-

اسرار وخفايا

تاريخ النشر - 26-10-2026 11:57 AM     عدد المشاهدات 41    | عدد التعليقات 0

انخفض صوت الرصاص وارتفع صوت الدولة .. معركة الأردن الجديدة تبدأ

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون المحلية

انخفض صوت الرصاص وارتفع صوت الدولة ،صوت القبضة الأمنية الحديدية التي انقضت فجر الاثنين على شرذمة ارهابيين نفذوا عملهم الدنيء عصر الجمعة المنصرمة، فيما انتهت العملية الأمنية بعد أقل من 72 ساعة على تنفيذ الهجوم، ولكن عين الدولة تحدق عين على كبح جماح الإرهاب وعين متوهجة على بدء عمليات مكافحة الفكر المتطرف ومكافحة جذوره وأي لبنة ربما تشكل اساسا أو قاعدة لترعرع ذلك الفكر.
لم تكن الجريمة التي استهدفت المشيعين في كنيسة قرية حمود بمحافظة الكرك مجرد اعتداء مسلح خلّف ضحايا وجرحى، بل كانت جرحا أصاب الضمير الأردني، وامتحانا لقيم التآخي التي شكّلت على امتداد تاريخ المملكة ركيزة من ركائز هويتها الوطنية، فحين تمتد يد الإرهاب إلى إنسان في مكان عبادته، فإنها لا تستهدف فردا أو جماعة بعينها، وإنما تحاول النيل من حق الأردنيين جميعا في الحياة والأمان والكرامة.
ومع إعلان الأجهزة الأمنية إلقاء القبض على المتهمين الثلاثة، تدخل القضية مرحلة جديدة، مرحلة لا تقف عند حدود ملاحقة المسؤولين عن الجريمة وتقديمهم إلى العدالة، بل تمتد إلى سؤال أكثر عمقا وإلحاحا: كيف يمكن منع الفكر المتطرف من الوصول إلى اللحظة التي يتحول فيها إلى رصاصة تستقر في جسد إنسان، أو جريمة تترك وطنا بأكمله تحت وطأة الحزن؟.
هنا تكتسب توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني خلال اجتماع مجلس الأمن القومي، أهميتها السياسية والوطنية، فالمطلوب ليس التعامل مع جريمة انتهت فصولها الأمنية فحسب، وإنما استخلاص الدروس منها، ومراجعة أدوات المواجهة، والبحث في الأسباب التي تسمح للتطرف بأن يتسلل إلى العقول قبل أن يظهر في الشوارع على هيئة عنف ودماء.

مواجهة جذور الفكر المتطرف

إن إلقاء القبض على المتهمين يمثل خطوة أساسية في مسار إنفاذ القانون، ورسالة واضحة بأن الجريمة لن تمر من دون مساءلة، وأن أمن الأردنيين وسلامتهم ليسا موضع مساومة، غير أن اكتمال العدالة يقتضي استكمال الإجراءات القانونية، وكشف الحقائق وفق الأصول.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد كل جريمة من هذا النوع لا يتعلق فقط بمن ارتكبها، بل بكيفية وصوله إلى قناعة تبيح له الاعتداء على الآخرين، وما الذي يجعل الفكر المتطرف قادرا على إقناع صاحبه بأن العنف يمكن أن يكون وسيلة أو مبررا أو غاية.
هذا هو الجانب الذي لا تستطيع الإجراءات الأمنية وحدها أن تعالجه، مهما بلغت كفاءتها وفاعليتها، فالأمن يحمي المجتمع من الجريمة، فيما تعمل الوقاية الفكرية والتربوية والاجتماعية على تقليص فرص نشوء البيئة التي تبررها أو تتسامح معها، وبين المسارين تكامل لا غنى عنه، إذ لا تستقيم مواجهة الإرهاب من دون دولة قوية في تطبيق القانون، ومجتمع واعي يرفض التطرف، ومؤسسات قادرة على حماية الإنسان من الأفكار التي تسلبه إنسانيته وتدفعه إلى استباحة حياة الآخرين.
فيما مراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف، التي وجّه جلالة الملك الحكومة والمؤسسات المعنية إلى إجرائها، تمثل استحقاقا وطنيا يتجاوز رد الفعل الآني، وهي دعوة إلى تقييم ما أُنجز، وتحديد الثغرات، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية والتعليمية والدينية والاجتماعية، ضمن خطة واضحة تقيس أثرها على أرض الواقع، لا بمجرد ما تتضمنه من شعارات.

الملك يضع المواجهة أمام استحقاقها الوطني

حملت توجيهات جلالة الملك عبدالله الثاني خلال اجتماع مجلس الأمن القومي رسالة حازمة بأن أمن الأردنيين خط أحمر، وأن الدولة لن تتهاون في حماية مواطنيها، بالتوازي مع مراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف وتكثيف الجهود لتجفيف منابعه ضمن خطة منهجية بالتنسيق مع المرجعيات الدينية.
وتكشف هذه التوجيهات عن ضرورة الجمع بين الحزم الأمني والمعالجة الوقائية، فمواجهة الإرهاب لا تكتمل بملاحقة مرتكبيه بعد وقوع الجريمة، وإنما تتطلب أيضًا بناء قدرة مؤسسية على استباق التهديدات، وفهم التحولات التي تسبق العنف، وتعزيز أدوات الوقاية قبل أن تتحول الأفكار المنحرفة إلى أفعال تهدد الأرواح والاستقرار.
كما أن تأكيد جلالة الملك ضرورة التصدي للشائعات والمعلومات المضللة يحمل دلالة لا تقل أهمية عن الإجراءات الأمنية، فالجريمة الإرهابية قد تخلّف وراءها ضحايا وذويهم، لكنها قد تترك أيضا مساحة تحاول الشائعات استغلالها لبث الخوف والشك والفرقة، ومن هنا، تصبح المعلومة الدقيقة والمسؤولة جزءا من حماية المجتمع، ويغدو الالتزام بالحقيقة واجبا وطنيا وأخلاقيا لا يقل أهمية عن سرعة تداول الخبر.
إن هيبة الدولة لا تُقاس بقدرتها على ملاحقة الجناة فحسب، بل كذلك بقدرتها على إرساء الثقة، وتطبيق القانون، وإبقاء المجتمع متماسكا في مواجهة محاولات العبث بأمنه واستقراره.

الوحدة الوطنية.. الجدار الذي لا ينبغي أن يتصدع

في الكرك، حيث تتجاور الذاكرة الوطنية مع تاريخ طويل من التضحيات والمواقف، لا يمكن النظر إلى استهداف كنيسة باعتباره شأنا يخص المسيحيين وحدهم، مثلما لا يمكن النظر إلى الاعتداء على مسجد باعتباره شأنا يخص المسلمين وحدهم، دور العبادة، بكل ما تمثله من قداسة وطمأنينة، هي جزء من أمن المجتمع وكرامة أبنائه، والاعتداء عليها اعتداء على حق الإنسان في ممارسة شعائره بأمان.
والأردن الذي صاغت مواقفه وتضحيات أبنائه معنى الشراكة الوطنية، لا ينبغي أن يسمح لجريمة بأن تفتح بابا للريبة بين مكوناته، أو أن تتحول آلام الضحايا إلى مادة للتحريض والتعميم، فالمسؤولية الجنائية لا تثبت إلا بالأدلة والإجراءات القضائية، ولا يجوز أن يُحمّل مجتمع أو جماعة أو فئة تبعات أفعال أفراد لمجرد انتماء لفكر متطوف.
إن أخطر ما يمكن أن يحققه الإرهاب، بعد سفك الدماء، هو أن ينجح في زرع الخوف بين أبناء المجتمع، وأن يحوّل الاختلاف إلى خصومة، والتنوع إلى مصدر للقلق، ولذلك، فإن الحفاظ على الوحدة الوطنية ليس خطابت يقال في لحظات الحزن فقط، بل ممارسة يومية تقوم على المواطنة المتساوية، واحترام القانون، وصون كرامة الإنسان، ورفض خطاب الكراهية من أي جهة صدر.
وان الرد الأردني الأعمق على هذه الجريمة لا يكون بالحزن وحده، ولا بالغضب وحده، بل بتحويل الألم إلى موقف وطني جامع، يؤكد أن دماء الأردنيين مصونة، وأن دور العبادة ستبقى أماكن للسكينة، وأن محاولات بث الفرقة لن تجد في المجتمع ما يعينها على تحقيق غاياتها.

المعركة التي تبدأ من الإنسان

إن قول وزير الداخلية إن المعركة بدأت يضع أمام الدولة والمجتمع مسؤولية تتجاوز لحظة إلقاء القبض على المتهمين، فالمعركة الحقيقية هي ألا تتكرر الجريمة، وألا يجد الفكر المتطرف طريقا جديدا إلى عقول الشباب، وألا تتحول الكراهية إلى لغة مقبولة، أو يصبح العنف خيارا يتوهم صاحبه أنه قادر على فرضه على الآخرين.
وهذه مسؤولية لا تقع على مؤسسة واحدة، فالمدرسة مطالبة بتعزيز التفكير النقدي وقيم التسامح، والمؤسسات الدينية مطالبة بتعميق الخطاب الذي يصون الحياة ويرفض الغلو، والإعلام مطالب بمواجهة التضليل من دون تهويل، والأسرة مطالبة بفتح مساحات الحوار والثقة، فيما تقع على مؤسسات الدولة مسؤولية تطوير برامج الوقاية، وتعزيز الشراكة المجتمعية، والتعامل مع أسباب التطرف وفق معرفة دقيقة وتقييم مستمر.
ولا يعني ذلك البحث عن مبررات للجريمة أو تخفيف مسؤولية مرتكبيها، فالمساءلة القانونية واجبة، وحرمة الدم لا تقبل التبرير، لكن حماية المستقبل تتطلب أكثر من محاسبة الماضي، وأن الرد على الجريمة ينبغي أن يتضمن ضمانات عملية تقلل فرص تكرارها.
فالإرهاب لا ينتصر حين يقتل ضحاياه فحسب، بل حين ينجح في إخافة المجتمع، أو إضعاف ثقته بدولته، أو دفع أبنائه إلى الشك بعضهم ببعض، أما مواجهته الحقيقية فتبدأ حين يواجه القانون الجريمة، ويواجه الوعي الفكر المنحرف، وتحمي الوحدة الوطنية النسيج الاجتماعي من التصدع.
لقد قالت الدولة كلمتها في حماية الأمن وملاحقة المتهمين، وأكدت القيادة أن مراجعة سياسات مكافحة التطرف وتجفيف منابعه ضرورة لا تحتمل التأجيل، ويبقى التحدي في ترجمة هذه الرسائل إلى عمل مؤسسي مستمر، وخطط قابلة للتقييم، وشراكة حقيقية تجعل الوقاية من التطرف مسؤولية وطنية مشتركة.
فالمعركة لا تنتهي عندما يصل الجناة إلى قبضة العدالة، بل تكتمل حين يعجز الفكر الذي دفع إلى الجريمة عن صناعة جريمة جديدة، وحين يبقى الأردن، رغم الألم، أكثر تمسكا بوحدته، وأشد إيمانا بإنسانية أبنائه، وأصلب في حماية حقهم في الحياة والأمان.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

عـاجـل :