تاريخ النشر - 24-08-2026 07:16 PM عدد المشاهدات 65 | عدد التعليقات 0
قال ما لم يكن ينبغي أن يقوله .. ثم قال ما كان ينبغي أن يقول: خليل الزيود والوجه الآخر للقصة

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون المحلية
في لحظة واحدة، يمكن لمقطع قصير أن يختصر سنوات من حياة الإنسان في نظر جمهور منصات التواصل الاجتماعي، ويمكن لعبارة غير موفقة أن تتحول خلال ساعات إلى عاصفة من الغضب والاتهامات، قبل أن تتاح مساحة كافية لفهم السياق أو الاستماع إلى صاحبها أو النظر إلى الصورة كاملة.
وهذا تحديداً ما حدث مع الدكتور خليل الزيود خلال الساعات الماضية، بعد انتشار مقطع من حديثه أثار موجة واسعة من الغضب والانتقاد، على خلفية ما اعتبره متابعون إساءة في التعبير عند الحديث عن مقام النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
ولا يمكن، ولا ينبغي، أن يكون الدفاع عن الزيود قائماً على إنكار ما قاله أو محاولة تجميل العبارة التي استخدمها؛ فالمقام النبوي عظيم، والكلمة في مثل هذه المواضيع تحتاج إلى أعلى درجات الدقة والأدب والمسؤولية.
لكن في المقابل، هناك حقيقة أخرى لا يجوز أن تضيع وسط ضجيج المنصات: الرجل اعترف بخطئه واعتذر.
لم يخرج الزيود لينكر ما قال، ولم يحاول أن يحمّل الآخرين مسؤولية عبارته، ولم يتعامل مع موجة الغضب باعتبارها حملة تستهدفه فقط، بل عاد وقدم توضيحه وأقر بأن التعبير الذي استخدمه لم يكن موفقاً، وقدم اعتذاره بصورة واضحة.
وهنا تحديداً يجب أن تتوقف الضجة قليلاً، لا لإلغاء الخطأ، وإنما لتمييز الخطأ عن صاحبه.
فأن يخطئ الإنسان لا يعني أنه أصبح إنساناً سيئاً، وأن يقول عبارة غير موفقة لا يعني أن كل ما قاله وفعله طوال سنوات أصبح بلا قيمة، وأن يعتذر لا يعني أنه يبحث عن مخرج، بل قد يكون الاعتذار في بعض الأحيان أقوى موقف يمكن للإنسان أن يتخذه عندما يكتشف أنه أخطأ.
وخليل الزيود، كما يعرفه متابعوه ومن تعاملوا معه، ليس شخصية ظهرت مع هذا المقطع، ولا اسماً مجهولاً ارتبط بالجدل لأول مرة. فهو حاضر منذ سنوات في المجال الأسري والتربوي والإعلامي، وقدم محتوى وحوارات تناولت قضايا اجتماعية وأسرية وتربوية شغلت الناس، وله حضور معروف لدى شريحة واسعة من المتابعين.
ولذلك فإن اختزال هذه المسيرة كلها في مقطع واحد لا يبدو منصفاً، حتى وإن كان المقطع نفسه يستحق النقد والمراجعة.
فالإنصاف لا يعني أن نقول إن الزيود لم يخطئ، وإنما يعني أن نقول الحقيقة كاملة: أخطأ في التعبير، ثم أدرك خطأه، واعتذر عنه.
وهناك فرق كبير بين إنسان يخطئ ثم يصر على خطئه، وبين إنسان يخطئ ثم يمتلك الشجاعة ليقف أمام الناس ويقول إنه أخطأ، الأول يرفض المراجعة، أما الثاني فيفتح الباب أمامها.
وفي هذه القصة تحديداً، ثمة مفارقة تستحق التأمل؛ فالكثيرون الذين غضبوا دفاعاً عن مقام النبي صلى الله عليه وسلم كانوا محقين في رفض أي تعبير يرونه مسيئاً، لكن بعض ردود الفعل تجاوزت حدود النقد إلى الشتيمة والتشهير والتجريح، وهو ما يطرح سؤالاً بسيطاً: هل يمكن الدفاع عن أخلاق النبي الكريم بألفاظ تفتقد إلى الأخلاق التي جاء بها؟
المطلوب ليس أن نصمت عن الخطأ، ولا أن نمنع النقد، ولا أن نفرض على الناس قبول ما قيل. المطلوب فقط أن نكون عادلين في ردود أفعالنا، وأن نعرف أين ينتهي النقد وأين تبدأ الإساءة إلى الإنسان.
ومن هنا، فإن اعتذار الزيود يجب ألا يُنظر إليه باعتباره تفصيلاً هامشياً في القضية، بل باعتباره جزءاً أساسياً من القصة.
فالاعتذار الصادق لا يمحو الخطأ، لكنه يضعه في إطاره الصحيح، ويؤكد أن صاحبه أدرك أثر كلماته ولم يتعامل معها باستخفاف.
كما أن المسار القانوني للقضية، في حال استمر، يجب أن يبقى ضمن المؤسسات المختصة، بعيداً عن فكرة المحاكمة الجماهيرية التي تمنح مستخدمي مواقع التواصل سلطة إصدار أحكام نهائية على الأشخاص.
القانون له مساره، والنقد له مساحته، والاعتذار له قيمته، والإنسان له حقه في ألا يُختزل في أسوأ لحظة مر بها.
وقد يكون من السهل جداً اليوم أن نركب موجة الغضب، وأن نضيف اسماً جديداً إلى قائمة الذين تُشن عليهم حملات إلكترونية، لكن الأصعب والأكثر أخلاقاً هو أن نتوقف لحظة ونقول: نعم، أخطأ، لكنه اعتذر.
وهنا لا بد من التمييز بين رفض الخطأ واحترام الإنسان.
يمكن أن نرفض العبارة بشدة، وأن نؤكد قدسية المقام الذي تناولته، وأن نطالب بمزيد من المسؤولية في التعامل مع القضايا الدينية، وفي الوقت نفسه نرفض تحويل صاحب العبارة إلى هدف مفتوح للتشهير والإهانة.
فالمجتمعات التي لا تعرف إلا العقاب ولا تعرف الصفح، ولا تمنح الإنسان فرصة للتراجع، هي مجتمعات تدفع الناس في النهاية إلى المكابرة بدلاً من الاعتراف.
أما المجتمع الذي يقول للمخطئ: أخطأت، وعندما تعتذر سنسمع اعتذارك، فهو مجتمع أكثر نضجاً وعدلاً، وخليل الزيود اليوم لا يحتاج إلى من ينكر خطأه نيابة عنه، بقدر ما يحتاج إلى أن يُقرأ موقفه كاملاً.
قال ما لم يكن ينبغي أن يقوله، ثم قال ما كان ينبغي أن يقوله: أخطأت وأعتذر،
وهذه وحدها حقيقة تستحق أن تُسمع وسط كل هذا الضجيج،
فلا أحد فوق الخطأ، ولا أحد فوق النقد، لكن في المقابل لا ينبغي أن يصبح الخطأ حكماً مؤبداً على الإنسان.
خليل الزيود أخطأ.. نعم. لكنه اعتذر أيضاً. وبين الخطأ والاعتذار مساحة اسمها الإنصاف، وهي المساحة التي يجب ألا نخسرها ونحن نختلف.