كتب محرر الشؤون المحلية
لم تعد أزمة أعداد خريجي الطب في الأردن مجرد قضية أكاديمية تخص الطلبة وأولياء أمورهم، ولا مشكلة يمكن اختصارها بنصيحة للناجحين في الثانوية العامة بأن يفكروا جيدًا قبل اختيار تخصص الطب؛ فالأرقام التي تكشف عنها نقابة الأطباء الأردنية تفتح بابًا أوسع بكثير، وتضع سؤال المسؤولية أمام الجهات الرسمية التي كان يفترض أن تقرأ هذه المؤشرات قبل سنوات، لا بعد أن تحولت إلى أزمة تتسع عامًا بعد آخر.
عضو مجلس نقابة الأطباء الأردنية الدكتور محمد حسن الطراونة، قال ان عدد الطلبة الذين يدرسون الطب حاليًا يبلغ نحو 23 ألف طالب داخل المملكة، إضافة إلى نحو 20 ألفًا يدرسون الطب خارجها، ليصل الإجمالي إلى نحو 43 ألف طالب طب.
وأشار إلى أن هذا الرقم يعادل نحو 87 بالمئة من إجمالي الأطباء المسجلين في النقابة منذ تأسيسها، والبالغ عددهم 49355 طبيبًا وطبيبة.
الأرقام هنا ليست مجرد إحصائية عابرة، بل جرس إنذار حقيقي، لأن السؤال لم يعد: كم طالبًا سيدخل كلية الطب؟ وإنما أصبح: أين سيذهب كل هؤلاء بعد التخرج؟ ومن سيوفر لهم فرص التدريب والتخصص والعمل؟
المشكلة تظهر بصورة أكثر وضوحًا عند الانتقال من مقاعد الدراسة إلى مرحلة ما بعد التخرج. ففي عام 2025 تخرج 4454 طبيبًا جديدًا، مقابل توفر 1040 مقعد إقامة فقط، ما يعني وجود فارق يبلغ 3414 طبيبًا سنويًا لا يجدون مقاعد تدريب اختصاص محلية.
وبمعنى أكثر وضوحًا، فإن آلاف الأطباء الذين أمضوا سنوات طويلة في دراسة الطب، وتحملت أسرهم تكاليف مالية كبيرة، يجدون أنفسهم بعد التخرج أمام طابور انتظار طويل للحصول على فرصة الاختصاص.
وإذا استمر الفارق بالمعدلات الحالية، فإن الأرقام التي يطرحها الطراونة تشير إلى إمكانية تراكم نحو 17070 طبيبًا بلا اختصاص خلال خمس سنوات، ونحو 34040 طبيبًا خلال عشر سنوات، بالتزامن مع توقع ارتفاع إجمالي عدد الأطباء المسجلين إلى قرابة 74 ألف طبيب بحلول عام 2031، ونحو 99 ألف طبيب بحلول عام 2036.
وهنا تصبح المسألة أكبر من قدرة طالب على اختيار تخصصه، وتتحول إلى قضية تخطيط وطني ومسؤولية مؤسساتية.
السؤال الصعب: من كان يخطط؟
إذا كانت الدولة تعرف أعداد الطلبة المقبولين في كليات الطب، وتعرف أعداد الجامعات والكليات التي تدرس الطب، وتعرف أعداد الطلبة الأردنيين الذين يدرسون الطب خارج المملكة، وتعرف الطاقة الاستيعابية للمستشفيات وبرامج الإقامة، وتعرف أعداد الخريجين المتوقع دخولهم سوق العمل سنويًا، فمن الطبيعي أن يطرح المواطن سؤالًا مشروعًا: كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟
ومن المسؤول عن مواءمة أعداد الطلبة المقبولين في كليات الطب مع قدرة النظام الصحي على استيعاب الخريجين وتدريبهم؟
هل كانت أعداد المقبولين مرتبطة بدراسة حقيقية لسوق العمل؟ وهل كانت الطاقة الاستيعابية لبرامج الإقامة والتخصص جزءًا من معادلة تحديد أعداد القبول؟
فالطالب لا يتخرج من كلية الطب خلال أشهر، وإنما يحتاج إلى سنوات طويلة من الدراسة، ما يعني أن الزيادة في أعداد الطلبة يمكن توقعها مسبقًا، وبالتالي كان بالإمكان بناء نماذج واضحة تحدد حجم الطلب على الأطباء وعدد الخريجين المتوقعين والطاقة المطلوبة للتدريب والتخصص.
أين كانت وزارة التعليم العالي؟
السؤال الأول يتوجه إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والجهات المسؤولة عن سياسات القبول والاعتماد والتخطيط للتخصصات الجامعية.
هل كانت أعداد المقبولين في الطب مرتبطة بدراسة حقيقية لسوق العمل؟
وهل كانت الطاقة الاستيعابية لبرامج الإقامة والتخصص جزءًا من معادلة تحديد أعداد القبول؟
وإذا كانت الجامعات تخرّج آلاف الأطباء سنويًا، فمن المفترض أن تكون هناك إجابة واضحة مسبقًا عن السؤال: كم طبيبًا يحتاج الأردن؟
فالجامعة ليست مصنع شهادات، والتخصصات الطبية تحديدًا لا يمكن التعامل معها بمنطق العرض والطلب الجامعي فقط؛ لأن الطبيب يحتاج بعد سنوات الدراسة إلى تدريب سريري وفرصة اختصاص، وهذه الفرص ليست مفتوحة بلا حدود.
وأين كانت وزارة التربية والتعليم؟
أما وزارة التربية والتعليم، فالمسؤولية هنا مختلفة لكنها لا تقل أهمية من زاوية الإرشاد والتوجيه المهني.
فالطالب الذي ينهي الثانوية العامة لا يدخل الجامعة في فراغ. أمامه منظومة يفترض أن تساعده على اتخاذ القرار، وأن تقدم له معلومات حقيقية عن التخصصات، والطلب على المهن، وفرص العمل، ومستقبل كل مسار أكاديمي.
لم يعد مقبولًا أن يبقى مفهوم النجاح في الثانوية العامة مرتبطًا تلقائيًا بفكرة أن صاحب المعدل المرتفع يجب أن يذهب إلى الطب.
فالطالب يحتاج إلى معرفة الحقيقة كاملة: سنوات دراسة طويلة، وتكاليف مرتفعة، ومنافسة شديدة، ومقاعد إقامة محدودة، وسوق عمل محلي له قدرة استيعابية محدودة.
إذا كانت هذه المعلومات متوافرة لدى الجهات الرسمية، فمن حق الطلبة وأولياء أمورهم أن تصلهم بوضوح وفي الوقت المناسب، لا أن يسمعوها بعد سنوات من دخولهم كلية الطب.
المشكلة ليست في الطب.. المشكلة في غياب التخطيط
ومن المهم هنا عدم تحويل القضية إلى حملة ضد دراسة الطب.
الطب تخصص عظيم، والأردن يمتلك سمعة طبية وتعليمية مهمة، والأطباء الأردنيون أثبتوا حضورهم في الداخل والخارج.
لكن الدفاع عن الطب لا يعني تجاهل أزمة التخطيط.
المشكلة ليست أن الأردنيين يحبون دراسة الطب، وليست أن الطالب صاحب المعدل المرتفع يختار الطب، وإنما المشكلة في أن أعداد الملتحقين بالتخصص يجب أن تكون جزءًا من منظومة تخطيط وطنية متكاملة تبدأ من الثانوية العامة، مرورًا بالقبول الجامعي، وتنتهي بالتخرج والتدريب والاختصاص وسوق العمل.
وإلا فإننا سنجد أنفسنا بعد سنوات أمام عشرات الآلاف من الأطباء، بينما لا تتوسع القدرة على تدريبهم بالوتيرة نفسها.
من يتحمل المسؤولية؟
المسؤولية هنا ليست بالضرورة مسؤولية وزارة واحدة أو جهة واحدة، وإنما مسؤولية منظومة كاملة تضم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، ووزارة التربية والتعليم، وهيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي وضمان جودتها، والجامعات، ووزارة الصحة، والجهات الطبية والنقابية ذات العلاقة.
كل جهة مطالبة بالإجابة عن الجزء الذي يخصها.
فالجامعات مسؤولة عن أعداد القبول والطاقة التعليمية وجودة المخرجات.
والتعليم العالي مسؤول عن سياسات القبول والتخطيط والمواءمة بين مخرجات التعليم وحاجات السوق.
والتربية والتعليم مسؤولة عن الإرشاد والتوجيه المهني وإيصال الصورة الحقيقية للطلبة قبل اتخاذ القرار.
والقطاع الصحي مسؤول عن التخطيط للاحتياجات الطبية والطاقة التدريبية والاستيعابية.
والنقابة، من جهتها، تملك الأرقام والخبرة المهنية، ومن واجبها الاستمرار في وضع هذه الحقائق أمام صانع القرار والمجتمع.
لا نريد اكتشاف الأزمة بعد أن يتخرج الجميع
الأخطر في القضية أن الـ43 ألف طالب طب الموجودين اليوم ليسوا رقمًا نظريًا؛ إنهم طلبة حقيقيون، وعائلات دفعت أموالًا، وشباب أمضوا سنوات من أعمارهم في الدراسة، وسيصلون تباعًا إلى سوق العمل.
وهؤلاء لا يمكن أن تكون الإجابة لهم بعد التخرج: لم نكن نعرف أن الأعداد كبيرة إلى هذا الحد.
المطلوب اليوم ليس تخويف الطلبة من دراسة الطب، وإنما وضع خريطة وطنية واضحة للتخصصات الطبية، تتضمن أعداد الطلبة، وأعداد الخريجين المتوقعة، ومقاعد الإقامة المتاحة، والاحتياجات الفعلية للقطاع الصحي، والفرص المتاحة محليًا وخارجيًا.
كما أن المطلوب مراجعة سياسات القبول في ضوء الأرقام، والتوسع المدروس في برامج الإقامة حيثما توجد حاجة حقيقية، وربط مخرجات التعليم الطبي بالتخطيط الصحي الوطني.
جرس إنذار.. وليس مجرد تصريح
الأرقام التي طرحتها نقابة الأطباء يجب ألا تنتهي عند حدود التصريحات الصحفية.
فالـ43 ألف طالب طب يمثلون مستقبلًا كاملًا، وإذا لم تتم إدارة هذا الملف من الآن، فإن الفجوة بين أعداد الخريجين وفرص التدريب والعمل ستكبر، وسيكون ثمن التأخر في التخطيط أكبر بكثير.
المطلوب اليوم أن تتحول هذه الأرقام إلى قرار وسياسة وخطة زمنية واضحة.
أما ترك الأمور تسير وفق قاعدة "كل عام يأتي خريجون جدد، وسنتعامل مع المشكلة عندما يصلون"، فهو ليس تخطيطًا، بل ترحيل للأزمة.
والسؤال الذي يجب أن يكون على طاولة الجهات المعنية اليوم ليس فقط: كم طبيبًا سيتخرج؟
بل السؤال الأهم: كم طبيبًا يحتاج الأردن؟ وكم طبيبًا يستطيع تدريبه؟ وكم طبيبًا يستطيع تشغيله؟ ومنذ متى كانت الدولة تعرف أن الفجوة تتسع ولماذا لم تتحرك بالسرعة الكافية؟
فالطلبة يحتاجون إلى مستقبل واضح، لا إلى نصيحة بعد فوات الأوان.
|
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه. |
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |
ما حقيقة تعديلات المكافآت والحوافز لموظفي القطاع العام؟
الرئيس الأميركي يعلن الموعد المتوقع لانتهاء حربه مع إيران
ساطور و35 غرزة .. طفل في إربد ضحية لعصابة MG
تفاصيل عملية احتيال بـ18 ألف دينار في إربد
الفايز: الأردن لا يتهاون في محاربة غسل الأموال وتمويل الإرهاب
الأمن يتعامل مع 142 قضية كريستال وضبط 222 شخصا خلال أسبوع