تاريخ النشر - 17-08-2026 10:31 AM عدد المشاهدات 28 | عدد التعليقات 0
نقابة المحامين أمام اختبار الشفافية .. من المسؤول عن كتاب 30 تموز الخاص بأبناء الأردنيات

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون المحلية
في تطور جديد يعيد ملف انتساب أبناء الأردنيات إلى نقابة المحامين الأردنيين إلى واجهة النقاش القانوني والحقوقي، أصدرت نقابة المحامين بيانًا توضيحيًا بشأن الكتاب الصادر بتاريخ 30/7/2026، والذي أثار خلال الأيام الماضية جدلًا واسعًا بعد تداوله باعتباره فتح الباب أمام أبناء الأردنيات للانتساب إلى النقابة والالتحاق بمعهد تدريب المحامين بعد اجتياز امتحان القبول.
لكن البيان الجديد الذي جاء تحت عنوان "بيان وتوضيح" لم يُنهِ الجدل، بل نقل القضية إلى مستوى أكثر تعقيدًا، بعدما أعاد تعريف طبيعة الكتاب الأول، وبيّن أن قبول أبناء الأردنيات لا يعني حقًا مطلقًا بالانتساب، وإنما يخضع لجملة من الشروط القانونية، إضافة إلى سلطة مجلس النقابة في النظر بكل طلب على حدة.
واللافت في البيان أن النقابة نفسها أشارت صراحة إلى أن كتاب 30/7/2026 كان موقعًا من نائب النقيب، وليس قرارًا صادرًا عن مجلس النقابة، في الوقت الذي تؤكد فيه أن المادة 93 من قانون نقابة المحامين تجعل النظر في طلبات تسجيل المحامين واتخاذ قرارات قبولها أو رفضها من اختصاص مجلس النقابة.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.
الكتاب المؤرخ في 30/7/2026 تضمن، بحسب بيان النقابة، أن النقابة تسمح لأبناء الأردنيات بالانتساب لها والالتحاق بمعهد تدريب المحامين بعد اجتياز امتحان القبول.
هذه الصياغة، بصورتها المباشرة، أعطت انطباعًا بأن أبناء الأردنيات أصبح بإمكانهم التقدم للانتساب والتدريب متى اجتازوا امتحان القبول.
لكن بيان 16 آب جاء ليضع مسافة واضحة بين هذا الفهم وبين موقف مجلس النقابة.
فالنقابة تقول إن المسألة ليست حقًا مطلقًا، وإن طالب التسجيل من أبناء الأردنيات، إذا كان يحمل جنسية إحدى الدول العربية، يخضع لشروط محددة تتعلق بمدة حمل الجنسية، والمعاملة بالمثل، والإقامة في الأردن، فضلًا عن الشروط الأخرى الواردة في التشريعات ذات الصلة.
وهذا يعني عمليًا أن عبارة «السماح لأبناء الأردنيات بالانتساب» التي وردت في الكتاب الأول لم تعد كافية وحدها لفهم موقف النقابة، وأن الطريق الذي بدا مفتوحًا في 30 تموز أصبح في بيان 16 آب طريقًا مشروطًا بعدة بوابات قانونية.
وربما تكون النقطة الأكثر حساسية في الملف كله هي السؤال المتعلق بمن أصدر الكتاب الأول.
فالنقابة نفسها، في بيانها الأخير، تصف الكتاب بأنه صادر عن نائب النقيب، وتؤكد أن مجلس النقابة هو صاحب الاختصاص في النظر في طلبات التسجيل واتخاذ القرار بشأنها.
ومن هنا تبرز أسئلة مشروعة لا يمكن تجاوزها: هل كان كتاب 30 تموز مجرد كتاب توضيحي لا ينشئ مركزًا قانونيًا جديدًا؟ أم أنه تضمن قرارًا فعليًا بالسماح بالانتساب؟ وإذا كان يحمل مضمونًا يتصل بالانتساب والتسجيل، فلماذا صدر بتوقيع نائب النقيب بدلًا من قرار واضح صادر عن مجلس النقابة؟ وهل ناقش مجلس النقابة مضمون الكتاب قبل صدوره؟ وهل يوجد قرار أو محضر جلسة يؤيد ما ورد فيه؟
هذه ليست أسئلة سياسية، ولا تستهدف شخصًا بعينه، وإنما هي أسئلة إدارية وقانونية تفرضها طبيعة الموضوع نفسه، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بفتح أو إغلاق باب الانتساب إلى مهنة منظمة بقانون.
البيان الجديد يضع شروطًا واضحة أمام طالب التسجيل من أبناء الأردنيات ممن يحمل جنسية عربية، ومن أبرز ما أورده أن يكون حاملًا للجنسية العربية منذ مدة لا تقل عن عشر سنوات، وأن تكون دولته تعامل المحامي الأردني بالمثل، إضافة إلى شرط الإقامة الفعلية والدائمة في الأردن، وفق التفصيل الوارد في البيان.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين خطابين: كتاب 30 تموز تحدث عن السماح بالانتساب بعد اجتياز امتحان القبول، أما بيان 16 آب فتحدث عن شروط جنسية وإقامة ومعاملة بالمثل، ثم أضاف أن توافر بعض هذه الشروط لا يعني بالضرورة قبول الطلب.
وهذا التحول في الصياغة يستحق التوقف أمامه.
والأكثر إثارة في بيان النقابة أن توافر الشروط لا يعني، بحسب ما ورد فيه، القبول تلقائيًا.
فالبيان يشير إلى أن مجرد توافر شرط الجنسية العربية وشرط المعاملة بالمثل «ليست هي الشروط الوحيدة»، وأن مصلحة النقابة العليا تبرز بما يقتضي أن يمارس مجلس النقابة سلطته التقديرية في قبول أو رفض الطلبات.
وهنا ينتقل الملف من سؤال هل يستوفي الشخص شروط الانتساب؟ إلى سؤال آخر أكثر أهمية: حتى إذا استوفى الشروط، هل يملك مجلس النقابة سلطة تقديرية لرفض طلبه.
وهذا تحديدًا هو الجزء الذي يحتاج إلى أكبر قدر من الوضوح، لأن طالب الانتساب بحاجة إلى معرفة القاعدة التي سيُبنى عليها القرار، وليس فقط معرفة أن هناك سلطة تقديرية يمكن أن تنتهي إلى القبول أو الرفض.
فإذا كانت الشروط محددة في القانون والأنظمة، فما حدود السلطة التقديرية؟ وما معايير ممارستها؟ وهل ستكون موحدة على جميع المتقدمين؟ وهل يحق لطالب استوفى الشروط القانونية أن يعرف أسباب رفض طلبه إذا صدر الرفض؟
البيان يكشف كذلك رقمًا لافتًا عندما يشير إلى أن عدد أبناء الأردنيات الذين تم قبولهم ممن تنطبق عليهم شروط الجنسية العربية والمعاملة بالمثل بلغ منذ أيلول 2022 نحو 22 محاميًا متدربًا.
والنقابة تقدم هذا الرقم باعتباره دليلًا على أن التعامل مع هذه الفئة ليس جديدًا، وأن قبول بعض أبناء الأردنيات كان قائمًا قبل كتاب 30 تموز.
لكن الرقم ذاته يفتح سؤالًا آخر: إذا كان أبناء الأردنيات يتقدمون منذ سنوات، فما هو الأساس الذي كانت النقابة تطبق من خلاله شروط الانتساب عليهم؟ وهل كانت الطلبات تدرس حالة بحالة؟ وما هي معايير القبول والرفض؟ وهل كان مجلس النقابة يصدر قرارات واضحة في كل حالة؟
وإذا كان الأمر مستقرًا منذ عام 2022، فما الذي استدعى إصدار كتاب 30 تموز 2026 بصياغة بدت وكأنها تعلن فتح الباب أمام أبناء الأردنيات بصورة عامة؟
والبيان لا يكتفي بالنصوص القانونية، بل يستند كذلك إلى قرار للمحكمة الإدارية العليا، ويشير إلى أنها أيدت قرار مجلس النقابة برفض طلب انتساب، معتبرًا أن توافر شروط الجنسية العربية والمعاملة بالمثل لا يعني وحده إلزام النقابة بالقبول.
وهذه النقطة مهمة؛ لأنها تعني أن النقابة لا تقدم موقفها الحالي باعتباره اجتهادًا جديدًا بالكامل، وإنما تحاول ربطه بممارسة سابقة وباجتهاد قضائي أشارت إليه في بيانها.
لكن ذلك لا يلغي السؤال الأساسي المتعلق بكتاب 30 تموز: إذا كانت هذه هي القاعدة التي تتمسك بها النقابة، فلماذا جاءت صياغة الكتاب الأول مختلفة في مضمونها وانطباعها العام؟
هنا تحديدًا تتطلب المسألة كشفًا كاملًا للتسلسل الإداري: من طلب إصدار الكتاب؟ من صاغه؟ هل عُرض على مجلس النقابة؟ هل صدر قرار سابق عليه؟ وما حدود التفويض الذي استند إليه توقيع نائب النقيب؟
القضية في جوهرها أكبر من مجرد قبول أو رفض فئة من المتقدمين، لأنها تتعلق بمبدأ بسيط: عندما يصدر عن جهة نقابية كتاب رسمي يتصل بمركز قانوني لفئة من المواطنين، يجب أن يكون واضحًا من أصدر القرار، وما السند القانوني الذي استند إليه، وما حدود تطبيقه.
والنقابة، باعتبارها مؤسسة مهنية لها قانونها ومجلسها وصلاحياتها، مطالبة بأن تكون هذه الحدود واضحة تمامًا، لا أن يبقى المتقدمون أمام كتاب يقول شيئًا ثم أمام بيان لاحق يضع له شروطًا وتفسيرات إضافية.
فالمشكلة ليست في أن تكون هناك شروط قانونية؛ فالشروط حق قانوني عندما تكون مستندة إلى نص نافذ.
المشكلة تبدأ عندما لا تكون الصورة واضحة أمام المواطن: هل هو أمام حق قانوني؟ أم أمام إمكانية للقبول؟ أم أمام طلب يخضع لتقدير المجلس؟ أم أمام استثناء مشروط؟
وما حدث خلال الأسابيع الماضية يجعل كتاب 30 تموز أكثر من مجرد مراسلة إدارية، فالكتاب فتح بابًا واسعًا من التساؤلات، ثم جاء بيان 16 آب ليعيد رسم حدود ذلك الباب.
وبدل أن ينتهي الجدل بالبيان، أصبح أمام مجلس النقابة الآن ملف يحتاج إلى إجابات واضحة: من صاحب القرار في كتاب 30/7؟ هل صدر قرار عن مجلس النقابة قبل الكتاب أو بعده؟ ما السند القانوني الذي استند إليه توقيع نائب النقيب؟ لماذا بدت صياغة الكتاب وكأنها تمنح أبناء الأردنيات حق الانتساب بعد اجتياز امتحان القبول، بينما يؤكد البيان اللاحق أن القبول ليس حقًا مطلقًا؟ وما المعايير التي سيطبقها مجلس النقابة عند ممارسة سلطته التقديرية؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى سجال، بل إلى محضر اجتماع وقرار واضح ونص قانوني صريح.
وفي النهاية، فإن قوة أي مؤسسة مهنية لا تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرار، وإنما بقدرتها على شرح القرار، وتحديد سنده، وتوحيد معاييره، وضمان أن يعرف كل متقدم أين تبدأ حقوقه وأين تنتهي سلطة الجهة التي تنظر في طلبه.
أما أبناء الأردنيات، فلا يحتاجون إلى بيانات متضاربة في الانطباع؛ هم بحاجة إلى قاعدة قانونية واضحة، معلنة، قابلة للتطبيق على الجميع دون استثناء.
فالملف اليوم لم يعد سؤالًا عن «من يدخل نقابة المحامين» فقط، بل أصبح سؤالًا عن كيف يُتخذ القرار داخل النقابة، ومن يملك حق اتخاذه، وبأي معيار يُطبق على المواطنين.