائلة الواحدة، وبالتالي يحضر سؤال: هل يتم اختيار العلاقات بناء على احتياجات الشخص أم لا؟. ويتساءل مطارنة، إن كانت العلاقات الاجتماعية تقوم في الأساس بناء على الحاجات، وهل هي تكاملية أم عشوائية قائمة على أسس خاطئة وغير صحيحة؟، وهنا تكمن الخطوة الأولى في إقامة العلاقات الاجتماعية والحفاظ على استمراريتها، وعدم حدوث أي إشكاليات فيها.
ويرى مطارنة أن الأصل أن تبنى العلاقات بين أي طرفين على حاجات مشتركة، وإن لم يكن هناك أي جوانب يلتقي فيها الطرفان وغاب عنها الاحترام فهي علاقات فاشلة، ما يعني التأكد من اختيار علاقاتنا وأن تكون قائمة على أسس صحيحة وعدم الاستغلال والانسجام والتشابه في الأفكار، ما يكفل تحقيق معنى حقيقي للعلاقة والمحبة والاحترام والمودة. وحول طبيعة العلاقة، يرى مطارنة، ضرورة أن تقوم بالتطور على ضوء الإحساس بها، وإن كان الطرفان مكملين لبعضهما بعضا، ويسودها الاحترام مع الحفاظ على الحدود والخطوط الحمراء في العلاقات وعدم تجاوزها حتى لا تتسمم العلاقات وتقف عند منعطف معين لا يمكن معه الوصول إلى أي نتائج. إلى ذلك، فإن عدم تكافؤ العلاقات والعطاء غير المتبادل والمنح من جهة واحدة وطرف واحد، تصبح العلاقة يسودها القهر والظلم وغير متكافئة في العلاقة في وفائهم وصدقهم مع بعضهم بعضا، وبالتالي غياب هذا التوافق والنمط الصحيح في العلاقات ستصبح معرضة إلى الفشل والانهيار، وفق مطارنة.
خبير العلاقات الأسرية مفيد سرحان، يلفت بدوره إلى أن العلاقات والروابط الاجتماعية مهمة للإنسان، فالإنسان بطبعه اجتماعي وهو لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الآخرين، فهي حاجة فطرية ومصلحة شخصية واجتماعية.
ويتابع “الأصل ألا تقوم العلاقات الاجتماعية على المصالح والمنافع المادية، بل أن تكون بدافع الرغبة في التواصل”.
والعلاقات الاجتماعية، بحسب سرحان، لها أشكال متعددة، ومنها العلاقات داخل الأسرة وبين الأقارب، وعلاقات الأصدقاء وزملاء العمل وزملاء الدراسة، والعلاقات التي تتم داخل الروابط والجمعيات بهدف الالتقاء على تحقيق أهداف معينة.
ومن فوائد العلاقات الاجتماعية، أنها يمكن أن تسهم في سعادة الإنسان وزيادة خبراته، والاستفادة من تجارب الآخرين وهي تسهم في صقل شخصيته وإبعاده عن الوحدة والشعور بالملل والقلق، كما أن العلاقات الاجتماعية تسهم في زيادة ثقة الشخص بنفسه وإتقانه مهارات متعددة، وفق سرحان.
ويبين أن العلاقات الاجتماعية هي “روح الحياة”، ويجب الحرص على تكوين العلاقات الاجتماعية والصداقات، وتبدأ منذ الصغر حيث دور التربية الأسرية والمدرسة في التشجيع على إقامة العلاقات على أسس صحيحة، بعيداً عن المنافع المادية وسيطرة طرف على آخر أو استغفاله.
وهناك من العلاقات ما هو واجب على الإنسان، بحسب سرحان، مثل العلاقات داخل الأسرة والأرحام، ومع ذلك لا بد أن يحسن الشخص التعامل مع هؤلاء، وألا تكون العلاقة من باب “إسقاط الواجب” وأن تتم دون رغبة حقيقية، لأن ذلك يقتل روح العلاقات ويؤثر على نفسية الشخص ونفسية الآخرين، وربما تكون له آثار سلبية. ويقول سرحان “علاقاتنا الاجتماعية بحاجة إلى الرعاية والمتابعة والاهتمام من الجميع وألا تترك دون اهتمام أو أن تهمل، فهي كالنبتة الحية بحاجة إلى الرعاية وأن تبقى حية وتنمو ويستمتع بها صاحبها والآخرون، ويكون وجودها مصدر سعادة وارتياح لا أن تكون عبئاً ثقيلاً”.
وحتى تستمر العلاقات الاجتماعية، من المهم أن يكون لدينا القناعة التامة بأهمية العلاقات الاجتماعية وفوائدها ودورها وقيمتها، وفق سرحان، وإذا وجدت هذه القناعة فإن للشخص الاستعداد لأن يبذل الجهد لرعاية علاقته مع الآخرين.
ويلفت إلى أن التعامل مع الآخرين بحاجة إلى قدر كبير من التسامح والتجاوز عن الزلات والأخطاء، وهذا يجب أن يكون من جميع الأطراف وأن تتصف بالاحترام المتبادل والاستماع للآخرين والقدرة على الحوار والنقاش دون تعصب أو إساءة.
ويتابع “وعدم التدخل في خصوصيات الآخرين أو الحرص على معرفة أدق التفاصيل عن حياتهم وحفظ أسرارهم، وعدم نقل الكلام والإساءة إلى الأشخاص؛ إذ إن البعض يتمتع بالحديث عن الآخر في غيابه ويجد لذة في ذلك، وهي من أخطر الأمراض الاجتماعية”.
وتفقد أحوال الآخرين بين فترة وأخرى والسؤال عنهم وتبادل الزيارات، وخصوصاً في المناسبات، وألا تكون هذه الزيارات تحمل صاحبها أعباء مادية، فالهدف هو استمرار التواصل، وفق سرحان.
ويقول “إذا شعر البعض بأن لهذه العلاقات ثمناً مادياً كبيراً سيلجأ إلى تخفيفها أو قطعها. وإذا سمحت الظروف المادية والاجتماعية فإن القيام برحلات جماعية أو زيارة مناطق سياحية أو أثرية يضفي جواً من البهجة والسرور على نفوس الجميع ويسهم في توثيق العلاقات”.
ويبين أن الإنسان بحاجة دائماً إلى تطوير مهاراته في التواصل وقدرته على إيصال المعلومة بطريقة صحيحة للآخرين، فأحياناً لا يحسن البعض التعبير عما بداخله أو ليست لديه القدرة على اختيار الكلمات المناسبة أو الكلام في الوقت المناسب.
ومن المهم تعزيز الثقة وحسن الظن بالآخرين والتماس الأعذار لهم وعدم تسجيل الأخطاء عليهم. والصدق في التعامل يشعر به الآخر ويصل إلى القلوب، وفي حال حدوث مشكلة، فإن المطلوب العمل على حلها ومحاصرتها وعدم المساهمة في توتير الأجواء والبحث عن نقاط الالتقاء وليس زيادة نقاط الخلاف، وفق سرحان.
ويضيف “والبعد عن الجدال والنقاشات الحادة أو استعمال عبارات غير لائقة أثناء الحديث وأن يحسن الشخص الاستماع لغيره في كل الظروف، وأن يحسن الاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي وألا يثقل على غيره وأن يتيقن قبل نقل الخبر والمعلومة حتى عن أقاربه وزملائه.
ويؤكد أن الشكر والامتنان للآخر في جميع الأحوال يعطي دافعية ومعنوية للشخص ويقرب القلوب حتى لو كان العمل الذي يقوم به الشخص بسيطاً.
ويختم “التساهل في العلاقات الاجتماعية وإهمالها تماما، كالتشدد فيها، ما يؤدي إلى ضعفها وموتها وفي ذلك خسارة للجميع، فالعلاقات الاجتماعية كنز ثمين علينا الحرص على المحافظة عليها واستمراريتها ورعايتها”.






تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :