تاريخ النشر - 17-08-2026 09:14 PM عدد المشاهدات 35 | عدد التعليقات 0
جلالة الملك يجوب العالم لجذب الاستثمار .. ومدير المدن الصناعية لا يستخدم واتساب

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون المحلية
في الوقت الذي يخوض فيه الأردن معركة حقيقية لجذب الاستثمارات واستقطاب رؤوس الأموال، وتتحرك الدولة بكل أدواتها لتسويق المملكة كبيئة استثمارية جاذبة، تبرز ممارسات داخل بعض المؤسسات تطرح علامات استفهام كبيرة حول مدى انسجام الأداء الإداري مع متطلبات المرحلة الاقتصادية التي يعيشها الأردن.
فقد أثار استغراب عدد من رجال الأعمال والمستثمرين ما يتردد حول عدم استخدام المدير العام لشركة المدن الصناعية الأردنية لتطبيق "واتساب"، الأمر الذي يطرح سؤالًا أكبر من مجرد استخدام تطبيق على الهاتف: كيف يمكن لمدير عام مؤسسة تتولى مسؤولية إدارة مدن صناعية واستقطاب الاستثمارات والتعامل مع رجال الأعمال أن تضمن سرعة التواصل والاستجابة في عصر أصبحت فيه التكنولوجيا جزءًا أساسيًا من أدوات العمل والاستثمار؟، وهو يقول ليس لديه واتساب للتواصل.
المسألة هنا ليست في تطبيق "واتساب" بحد ذاته، فهناك عشرات وسائل الاتصال الحديثة، وإنما في فلسفة التواصل مع المستثمر، المستثمر اليوم لا ينتظر أيامًا للحصول على إجابة، ولا يستطيع أن يتعامل مع عقلية "راجعنا غدًا"، ولا يملك رفاهية البحث طويلًا عن مسؤول يمكنه حل مشكلة أو اتخاذ قرار.
شركة المدن الصناعية الأردنية ليست مؤسسة صغيرة أو هامشية؛ فهي واحدة من أهم المؤسسات المرتبطة بالاستثمار الصناعي في المملكة، وتدير مدنًا صناعية تضم مئات الشركات واستثمارات بمليارات الدنانير، ما يجعل طبيعة الإدارة فيها مرتبطة بصورة مباشرة بمناخ الاستثمار وثقة المستثمرين.
والأخطر أن الحديث عن ضعف التواصل يأتي في وقت تتحدث فيه الدولة بكل وضوح عن التحديث الاقتصادي، والتحول الرقمي، وتسهيل ممارسة الأعمال، وتحسين تجربة المستثمر، وتسريع الإجراءات، وجذب الاستثمارات النوعية، فكيف يمكن أن نطلب من المستثمر الأجنبي أن يتعامل مع الأردن بعقلية 2026، بينما يشعر بعض المستثمرين بأنهم ما يزالون يتعاملون مع أدوات وآليات تنتمي إلى سنوات مضت؟
القضية لا تتوقف عند وسائل الاتصال، إذ أثار قرار بتكليف موظف يعمل في مجال العلاقات العامة بمنصب مدير لمدينة السلط الصناعية تساؤلات أخرى حول معايير اختيار القيادات التي تتولى إدارة المدن الصناعية.
وهنا لا يتعلق الأمر بشخص الموظف، ولا بتقليل من شأن خبرته أو كفاءته، وإنما بالسؤال المؤسسي البسيط: ما الخبرات والمؤهلات التي يجب أن تتوافر في الشخص الذي يتولى إدارة مدينة صناعية تضم استثمارات وشركات ومصانع ومستثمرين؟
فمدير المدينة الصناعية ليس مجرد مدير إداري، بل هو مسؤول يتعامل يوميًا مع المستثمرين، والملفات الصناعية، والبنية التحتية، والخدمات، وحل المشكلات، ومتابعة المشاريع، واستقطاب استثمارات جديدة، والتنسيق مع الجهات الرسمية المختلفة، وبالتالي فإن اختيار هذا الموقع يحتاج إلى معايير واضحة ترتبط بطبيعة المسؤولية وحجمها.
هذه الأسئلة لا تستهدف أشخاصًا، وإنما تستهدف الأداء المؤسسي، لأن المال المستثمر لا يعرف المجاملات ولا العلاقات، وإنما يعرف الكفاءة والسرعة والقدرة على حل المشكلات.
المستثمر الذي يضع ملايين الدنانير في مشروع داخل الأردن يريد أن يعرف من المسؤول عنه، وكيف يصل إليه، وكم يستغرق حل مشكلته، وهل يجد أمامه إدارة تفهم طبيعة الاستثمار وتتعامل معه كشريك حقيقي.
وهنا يجب أن ندرك أن الاستثمار لا يخسره الأردن دائمًا بسبب قانون أو ضريبة أو سعر أرض، أحيانًا يخسره بسبب تفاصيل تبدو صغيرة داخل المؤسسة، لكنها كبيرة جدًا في عين المستثمر: اتصال لم تتم الإجابة عليه، معاملة تأخرت، مسؤول يصعب الوصول إليه، موظف لا يملك صلاحية اتخاذ القرار، أو إدارة لا تتعامل بالسرعة التي يتطلبها الاستثمار.
المفارقة أن جلالة الملك عبدالله الثاني يبذل جهودًا كبيرة في الداخل والخارج لتسويق الأردن، ويلتقي القادة والمستثمرين ورجال الأعمال، ويعمل على فتح الأسواق واستقطاب رؤوس الأموال، فيما تبذل الحكومة ووزارة الاستثمار جهودًا كبيرة لتحسين البيئة الاستثمارية والترويج للأردن.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: إذا بذل جلالة الملك والحكومة كل هذا الجهد لإحضار المستثمر إلى الأردن، فهل نحن جاهزون عندما يصل المستثمر إلى أبواب مؤسساتنا؟
هل يجد مديرًا يستطيع الوصول إليه؟ هل يجد قنوات اتصال سريعة؟ هل يجد إدارة تفهم لغته الاستثمارية؟ هل يجد مسؤولًا قادرًا على حل المشكلة بدلًا من إحالتها من مكتب إلى آخر؟
هذه ليست أسئلة ترفية، وليست حملة على شخص أو مؤسسة، بل هي صميم عملية جذب الاستثمار.
فالأردن لا يحتاج فقط إلى حملات ترويجية تقول للمستثمر "استثمر في الأردن"، وإنما يحتاج إلى أن تكون التجربة التي يعيشها المستثمر بعد دخوله الأردن متطابقة مع الصورة التي تم تسويقها له.
لا يمكن أن نتحدث عن التحول الرقمي، ثم تكون وسائل التواصل مع المستثمر محل استغراب. ولا يمكن أن نتحدث عن التحديث الاقتصادي، ثم لا تكون الكفاءة والتخصص معيارًا واضحًا في المواقع التي تتعامل مباشرة مع المستثمرين.
والأهم من ذلك أن شركة المدن الصناعية الأردنية يفترض أن تكون واحدة من أكثر المؤسسات سرعة ومرونة في التعامل مع المستثمر، لأنها ببساطة تتعامل مع من وضع أمواله في الاقتصاد الأردني، وتتحمل مسؤولية توفير بيئة مناسبة لاستمرار هذه الاستثمارات وتوسعها.
لذلك فإن المطلوب ليس بيانات دفاعية ولا ردودًا شخصية، وإنما إجابات مؤسسية واضحة: ما هي قنوات التواصل المتاحة للمستثمرين مع الإدارة العليا؟ وما هي معايير اختيار مديري المدن الصناعية؟ وما هي الخبرات المطلوبة لهذه المواقع؟ وكيف تقيس الشركة مستوى رضا المستثمرين عن سرعة الاستجابة وحل المشكلات؟
الأردن اليوم أمام مرحلة اقتصادية لا تحتمل التناقض بين الخطاب والممارسة. فالعالم يتنافس على المستثمر، والدول تسهّل الإجراءات وتفتح قنوات التواصل على مدار الساعة، والمستثمر لديه عشرات الخيارات قبل أن يقرر أين يضع أمواله.
المستثمر قد يأتي إلى الأردن بسبب فرصة، لكنه يبقى بسبب الإدارة.. وقد يغادر بسببها أيضًا.
ولهذا، فإن مراجعة أدوات التواصل ومعايير اختيار القيادات داخل المؤسسات الاستثمارية ليست ترفًا إداريًا، بل جزء من معركة الأردن الحقيقية لجذب الاستثمار وحماية الاستثمارات القائمة.
فإذا كان جلالة الملك يسافر إلى الخارج بحثًا عن المستثمر، فمن واجب كل مسؤول في الداخل أن يكون مستعدًا لاستقبال هذا المستثمر والتواصل معه وخدمته بالسرعة والكفاءة التي تليق بالأردن.
لا نريد أن نبحث عن المستثمر في الخارج، ثم نجعله يبحث في الداخل عمن يرد عليه.