-

اسرار وخفايا

تاريخ النشر - 20-08-2026 09:17 AM     عدد المشاهدات 32    | عدد التعليقات 0

قبة البرلمان خارج السيطرة .. رئيسٌ لا يسمع .. نوابٌ يملؤون المجلس صُراخ .. وأمانةٌ لا تتدخل

الهاشمية نيوز -

كتب محرر الشؤون المحلية
يبدو أن ما يجري تحت قبة مجلس النواب لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر حول إدارة الجلسات، ولا مجرد تباين في تفسير حدود الصلاحيات، ولا حتى خلافًا عابرًا بين رئيس المجلس وبعض النواب، المسألة بدأت تكبر، والاحتقان بدأ يتراكم، والغضب النيابي لم يعد يختبئ خلف المجاملات السياسية، بعدما باتت أصوات الاعتراض ترتفع داخل القبة، فيما يغادر بعض النواب الجلسات وهم يحملون عتبًا ثقيلًا على طريقة إدارة رئيس المجلس مازن القاضي للجلسات.

المشكلة هنا ليست في أن تكون الجلسة منضبطة، ولا في أن يكون لرئيس المجلس حق تنظيم الحديث وإدارة الوقت، فهذا أمر لا خلاف عليه، المشكلة تبدأ عندما يصبح التنظيم هو العنوان الوحيد، وعندما تتحول أدوات ضبط الجلسة من وسائل لخدمة النقاش إلى أدوات للحد من النقاش نفسه، فهناك فارق شاسع بين أن يدير رئيس المجلس الحوار، وبين أن يتحول الحوار إلى شيء يديره زر الميكروفون.

النائب الذي يجلس تحت القبة لم يصل إليها صدفة، ولم يحصل على مقعده بوصفه موظفًا في مؤسسة حكومية، وراء كل نائب صندوق اقتراع، ووراء كل مقعد آلاف الأردنيين، ووراء كل مداخلة قضية أو شكوى أو مطلب أو موقف حمله النائب من شارعه إلى قاعة البرلمان، ولذلك فإن اختزال النائب في مجرد متحدث يخضع لتوقيت الرئاسة، أو التعامل مع صوته وكأنه مساحة يمكن فتحها وإغلاقها إداريًا، يضرب جوهر الفكرة التي قام عليها التمثيل النيابي.

فالبرلمان ليس قاعة اجتماعات عادية، ورئيس المجلس ليس مدير جلسة بالمعنى الإداري الضيق، هذه مؤسسة دستورية، وكل مقعد فيها يحمل تفويضًا شعبيًا، وكل كلمة تقال تحت القبة يفترض أن يكون خلفها وزن سياسي واجتماعي وانتخابي.

ومن هنا، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح بصراحة هو: هل أصبحت إدارة الجلسات أهم من مضمون الجلسات؟ وهل أصبح الوصول إلى الميكروفون أهم من الوصول إلى الحقيقة؟ وهل باتت سرعة إنهاء المداخلات معيارًا لنجاح الجلسة بدلًا من قدرتها على احتضان الاختلاف ومناقشة القضايا التي تشغل الأردنيين؟

الأمر لا يتوقف عند رئيس المجلس وحده، فالأمانة العامة لمجلس النواب أمام اختبار مؤسسي حقيقي أيضًا، فدور الأمانة العامة لا ينبغي أن يُختزل في الإجراءات الإدارية والفنية، ولا في تشغيل الميكروفونات وإعداد المحاضر وترتيب الجلسات، المؤسسة البرلمانية تحتاج إلى جهاز مؤسسي يحمي انتظام العمل ويقدم للرئاسة الرأي والمشورة، ويساعد على التوفيق بين مقتضيات النظام وحقوق النواب، ويذكّر دائمًا بأن إدارة المجلس ليست معركة بين الرئيس والنواب، وإنما مسؤولية مشتركة عنوانها حماية المؤسسة.

الأمانة العامة يفترض أن تكون جزءًا من عقل المجلس، لا مجرد ذراعه التنفيذية، وأن تساعد الرئاسة على تحقيق التوازن بين هيبة الجلسة وحرية النائب، وبين الانضباط وحق التعبير، وبين إدارة الوقت وعدم خنق النقاش. فحين تختزل المؤسسة دورها في تنفيذ الإجراءات فقط، تخسر جزءًا من قيمتها المهنية التي يفترض أن تشكل صمام أمان للعمل البرلماني.

ولا يمكن بناء برلمان قوي بعقلية "اقطع الميكروفون وانتهى الأمر"، هذه أسهل طريقة لإنهاء الكلام، لكنها بالتأكيد ليست أفضل طريقة لإدارة الخلاف.

فالخلاف في البرلمان ليس عيبًا، والاعتراض ليس تمردًا، والنقاش الحاد ليس فوضى بالضرورة، والنائب الذي يرفع صوته احتجاجًا على قضية يرى أنها تمس ناخبيه ليس خصمًا لرئاسة المجلس لمجرد أنه اختلف معها.

أما البرلمان الذي يخرج منه النواب صامتين خوفًا من المقاطعة، أو يغادرونه غاضبين احتجاجًا على طريقة الإدارة، فهو يحتاج إلى مراجعة قبل أن تتحول حالة الاحتقان إلى أزمة ثقة.

وهنا تكمن الخطورة، لأن رئيس المجلس يستطيع أن يوقف ميكروفون نائب في لحظة، لكنه لا يستطيع أن يوقف الغضب الذي يتراكم في نفوس النواب.

يمكن إغلاق الصوت، لكن لا يمكن إغلاق الاعتراض، يمكن إنهاء المداخلة، لكن لا يمكن إنهاء السؤال. يمكن رفع الجلسة، لكن لا يمكن رفع أسباب الاحتقان من داخل المؤسسة بمجرد طرق المطرقة.

وإذا كان عدد متزايد من النواب يشعرون بأن المساحة المتاحة لهم للتعبير تتقلص، فإن المشكلة لا تعود مشكلة فردية، تصبح قضية مؤسسية تستحق الوقوف عندها، لأن مجلس النواب لا يعيش فقط بالنصوص واللوائح، بل يعيش أيضًا بثقة أعضائه وبإحساسهم بأنهم شركاء حقيقيون في إدارة المؤسسة.


وهنا ينبغي أن تنتبه رئاسة المجلس إلى أن الهيبة الحقيقية لا تأتي من فرض الصمت، وإنما من القدرة على إدارة الصخب السياسي دون أن يتحول إلى فوضى.

الرئيس الذي يستطيع أن يجعل النائب المعارض يشعر بأنه مسموع، هو رئيس أقوى من رئيس يستطيع إسكات النائب، والرئاسة التي تحتمل النقد أقوى من رئاسة لا تحتمل إلا الموافقة. والمؤسسة التي تستوعب الغاضب أقوى من المؤسسة التي تدفعه إلى مغادرة القاعة.

لهذا، فإن ما يجري اليوم يستحق مراجعة هادئة وعميقة، لا مزيدًا من شد الحبل.

مجلس النواب ليس ساحة لتسجيل النقاط بين الرئاسة وأعضائها، ولا منصة لإثبات من يملك الكلمة الأخيرة، المجلس ملك للمؤسسة الدستورية وللشعب الذي انتخب أعضاءه، والرئاسة في النهاية مؤتمنة على إدارة هذه المساحة لا احتكارها.

وإذا كان هناك من يعتقد أن هيبة المجلس تُستعاد بإسكات النواب، فهو يخطئ العنوان.

هيبة المجلس تُستعاد عندما يشعر المواطن أن نائبه يستطيع أن يتحدث باسمه، تُستعاد عندما يرى الأردني أن صوته لا يتوقف عند باب القبة، تُستعاد عندما يستطيع النائب أن يعترض دون أن يتحول اعتراضه إلى خصومة شخصية، وتُستعاد عندما تصبح رئاسة المجلس بيتًا واسعًا للاختلاف، لا غرفة تحكم تُفتح فيها الميكروفونات وتُغلق وفق إيقاع الرئاسة.

وفي خضم هذا السجال، ينبغي أن يتذكر الجميع، رئيس المجلس والنواب على حد سواء، أن الأشخاص عابرون، والمواقع لا تدوم لأحد، مازن القاضي سيغادر رئاسة المجلس يومًا، والنواب الحاليون ستنتهي ولايتهم ويأتي غيرهم، لكن مجلس النواب سيبقى، وستبقى صورته في الذاكرة الوطنية، وسيبقى اسم هذه المؤسسة مرتبطًا بما يراه الأردنيون ويسمعونه تحت قبتها.

ولهذا فإن أي سلوك انفعالي، وأي إدارة تفتح أبواب الصدام بدل الحوار، وأي مشهد يغادر فيه النواب القبة غاضبين أو يشعر فيه المواطن أن ممثله عاجز عن إيصال صوته، لا يضر شخصًا بعينه بقدر ما يترك خدشًا في الصورة الذهنية للمؤسسة التشريعية بأكملها، فالمنصب ينتهي، والدورة النيابية تنتهي، والأسماء تتغير، أما هيبة البرلمان فإرث يبقى للأردن والأردنيين، ولا يجوز أن تُستهلك في خلافات عابرة أو تُدفع ثمنًا لمزاجية إدارة جلسة أو لحظة غضب تحت القبة.

وبعض النواب بدورهم يحتاجون إلى أن يتذكروا أن القبة ليست سوقًا للصراخ، ولا مسرحًا للاستعراض، ولا منصة لاصطياد التصفيق واللقطات أمام الكاميرات، فهناك من يدخل المداخلة بلا فكرة، ويخرج منها بلا موقف، وبين الدخول والخروج يستهلك وقت المجلس بصوت مرتفع ومضمون هزيل، ويحوّل الخلاف السياسي إلى مشادة شخصية، والرقابة إلى مزايدة، والجرأة إلى فوضى، بعضهم يتعامل مع الميكروفون وكأنه غنيمة، فإذا فُتح له أطلق العنان للصوت، وإذا أُغلق بدأ بالصراخ، وكأن المقعد النيابي يمنحه حق احتكار القبة وحرمان الآخرين من الكلام. 

 

والأسوأ أن بعض المداخلات لا تحمل للأردنيين سوى الضجيج؛ لا تشريعًا يُناقش، ولا رقابة تُمارس، ولا حجة تُقنع، وإنما استعراض شعبوي يصلح لمنصات التواصل أكثر مما يصلح لمؤسسة تشريعية، النائب الذي لا يملك فكرة لا يعوضها ارتفاع صوته، والذي لا يملك حجة لا تنقذه المزايدة، والذي لا يعرف قيمة المقعد الذي يجلس عليه لا يستحق أن يحوّل القبة إلى مسرح لشخصه.

 

فالبرلمان ليس مكانًا لمن يريد أن يسمع الناس صوته؛ البرلمان مكان لمن يريد أن يحمل صوت الناس.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :