-

المجتمع والناس

تاريخ النشر - 23-04-2021 09:27 AM     عدد المشاهدات 548    | عدد التعليقات 0

هـلال وفانـوس حـارتنـا

الهاشمية - الفانوس الوحيد الذي عرفناه صغارا في حارات الحاووز بالزرقاء، كان فانوس (الشنبر) لبائع الحلوى، حلوى الهريسة، والذي كان يخطف أبصارنا بتراقصه العفوي مع الليل، وهو ينحدر بعربته عن نزلة «العنجراوي»، أول الشارع، ويهزج بصوته الجميل، غنائيات فرح ووله، معلنا عن وصوله، حتى ينتهي به المطاف بين مفترق الدكاكين ونهايات الأزقة، وسط حارتنا، ليستريح.

كان «وشيش» الفانوس بإيقاعه الموحش، يعمق من رهبة الأزقة في نفوسنا، ويضيف إلى خيالات أيادينا التي تتساقط على جدرانها المعتمة وحشة أخرى. كنا نرتجل أشكالا غريبة أمام ذؤابة الفانوس، حتى يعلو صوتنا وينهرنا البائع.

مع بدايات الشهر الفضيل، كانت حبال من «لمبات» كهربائية تلتف حول قمم المآذن، مما يبرز هلالها مجسدا في احتفالية دائمة تتواصل، على امتداد الشهر، كوننا نصوم لرؤيته ونفطر لرؤيته. لا أذكر بأنني لمحت فانوسا معلقا على نافذة من بيوت الحي أو على قمة مئذنة أو فوق بوابة جامع أو حتى فوق عامود إنارة تراثي لشارع في المدينة، آنذاك.

كان لدينا مثل بقية الجيران، سراجا يعمل على الكيروسين، تستقر في قعره فتيلة رمادية محترقة، تحيط بها زجاجة شبه اسطوانية، وكان يظل معلقا، وحيدا في إحدى زوايا البيت، لحالات الطوارىء، كانقطاع الكهرباء مثلا.

ربما كنا نرسم أشياء حول قدسية الشهر الفضيل في دفاتر الرسم المدرسية ذلك الوقت، أو شيئا رمزيا على جدران الساحات الخارجية في الأزقة والشوارع، ما أنا على ثقة منه أننا لم نكن نرسم فانوسا تقليديا، أبدا. أذكر بأننا كنا نرسم كعكا بالسمسم، وعربة حلوى، يتوسطها فانوس (الشنبر)، وربما بائع عابر يرتدي سروالا وطربوشا، ينحني تحت حمل ظهره وهو يمد يده بكأس شراب بارد من السوس لأحد الصبية الصغار.

اليوم.. يمكنني أن أتخيل حبلا من الفوانيس يتدلى عن قارب فرعوني عريض يقطع النيل ليلا، أو يحاول اللحاق بقوارب أخرى لأناس يهتفون لحلكة السماء وهي تتلاشى على وقع ظهور النجم «سيريوس»، يمكنني أن أشحذ مخيلتي أيضا لأعود إلى سنوات بعيدة، تسبق الميلاد، وإلى احتفال بلدة «صينية» صغيرة، بقدوم الربيع، بلدة مبتهجة تدين بولائها لعائلة «هان»، ما تزال تطير في سمائها فوانيس كثيرة، منذ ذلك الوقت وحتى يومنا هذا. في «الشّام» وحاراتها العتيقة، أعمدة الإنارة، حديثة، ولكنها تحمل فانوسا تراثيا، يميل ويهتز بفعل الهمس والرياح وحتى النظر.

ذلك العامود كان هناك، في ذات المكان، منذ عشرات السنين، وكان يعلوه فانوسا «عثمانيا» على الأغلب، يشتعل بالدهن أو الزيت حينذاك.

في «قاهرة المعز» بمصر الفاطمية، وبين حاراتها الهائمة بين مشربيات المزار «الحسيني» ودروبه الضيقة، وهي تعود بنا إلى ألف سنة من الآن، لنعود مع حلكة المساء وعتمة الليل، قلة موسرة من أصحاب البيوت الهاجعة على امتداد الأزقة، يعلو بواباتها فانوس مشتعل يظل معلقا طوال الليل، ليضيء الزقاق بأكمله.

ومع حلول الشهر الفضيل، هناك من يدور في شوارع الفسطاط ليحيل ليلها إلى نهار وبالمجان، ليمدها بمشكاة الخلافة وفوانيسها الرمضانية المؤقتة، وبالزيت، دون مقابل.

تتوارث الفوانيس كصورة تقليدية ماثلة في الذهن، بين أجيال متعاقبة في تلك البقاع لتحيا من جديد، أما في حينا القديم فلم يستقر في أذهاننا سوى رؤية الهلال ووميضه فوق مئذنة الجامع القديم، وفانوس (الشنبر)، وأشباح موحشة تترنح أمام لمبة «الكيروسين» المهملة، قبل أن تسقط على جدران الأزقة، عند انقطاع الكهرباء، ليلا.






تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :