-

اسرار وخفايا

تاريخ النشر - 02-11-2026 01:55 PM     عدد المشاهدات 78    | عدد التعليقات 0

من الكرك إلى الخليل .. الملك يرسم معادلة الأردن في مواجهة الإرهاب والفتنة وتحديات الإقليم

الهاشمية نيوز -

كتب محرر الشؤون السياسية

في لحظة سياسية وإقليمية تتشابك فيها التحديات الأمنية مع التحولات الجيوسياسية، وتتداخل فيها محاولات زعزعة الاستقرار مع تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني، خلال افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، حاملاً رسائل تتجاوز الإطار التقليدي لخطاب افتتاح دورة برلمانية، ليقدم قراءة متكاملة لموقع الأردن وتحدياته ومسؤولياته، ويرسم ملامح المرحلة المقبلة على المستويين الداخلي والخارجي.

فالخطاب الذي جاء بعد أحداث أمنية مؤلمة شهدتها المملكة، وفي مقدمتها الاعتداء الإرهابي على كنيسة حمود في الكرك، وفي ظل ما تشهده المنطقة من تصعيد وتوترات، لم يكن مجرد استجابة لحدث آني، بل حمل تأكيداً على ثبات الدولة الأردنية في مواجهة التحديات، وتمسكها بثوابتها، وقدرتها على حماية جبهتها الداخلية ومواصلة مساراتها الإصلاحية والتنموية، دون أن تسمح للأزمات المحيطة بها بأن تعطل أولوياتها الوطنية.

ومن اللافت في بنية الخطاب أن جلالة الملك لم يحصر حديثه في الجانب الأمني، رغم حساسية الأحداث وتداعياتها، وإنما انتقل من تأكيد صلابة الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية إلى تثبيت الموقف الأردني من القضايا العربية، وفي مقدمتها فلسطين، ثم وضع الحكومة والبرلمان أمام مسؤولياتهما تجاه المواطن والاقتصاد والخدمات وسيادة القانون. وهو تسلسل يعكس ترابط مفهوم الأمن الوطني مع الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

الكرك.. استهداف الوطن لا مكوناته

في مستهل رسائله، وضع جلالة الملك حادثة الكرك في إطارها الوطني الأوسع، مؤكداً أن الإرهاب لن ينال من أمن الأردن ووحدته، وأن مرتكبيه خرجوا عن العائلة الأردنية العظيمة وخانوا هذه الأسرة، ولا مكان لهم بين الأردنيين.

وتكتسب هذه العبارات أهمية خاصة في ضوء طبيعة الاعتداء الذي استهدف كنيسة ومواطنين، وما كان يمكن أن يترتب عليه من محاولات لاستثمار الجريمة في إثارة الانقسام أو بث خطاب الكراهية والفتنة، فالرسالة الملكية لم تتعامل مع الحادثة باعتبارها استهدافاً لمكان عبادة أو لمجموعة من المواطنين فحسب، بل باعتبارها اعتداءً على الأسرة الأردنية بكل مكوناتها، وعلى النموذج الوطني القائم على المواطنة والانتماء المشترك.

إن استحضار مفهوم " العائلة الأردنية" في هذا السياق يعيد التأكيد على أن الهوية الوطنية تظل الإطار الذي يحمي المجتمع من محاولات التفكيك، وأن الإرهاب مهما حاول توظيف الدين أو الاختلافات الاجتماعية، لن يستطيع إعادة تعريف العلاقة بين الأردنيين أو فرض خطوط انقسام بينهم.

كما أن دعوة جلالته أعضاء مجلس الأمة إلى الوقوف دقيقة صمت على أرواح الشهداء حملت دلالة تتجاوز البعد البروتوكولي؛ إذ وضعت دماء الضحايا في صلب الذاكرة الوطنية، وأكدت أن التضحية التي قدمها أبناء الأردن ليست شأناً محلياً أو عائلياً، بل عهد ومسؤولية في أعناق الدولة والمجتمع.

وهنا تبرز واحدة من أهم رسائل الخطاب: مواجهة الإرهاب لا تقتصر على ملاحقة مرتكبيه أمنياً، بل تشمل أيضاً تحصين المجتمع من خطاب الفتنة، وحماية نسيجه الوطني، وصون ثقافة الاختلاف والتعايش التي تشكل أحد مرتكزات الاستقرار الأردني.

الجيش والأجهزة الأمنية.. سياج الدولة ومصدر الطمأنينة

وفي امتداد طبيعي لهذه الرسالة، خص جلالة الملك القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية بإشادة تعكس مكانتها في معادلة الأمن والاستقرار، مؤكداً أن هذه الأرض يحميها جند أشاوس لا تغفل أعينهم لينام أهلهم مطمئنين.
فالعبارة الملكية هنا تنقل مفهوم الأمن من الإطار العسكري والمؤسسي إلى حياة المواطن اليومية، فجاهزية الجيش والأجهزة الأمنية ليست غاية منفصلة، وإنما ضمانة لاستمرار الحياة الطبيعية، وحماية البيوت والمجتمعات ومقدرات الوطن.
كما أن الإشارة إلى من وضعوا أرواحهم على أكفهم تؤكد أن أمن الأردن يقوم على تضحيات مؤسساته وأبنائه، وأن الحفاظ على منعة الدولة مسؤولية وطنية تتكامل فيها جهود الأجهزة المختصة مع وعي المجتمع وتماسكه.
ومن هذه الزاوية، فإن تأكيد الملك أن الأردن سيبقى عصياً على كل معتد غاشم، لا يمثل مجرد رسالة ردع، بل يعكس تمسك الدولة بحقها في حماية أمنها وسيادتها، وعدم السماح لأي جهة باستغلال الظروف الإقليمية أو الداخلية للمساس باستقرارها.

الأردن في محيط مضطرب.. ثوابت لا تتبدل وموقف لا تصنعه الظروف

وعلى المستوى الإقليمي، حمل خطاب جلالة الملك تأكيداً واضحاً على أن الأردن، رغم ما يحيط به من تحديات وضغوط، لن يتخلى عن ثوابته العربية، ولن يتعامل مع قضايا أمته باعتبارها ملفات ثانوية أو مواقف مرتبطة بظروف سياسية عابرة.
وتبرز أهمية قوله: *ما زلنا ثابتين على موقفنا، متمسكين بعروبتنا وبالدفاع عن قضايا أمتنا، كما كان أبي من قبلي وسيكون ابني من بعدي" في كونه يربط الموقف الأردني باستمرارية تاريخية ومؤسسية، ويؤكد أن السياسة الخارجية للمملكة تستند إلى مرتكزات راسخة تتجاوز تبدل الظروف والحسابات الآنية.
فالملك هنا لا يتحدث عن موقف دبلوماسي عابر، بل عن هوية سياسية للدولة الأردنية، تشكلت عبر عقود من الانخراط في قضايا المنطقة والدفاع عن الحقوق العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي ظلت حاضرة في صلب الموقف الأردني.
وفي هذا السياق، جاء تأكيد جلالته أن لا سبيل إلى الأمن والاستقرار في المنطقة دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه، ليضع القضية الفلسطينية في إطارها الاستراتيجي، باعتبارها قضية حقوق وسيادة ومستقبل، لا مجرد أزمة إنسانية أو ملف سياسي قابل للتأجيل.
فالحديث الملكي عن استمرار الكارثة الإنسانية في غزة، والاعتداءات المتواصلة في الضفة الغربية والقدس، والأطماع التوسعية الإسرائيلية، يعكس قراءة أردنية ترى في استمرار هذه السياسات تهديداً مباشراً لفرص الاستقرار الإقليمي، وتقويضاً لأي مسار جاد نحو تسوية عادلة وشاملة.
والأكثر دلالة في هذا الجزء من الخطاب هو انتقال جلالته إلى عبارة: "من ظن أن الطغيان يمنح الشرعية واهم، ومن ظن أن الزمن يمحو الحقيقة وأهم" ، وهي عبارة تحمل بعداً سياسياً وقانونياً يتصل برفض فرض الوقائع بالقوة، أو الاعتقاد بأن استمرار الاحتلال والانتهاكات يمكن أن يحول الأمر الواقع إلى حق مشروع.
وهنا تتجاوز الرسالة حدود اللحظة الراهنة، لتؤكد أن الحقوق لا تسقط بالتقادم السياسي، وأن موازين القوة لا تمنح أصحابها شرعية مطلقة، وأن الأردن لن يتراجع عن موقفه تجاه القضية الفلسطينية مهما تعقدت الظروف الإقليمية والدولية.
كما أن ربط جلالة الملك بين هذه الثوابت وبين استمرارية النهج الهاشمي، يحمل رسالة إلى المجتمع الدولي بأن الموقف الأردني من فلسطين ليس موقفاً تكتيكياً، ولا ورقة تفاوضية تخضع لتغير موازين القوى، بل جزء أصيل من توجهات الدولة وهويتها السياسية.

الخليل والقدس وغزة.. رفض تحويل القوة إلى شرعية

وتكتسب هذه الرسائل أهمية إضافية في ضوء ما تشهده الأراضي الفلسطينية من تصعيد إسرائيلي، ولا سيما في الخليل والضفة الغربية والقدس، إلى جانب استمرار تداعيات الحرب والأزمة الإنسانية في قطاع غزة.
فالأردن، وهو يتابع هذه التطورات، لا ينظر إليها باعتبارها أحداثاً منفصلة، بل ضمن سياق أوسع يتصل بمستقبل القضية الفلسطينية، وحقوق الشعب الفلسطيني، ومخاطر السياسات التوسعية على أمن المنطقة واستقرارها.
ومن هنا، فإن عبارة الملك بشأن الطغيان والشرعية لا يمكن فصلها عن تأكيده أن الشعوب لن تنسى، فهي تعكس رفضاً لمنطق فرض الحقائق بالقوة، أو التعويل على مرور الزمن لتجاوز الحقوق الوطنية والتاريخية للشعب الفلسطيني.
وفي هذه النقطة تحديداً، تتجلى الرسالة الأردنية للمجتمع الدولي: إن الاستقرار الذي تنشده المنطقة لا يمكن أن يقوم على تجاهل الحقوق، ولا على التعامل مع الاحتلال باعتباره واقعاً دائماً، ولا على تجاوز تطلعات الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني.

الجبهة الداخلية

وإذا كانت الرسائل الخارجية قد أكدت ثبات الموقف الأردني، فإن جلالة الملك أعاد توجيه الأنظار إلى الداخل، واضعاً ثقة الدولة بالمواطن الأردني في مقدمة عناصر القوة الوطنية.
فقوله إن قوة الأردن تكمن في شعبه الذي يزداد تماسكاً وبصيرة وحكمة كلما اشتدت الخطوب، وإن رهانه سيبقى على وعي الأردني وحكمته وإخلاصه ووفائه، لا يمثل مجرد إشادة بالمجتمع، بل يحمل إقراراً بأهمية الدور الشعبي في حماية الاستقرار وصون الدولة من محاولات الاستقطاب والتشكيك والانقسام.
وهنا تتصل هذه الرسالة اتصالاً مباشراً بما سبقها من حديث عن حادثة الكرك، فالمواجهة الأمنية للإرهاب تظل ضرورية، لكنها لا تكتمل دون وعي مجتمعي يحاصر خطاب الكراهية، ويرفض التحريض، ويميز بين النقد المسؤول ومحاولات العبث بالسلم الأهلي.
واللافت أن الملك لم يربط قوة الجبهة الداخلية بغياب الاختلاف، بل أكد أن صدر الوطن وصدره رحب أمام كل رأي مخلص ومسؤول، وأن التداول بالشأن العام حق مشروع يصونه الدستور.
وهذا يضع تمييزاً مهماً بين الوحدة الوطنية بوصفها أساساً للاستقرار، وبين التنوع في الآراء والمواقف بوصفه حقاً أصيلاً في الحياة العامة. فالدولة القوية ليست التي تلغي الاختلاف، وإنما التي تديره ضمن إطار من المسؤولية واحترام القانون والمصلحة الوطنية.
فيما يبرز تأكيد الملك أن من أحب الأردن حفظ له جميل العطاء وكرامة الكلمة وأدب الاختلاف، يوجه رسالة إلى المجتمع بأكمله، وإلى الفاعلين السياسيين والإعلاميين على وجه الخصوص، بأن حماية الوطن لا تكون بالصمت عن القضايا، ولا بتبادل الاتهامات، بل بممارسة النقد المسؤول الذي يحفظ للمجتمع تماسكه وللمواطن حقه في التعبير.

مجلس الأمة

وفي انتقاله إلى الحديث عن مجلس الأمة، قدم جلالة الملك تصوراً لدور المؤسسة التشريعية في المرحلة المقبلة، مؤكداً أنها ركن أساس ومقدم في الحياة السياسية، وأن الأمة مصدر السلطات ومنبع قوتها.
وتحمل هذه الإشارة دلالة سياسية مهمة، خصوصاً أن الخطاب لم يتعامل مع المجلس باعتباره مؤسسة دستورية تؤدي واجباتها التشريعية والرقابية فحسب، بل باعتباره جزءاً من معادلة قوة الدولة ومناعتها الداخلية، وعنصراً أساسياً في تعزيز الثقة بين المواطن ومؤسساته.
فالملك يضع أمام مجلس الأمة مسؤولية تتجاوز إقرار القوانين إلى الدفاع عن المصلحة العامة، ومراقبة الأداء الحكومي، والتعبير عن تطلعات المواطنين، بما يجعل العمل البرلماني ممارسة سياسية مسؤولة ترتبط بنتائجها ومدى انعكاسها على حياة الأردنيين.
وفي هذا السياق، تبرز عبارة جلالته بأن الأردنيين لا ينظرون فقط إلى ما يصدر عن القبة من قوانين، بل إلى ما يصدر عنها من سلوك وخطاب، باعتبارها رسالة مباشرة إلى أعضاء المجلس بأن مكانة المؤسسة التشريعية لا تتحدد فقط بما تنجزه من تشريعات، وإنما أيضاً بمستوى أدائها السياسي، واحترامها للمؤسسات، وقدرتها على إدارة الاختلاف بصورة تعكس نضج الحياة البرلمانية.
كما أن تأكيده أن اختلاف النواب في الرأي يمثل قوة ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية، يرسم حدود الاختلاف السياسي المسؤول، ويؤكد أن التعددية ليست تهديداً للاستقرار، بل يمكن أن تكون مصدراً لقوة الحياة السياسية متى اقترنت بالبرامج والمواقف الجادة واحترام المصلحة الوطنية.
وهنا تبدو الرسالة واضحة للحكومة والبرلمان معاً: المرحلة المقبلة تتطلب مؤسسات فاعلة، ورقابة حقيقية، وتشريعاً يواكب احتياجات المجتمع، وأداءً عاماً يترجم الثقة الدستورية إلى نتائج ملموسة.

مصلحة المواطن.. الاختبار الحقيقي لنجاح التحديث الاقتصادي

ومن أبرز ما حمله خطاب العرش أنه أعاد وضع المواطن في مركز الأولويات الوطنية، من خلال تأكيد جلالة الملك أن مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار لا على هامشه، وأن التنمية الحقيقية هي التي يلمس المواطن أثرها في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه.
وهذه العبارة تختصر جوهر التحدي الذي تواجهه السياسات الاقتصادية والتنموية في المملكة،فالحديث عن التحديث الاقتصادي والمشاريع الكبرى والاستثمارات لا يكتمل بمجرد إطلاق المبادرات أو الإعلان عن الخطط، وإنما يقاس بقدرتها على خلق فرص العمل، وتحسين مستوى الخدمات، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وتعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على النمو والاستدامة.
وفي هذا الإطار، فإن دعوة الملك الحكومة إلى تسريع إنجاز المشاريع الكبرى تعكس أهمية الانتقال من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ، ومن الرؤى والاستراتيجيات إلى النتائج التي يمكن قياسها ومتابعتها، بما يعزز ثقة المواطنين والمستثمرين بقدرة الدولة على تحويل الفرص إلى إنجازات.
فالأردن، بما يمتلكه من موقع استراتيجي وإمكانات بشرية وفرص استثمارية، يحتاج إلى مواصلة بناء اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على استقطاب الاستثمارات وتوليد فرص العمل، خصوصاً في ظل التحديات الإقليمية التي تفرض على المملكة تعزيز منعتها الاقتصادية وتوسيع خياراتها التنموية.
فيما لم يفصل الملك بين نجاح التحديث الاقتصادي وتحسين حياة المواطن، بل جعلهما مسارين متلازمين، بما يعني أن نجاح الخطط الاقتصادية ينبغي أن يظهر في مستوى المعيشة، وفي قدرة الشباب على دخول سوق العمل، وفي تحسن الخدمات الأساسية، وفي اتساع الفرص أمام مختلف فئات المجتمع ومحافظاته.

المياه.. أمن وطني لا يقبل التأجيل أو المساومة

ولعل من أكثر الرسائل وضوحاً وحسماً في خطاب العرش تكرار جلالة الملك كلمة «المياه» ثلاث مرات، قبل أن يؤكد أن الأمن المائي أولوية وطنية، وأن ظمأ الأردنيين لن يكون رهينة لأي ظرف، ولا مجال للمساومة أو المهادنة في هذا الملف.
إن هذا التأكيد ينقل قضية المياه من إطارها الخدمي إلى مستوى الأمن الوطني الاستراتيجي، خصوصاً أن شح الموارد المائية في الأردن يفرض تحديات متداخلة تمس قطاعات الزراعة والصناعة والاستثمار والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي.
وعندما يوجه الملك الحكومة إلى مواصلة مشاريع الأمن المائي ووضع خطط استباقية لحماية موارد الوطن وضمان استدامتها وحقوق الأجيال القادمة، فإنه يطالب بتعامل طويل الأمد مع هذا التحدي، يقوم على التخطيط والجاهزية وتنويع مصادر المياه، وعدم الاكتفاء بالحلول المرحلية.
وتبرز هنا أهمية المشاريع الوطنية الكبرى المرتبطة بالأمن المائي، باعتبارها استثمارات استراتيجية في مستقبل المملكة، لا مجرد مشاريع بنية تحتية، إذ يرتبط توفر المياه بقدرة الأردن على التوسع الاقتصادي واستقطاب الاستثمارات والحفاظ على استدامة التنمية.
وبذلك، فإن وضع الملك ملف المياه في صدارة الأولويات يؤكد أن حماية الدولة لا تقتصر على حدودها ومؤسساتها، بل تشمل أيضاً مواردها الحيوية وقدرتها على ضمان احتياجات مواطنيها والأجيال المقبلة.

سيادة القانون.. لا امتياز فوق المسؤولية

وفي واحدة من أكثر الرسائل اتصالاً بثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها، شدد جلالة الملك على أنه لا مكان لمن يتعامل مع الوظيفة العامة باعتبارها تشريفاً يرفعه عن العمل وخدمة الناس، مؤكداً عدم وجود حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، وأن هيبة الدولة وسيادة القانون تتقدمان على كل شيء.
وتحمل هذه الرسالة تأكيداً على أن المسؤولية العامة ليست امتيازاً شخصياً، وإنما تكليف يرتبط بالخدمة والإنجاز والنزاهة واحترام القانون، وأن الموقع الوظيفي مهما ارتفع لا يمنح صاحبه حق تجاوز القواعد أو استغلال النفوذ.
فالقول الملكي إن القانون لا يعرف اسماً ولا منصباً ولا نفوذاً، يضع مبدأ المساواة أمام القانون في صلب العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ويؤكد أن هيبة الدولة لا تتحقق فقط بقدرتها على إنفاذ القانون، بل أيضاً بعدالة تطبيقه على الجميع دون استثناء.
وهنا تلتقي هذه الرسالة مع حديث الملك عن مصلحة المواطن، وعن دور مجلس الأمة في الرقابة على الأداء الحكومي؛ إذ إن تحسين الإدارة العامة وتعزيز النزاهة والمساءلة تمثل شروطاً أساسية لنجاح الإصلاح، واستعادة الثقة، وضمان توجيه الموارد والإمكانات نحو خدمة المجتمع.

خطاب يتجاوز اللحظة

يأتي خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني باعتباره تأكيداً على معادلة أردنية متكاملة، قوامها حماية الدولة من التهديدات الأمنية ومحاولات الفتنة، وصون الجبهة الداخلية، والتمسك بالثوابت العربية والقضية الفلسطينية، بالتوازي مع مواصلة التحديث الاقتصادي والسياسي وتعزيز سيادة القانون وتحسين حياة المواطنين.
فالخطاب لم يسمح للأحداث الأمنية بأن تطغى على الاستحقاقات التنموية، كما لم يسمح للانشغال بالملفات الداخلية بأن يحجب الموقف الأردني من التطورات الإقليمية والقضية الفلسطينية. بل جمع هذه المسارات في رؤية واحدة ترى أن قوة الأردن تنبع من تماسك مجتمعه، وصلابة مؤسساته، وثبات مواقفه، وقدرته على تحويل التحديات إلى فرص لتعزيز مناعته الوطنية.
ومن الكرك، حيث استُهدفت أرواح بريئة وحرمة مكان للعبادة، إلى الخليل والقدس وغزة، حيث تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية وتتعرض الحقوق الفلسطينية للانتهاك، حمل الخطاب تأكيداً على أن الأردن لا يتعامل مع التحديات بمنطق ردود الفعل، وإنما من خلال ثوابته الوطنية ومصالحه الاستراتيجية ومسؤولياته العربية.
وفي الوقت ذاته، فإن الرسائل الموجهة إلى الحكومة ومجلس الأمة والمسؤولين تضع الجميع أمام استحقاق واضح: أن تكون حماية الوطن مقرونة بحماية مصالح مواطنيه، وأن يكون الإصلاح مقروناً بالإنجاز، وأن تتحول الرؤى الاقتصادية إلى فرص حقيقية، وأن تكون سيادة القانون ممارسة يومية لا مجرد شعار.
ولعل العبارة الأكثر تعبيراً عن البعد السياسي والوطني للخطاب هي أن رهـان الملك سيبقى على الأردني، على وعيه حين تلتبس الطرق، وعلى حكمته حين تعلو الانفعالات، وعلى إخلاصه ووفائه حين تشتد المحن.
فالأردن الذي يؤكد أنه عصي على المعتدين، لا يكتفي بحماية حاضره، بل يضع أمام مؤسساته ومجتمعه مسؤولية صناعة مستقبله، دولة تحمي وحدتها وسيادتها، ولا تساوم على ثوابتها، وفي الوقت ذاته تجعل كرامة المواطن ومصلحته وحقه في حياة أفضل جوهر مشروعها الوطني.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :