تاريخ النشر - 24-08-2026 10:53 AM عدد المشاهدات 37 | عدد التعليقات 0
من بوابة الإقليم إلى مصنع العالم .. الساكت يقرأ الزيارة الملكية إلى الصين

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون الاقتصادية
لم تعد العلاقة الاقتصادية بين الأردن والصين تقاس بحجم التبادل التجاري وحده، ولا بعدد السلع المتبادلة بين البلدين، في وقت تتجه فيه المعادلات الاقتصادية العالمية نحو إعادة تشكيل سلاسل الإنتاج والتوريد، وتبحث الدول عن مواقع أكثر أمناً واستقراراً وقدرة على احتضان الاستثمارات النوعية.
ومن هنا، تبرز الزيارة الملكية إلى الصين بوصفها محطة تتجاوز بعدها التقليدي، لتفتح أفقاً أوسع أمام الأردن للدخول في شراكات اقتصادية وصناعية وتكنولوجية أكثر عمقاً، تستند إلى تكامل المزايا التنافسية بين البلدين، وتحويل نقاط القوة لدى كل طرف إلى قيمة مضافة مشتركة.
وفي هذا السياق، أكد عضو غرفة صناعة عمّان المهندس موسى الساكت، خلال برنامج «الأحد اقتصادي»، أن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في زيادة حجم التجارة مع الصين، وإنما في الانتقال إلى شراكة اقتصادية متقدمة تقوم على استقطاب الاستثمارات الصناعية، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وبناء قاعدة إنتاجية في الأردن قادرة على النفاذ إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
وأشار الساكت إلى أن الأردن يمتلك مجموعة من المقومات التي تشكل في مجموعها ميزة تنافسية حقيقية، في مقدمتها الأمن والاستقرار، واستقرار البيئة الاقتصادية، والموقع الجغرافي والاستراتيجي الذي يضع المملكة على تقاطع أسواق إقليمية مهمة، إلى جانب ما تمتلكه من موارد وكفاءات بشرية قادرة على خدمة قطاعات وصناعات متعددة، فضلاً عن بنية تحتية صناعية شهدت تطوراً ملموساً خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، تمتلك الصين منظومة تنافسية مختلفة في طبيعتها وحجمها، تقوم على المعرفة التكنولوجية المتقدمة، والقدرة التصنيعية الهائلة، وسلاسل القيمة العالمية، وتوافر رأس المال، والخبرة المتراكمة في الأسواق الدولية، فضلاً عن موقعها بوصفها واحدة من أهم المراكز الصناعية في العالم، أو ما اصطلح على وصفها بـ «مصنع العالم».
ويرى الساكت أن جوهر الفرصة الأردنية يكمن تحديداً في مزج الميزة التنافسية الأردنية بالميزة التنافسية الصينية، بحيث لا تكون العلاقة مجرد تدفق للسلع الصينية إلى السوق الأردنية، وإنما تتحول إلى منصة لإقامة صناعات واستثمارات مشتركة تستفيد من التكنولوجيا ورأس المال والخبرة الصينية، ومن موقع الأردن واستقراره وكفاءاته وبنيته التحتية وقدرته على الوصول إلى الأسواق المحيطة.
ووفق الساكت، يمكن أن تتشكل قيمة مضافة جديدة تتجاوز النموذج التقليدي للعلاقات التجارية، وتؤسس لنموذج أكثر تقدماً يقوم على الإنتاج داخل الأردن، وتوطين المعرفة، وتطوير القدرات الصناعية، وربط المنتج الأردني بسلاسل القيمة العالمية.
فالفرصة، في جوهرها، ليست في أن يكون الأردن سوقاً للمنتج الصيني، وإنما في أن يصبح شريكاً في إنتاجه وتطويره وتسويقه، وأن تتحول المملكة من محطة استهلاك إلى قاعدة إنتاج وتصدير، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومن شبكة علاقاتها الاقتصادية والتجارية مع محيطها العربي والإقليمي.
وفي هذا الإطار، تحمل الزيارة الملكية إلى الصين ثلاثة أبعاد استراتيجية واضحة، بحسب الساكت؛ الأمن الاقتصادي، والأمن التكنولوجي، والأمن الاستراتيجي.
فالأمن الاقتصادي يرتبط بقدرة الأردن على جذب استثمارات نوعية وتوسيع قاعدته الإنتاجية وتنويع مصادر النمو وفرص العمل، فيما يرتبط الأمن التكنولوجي بامتلاك المعرفة والتقنيات الحديثة وعدم الاكتفاء باستيراد المنتجات الجاهزة، بينما يتصل الأمن الاستراتيجي ببناء شراكات دولية متوازنة تمنح الاقتصاد الأردني مساحة أوسع للحركة والقدرة على التعامل مع التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي.
ويؤكد هذا الطرح أن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة تعريف مفهوم الشراكة الأردنية الصينية؛ فالمطلوب ليس فقط زيادة الأرقام التجارية، وإنما تغيير طبيعة العلاقة الاقتصادية ذاتها، من علاقة قائمة على الاستيراد والتصدير إلى علاقة تقوم على الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا والمعرفة والأسواق.
ومن شأن استقطاب الشركات الصينية ذات الخبرة الصناعية والتكنولوجية إلى الأردن أن يفتح المجال أمام إنشاء مشاريع إنتاجية تستفيد من البيئة الأردنية، وتوفر فرصاً لتأهيل الكفاءات المحلية، ونقل التقنيات، وتطوير الصناعات الوطنية، وربطها بالأسواق التي تتمتع المملكة بإمكانية الوصول إليها.
وبذلك، تصبح الصين بالنسبة للأردن أكثر من شريك تجاري؛ وتصبح المملكة بالنسبة للصين أكثر من سوق صغيرة، لتتحول إلى بوابة إنتاج واستثمار وتصدير إلى الإقليم.
وبحسب قراءة الساكت، فإن الزيارة الملكية يمكن أن تشكل انطلاقة جديدة لمرحلة جديدة في السياسة الاقتصادية والاستراتيجية الأردنية، إذا ما جرى تحويل الزخم السياسي والدبلوماسي إلى مشاريع اقتصادية ملموسة، وشراكات صناعية طويلة الأمد، واستثمارات قادرة على إحداث أثر حقيقي في الاقتصاد الوطني.
فالرهان في المرحلة المقبلة، كما يختصره هذا التصور، هو أن يلتقي استقرار الأردن وموقعه وكفاءاته وبنيته التحتية مع رأس المال الصيني والتكنولوجيا والقدرة التصنيعية وسلاسل القيمة العالمية؛ وعند نقطة الالتقاء هذه تحديداً، يمكن أن تتشكل معادلة اقتصادية جديدة، لا تكتفي بتوسيع حجم العلاقات بين البلدين، بل تعيد تعريف موقع الأردن في خارطة الاستثمار والإنتاج الإقليمي والعالمي.
فيما تبرز تلك الزيارة كفرصة للانتقال من التجارة إلى الشراكة، ومن الاستيراد إلى الإنتاج، ومن نقل المنتجات إلى نقل التكنولوجيا، ومن العلاقات الاقتصادية التقليدية إلى بناء مصالح استراتيجية طويلة الأمد.