كتب محرر الشؤون المحلية
في السنوات الأخيرة، بدأت تبرز في المشهد الأردني ظاهرة تستحق التوقف طويلاً أمامها؛ مسؤولون سابقون، ما إن يغادروا مواقعهم حتى تنفتح أمامهم أبواب المنصات والبودكاست، فيبدأ الحديث عن كواليس الدولة، وأسرار الحكومات، والقرارات التي اتخذت، والملفات التي كانت موضع خلاف، وأحياناً عن الفساد والتعيينات وأخطاء الآخرين.
ليس في الأمر مشكلة من حيث المبدأ؛ فالمسؤول السابق مواطن له حق التعبير، ومن حق المجتمع أن يستفيد من خبرته وتجربته، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول المسؤول الذي كان بالأمس جزءاً من منظومة القرار إلى شاهد عليها اليوم، وكأنه كان يقف خارجها، يراقب ما يجري من بعيد، ولم يكن له من الأمر شيء.
وفي المقابل يتنطح بعض المسؤولين بأنه لا يوجد هناك فساد وهو يعرف عن نفسه بأنه فاسد، فمن خوّل ذلك المسؤول بأن يتحدث عن الفساد وهو فاسد.
هذه الظاهرة لم تعد مجرد انطباع عابر، بل أصبحت حديثاً إعلامياً واجتماعياً، مع تزايد ظهور مسؤولين سابقين عبر (مايكات الوبر) والمنصات الرقمية للحديث عن تجاربهم وكواليس مراحل توليهم المسؤولية، وما يرافق بعض هذه المقابلات من جدل واسع بعد نشر التصريحات وتحويلها إلى مقاطع تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: لماذا يتحدث المسؤول السابق؟ بل السؤال الأكثر إزعاجاً هو: لماذا لم يتحدث عندما كان في موقع المسؤولية؟
إذا كان المسؤول السابق يعرف أن هناك خللاً في الإدارة، فلماذا لم يعترض وهو في موقع القرار؟ وإذا كان يعرف أن هناك فساداً، فأين كانت الملفات عندما كانت لديه الصلاحيات والنفوذ والقدرة على الوصول إلى الجهات الرقابية؟ وإذا كان يرى أن قرارات معينة أضرت بالدولة أو المواطن، فلماذا لم يعلن موقفه عندما كان جزءاً من الحكومة أو المؤسسة التي اتخذت تلك القرارات؟
وهنا تحديداً يجب ألا يسمح أحد بتحويل الذاكرة العامة إلى ذاكرة انتقائية، فالمسؤولية لا تنتهي في اليوم الذي يغادر فيه المسؤول مكتبه، فالمنصب ليس مجرد سيارة حكومية ومكتب وحراسة ولقب، وإنما هو تكليف ومسؤولية وتاريخ من القرارات والمواقف والصمت أيضاً.
ومن حق المسؤول السابق أن ينتقد، لكن من حق المجتمع كذلك أن يسأله: أين كنت عندما كنت تستطيع أن تغيّر؟ فالمسؤول السابق ليس صحفياً كان يجلس في المدرجات ويراقب المباراة؛ كان لاعباً فيها، وأحياناً كان من أصحاب القرار، وأحياناً كان صاحب الكلمة المؤثرة فيها.
المشكلة تصبح أكثر حساسية عندما يتحدث بعض المسؤولين السابقين عن الفساد وكأنهم اكتشفوه بعد مغادرة الكرسي، أو يقدمون أنفسهم للرأي العام في صورة من يعرف كل شيء عن أخطاء المرحلة، بينما كانوا هم أنفسهم جزءاً من تلك المرحلة، أو كانوا قريبين من دوائر صنع القرار فيها، أو حتى جزءا من الفساد ذاته.
هنا لا تعود المسألة مجرد حرية تعبير، وإنما تصبح مسألة مسؤولية أخلاقية وسياسية وتاريخية، فمن يمتلك معلومات حقيقية عن فساد لا يحتاج إلى بودكاست كي يكشفها، ولا إلى آلاف المشاهدات كي يمنحها شرعية؛ مكان المعلومة التي تتضمن شبهة فساد هو الجهات الرقابية والقضائية المختصة.
أما أن تخرج المعلومة بعد سنوات في مقابلة جماهيرية، ثم يتحول صاحبها إلى بطل يكشف "المستور"، فالسؤال المشروع سيبقى قائماً: لماذا الآن؟ ولماذا لم تكن هذه الشجاعة موجودة عندما كان صاحبها داخل الغرفة التي تُتخذ فيها القرارات؟
الأكثر استفزازاً للمواطن أن يرى مسؤولاً سابقاً يتحدث عن التعيينات والمحسوبيات والواسطة والمال السياسي، بينما يتذكر الناس أن هؤلاء المسؤولين أنفسهم كانوا طوال سنوات جزءاً من الحياة العامة، وبعضهم شغل مواقع تمنحه القدرة على التأثير في التعيينات والقرارات والإنفاق والسياسات.
ولا يعني ذلك اتهام كل مسؤول سابق بالفساد، فهذا أمر لا يجوز إطلاقه بلا دليل أو حكم قضائي، لكنه يعني شيئاً أبسط وأشد قسوة: لا يمكن لمن كان جزءاً من المشهد أن يطالب المجتمع بالنظر إليه باعتباره مراقباً محايداً للمشهد.
المسؤول السابق ليس شاهداً يقف خارج التاريخ؛ هو جزء من التاريخ الذي يتحدث عنه. ولذلك فإن روايته بعد مغادرة الموقع يجب أن تكون جزءاً من الحقيقة، لا كل الحقيقة.
ولعل الأخطر أن بعض هذه المقابلات باتت تعتمد على "الكواليس" و"الأسرار" و"ما لم يُكشف سابقاً"، بما يحول تاريخ الدولة وتجارب مؤسساتها إلى مادة للاستهلاك الرقمي،ومع انتشار المقاطع المقتطعة، يتحول تصريح واحد إلى موجة غضب، وقد يُفهم خارج سياقه، فتتسع دائرة السخط الشعبي وتزداد حالة عدم الثقة بالمؤسسات.
وليس المطلوب إغلاق أفواه المسؤولين السابقين، بل على العكس تماماً؛ نحن بحاجة إلى خبراتهم، ونحتاج أن نسمع منهم ماذا حدث، ولماذا حدث، وأين أخطأت الحكومات، وأين نجحت، وما الذي ينبغي إصلاحه،لكننا نحتاج أيضاً إلى الحقيقة كاملة.
أي أن يقول المسؤول السابق: هذا ما حدث، وهذا القرار كنت جزءاً منه، وهذا ما وافقت عليه، وهذا ما اعترضت عليه، وهذا ما لم أستطع تغييره، وهذا ما أخطأت فيه أنا شخصياً،أما أن تتحول المقابلة إلى سردية بطل خرج من الكرسي ليكتشف أخطاء الآخرين، فهنا يصبح الأمر أقرب إلى إعادة كتابة للتاريخ من وجهة نظر واحدة.
والأردنيون ليسوا بهذه السذاجة، هذا المجتمع يعرف المسؤولين، ويتذكر مواقعهم، ويتذكر مراحلهم، ويتابع مساراتهم قبل المنصب وبعده، وهو قادر على المقارنة بين ما يقوله المسؤول اليوم وما كان يقوله بالأمس.
بل إن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت ذاكرة المجتمع أقوى من أي وقت مضى؛ فالتصريح القديم يمكن استعادته في ثوانٍ، والقرار السابق يمكن مقارنته بالموقف الحالي، والكلمة التي قيلت أثناء المسؤولية يمكن وضعها إلى جانب الرواية التي تُقدم بعد مغادرة المنصب.
ولذلك فإن المسؤول السابق الذي يخرج اليوم للحديث عن أخطاء الدولة ينبغي أن يكون أول من يعرف أن المنصب يغادر صاحبه، لكن سجل المنصب لا يغادره.
الأمر لا يتعلق فقط بالفساد؛ هناك من يتحدث عن الاقتصاد بعد خروجه، وعن الإدارة بعد خروجه، وعن الإعلام بعد خروجه، وعن الحكومات بعد خروجه، وعن التعيينات بعد خروجه، وعن الحياة السياسية بعد خروجه، وعن ملفات كان هو نفسه قريباً منها، وفي كل مرة يعود السؤال ذاته: إذا كنت ترى أن الأمور كانت بهذا السوء، لماذا بقيت؟ وإذا كنت تعرف أن القرار خاطئ، لماذا لم تعترض؟ وإذا كان هناك فساد، لماذا لم تبلغ؟ وإذا كنت ترى أن المؤسسة تسير في الاتجاه الخطأ، لماذا لم تستقل؟
هذه الأسئلة ليست انتقاماً من المسؤول السابق، وليست دعوة إلى إسكات أحد؛ إنها ببساطة حق المجتمع في مساءلة من تولى الشأن العام.
فكما يحق للمسؤول السابق أن ينتقد الحكومة الحالية، يحق للمواطن أن ينتقد أداءه السابق، وكما يحق له أن يتحدث عن أخطاء الآخرين، يحق للرأي العام أن يسأله عن أخطائه، وكما يحق له أن يكشف ما يعرف، يحق للناس أن تسأل: ماذا فعلت عندما كنت قادراً على الفعل؟
الأردن اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الحكايات البطولية عن الماضي، بل يحتاج إلى مسؤولين سابقين يتحملون مسؤوليتهم التاريخية، ويضعون خبراتهم في خدمة الدولة والمجتمع، لا في خدمة صناعة "الترند".
ويحتاج إلى من يقول الحقيقة كاملة، حتى لو كان جزء منها يدينه سياسياً أو إدارياً، فالشجاعة الحقيقية ليست أن تتحدث بعد أن يصبح الكلام آمناً؛ الشجاعة أن تقول الحقيقة عندما تكون في قلب المسؤولية، عندما يكون ثمنها منصبك، لا عندما يكون ثمنها بضع ساعات أمام ميكروفون.
فمن كان شريكاً في القرار، لا يمكنه أن يقدم نفسه شاهداً محايداً عليه، ومن كان في موقع المسؤولية، لا يستطيع أن يطالب المجتمع بمحاسبة الآخرين فقط، وعليه أن يجيب أولاً عن السؤال الأصعب: ماذا فعلت أنت عندما كان الكرسي لك؟
هذه هي المساءلة الحقيقية، وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تبدأ منها كل رواية لمسؤول سابق، قبل أن تبدأ الكاميرا بالتصوير، وقبل أن يشتعل عداد المشاهدات.
|
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه. |
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |
إيطاليا تفتح تحقيقا ضد مسؤولين إسرائيليين بسبب أسطول الصمود
هل تثق في نتنياهو؟ .. سؤال محرج وإجابة مراوغة من ترامب
الأردن يرحّب بإدانة مجلس الأمن هجمات الحوثيين على السعودية
أوباما يتهم إسرائيل بأخذ أراضي الفلسطينيين .. ونتنياهو يرد بحدة
إيلون ماسك يكشف عن سيارة "طائرة" من تيسلا
الفايز : الأزمات والتحديات تحتاج برلمانات قوية لمواجهتها