-

مانشيت

تاريخ النشر - 18-07-2026 08:41 AM     عدد المشاهدات 7    | عدد التعليقات 0

المياه الافتراضية .. مورد خفي يعيد تشكيل معادلة الأمن المائي في الأردن

الهاشمية نيوز - في معادلة الأمن المائي الأردني، لم تعد كل قطرة مياه تصل عبر الأنهار أو الآبار، بل بات جزء كبير منها يصل على متن السفن والشاحنات محمّلا بالسلع المستوردة. هذه الحقيقة تعيد تعريف العلاقة بين التجارة الدولية وإدارة الموارد المائية، وتضع مفهوم "المياه الافتراضية" في قلب النقاش حول مستقبل السياسات المائية والغذائية الوطنية.


تكشف قراءة مفهوم "المياه الافتراضية" عن تحول عميق في فهم الأمن المائي، إذ لم يعد يُقاس فقط بما تمتلكه الدول من موارد مائية داخل حدودها، وإنما أيضا بقدرتها على إدارة المياه غير المرئية التي تستوردها أو تصدرها عبر التجارة الدولية. وفي حالة الأردن، الذي يعد من أكثر دول العالم شحا بالمياه، تبرز هذه المعادلة بوصفها فرصة لتعزيز الأمن المائي من جهة، وتحديا يفرض إعادة صياغة السياسات المائية والغذائية من جهة أخرى.
ووفق تحليلات خبراء في قطاع المياه، أكدوا لـ"الغد" أن المياه الافتراضية ليست مجرد كميات مياه كامنة في سلع متداولة، بل أداة استراتيجية لإعادة توزيع الموارد المائية عالميا، ما يفرض على الأردن توجيه موارده المحدودة نحو الاستخدامات ذات الأولوية، وفي مقدمتها مياه الشرب، مع تجنب استنزافها بإنتاج سلع كثيفة الاستهلاك للمياه يمكن استيرادها بكفاءة أعلى من دول تتمتع بوفرة مائية.
وتنسجم هذه الرؤية مع ما خلص إليه تقرير مجموعة البنك الدولي "الجفاف القاري: خطر يهدد مستقبلنا المشترك"، والذي حصلت "الغد" على نسخة منه، إذ يؤكد أن التجارة الدولية أصبحت وسيلة لنقل نحو 500 مليار متر مكعب من المياه الافتراضية سنويا، بما يحقق توازنا بين الدول الغنية والفقيرة مائيا، ويخفض الضغوط على الموارد الطبيعية عندما توجه الأنشطة الزراعية كثيفة الاستهلاك للمياه إلى المناطق الأكثر وفرة بها.
لكن هذه المعادلة، بحسب مؤشرات الخبراء، لا يمكن أن تُبنى على الاعتبارات الاقتصادية وحدها، إذ تبقى رهينة الاعتبارات السياسية والأمنية. وأشاروا إلى أن المياه الافتراضية لم تعد خيارا تجاريا فحسب، بل أصبحت من مكونات الأمن الوطني، إذ يتوقف نجاحها على قدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين استدامة الموارد المائية، وضمان الأمن الغذائي، وتعزيز مرونة الاقتصاد في مواجهة الأزمات، بما يحول التجارة الدولية من مصدر محتمل للمخاطر إلى أداة داعمة لاستدامة الأمن المائي محليا.
أولويات إدارة الموارد المائية
وفي قراءة لمفهوم المياه الافتراضية وانعكاساته على الأمن المائي الوطني، أكد الخبير د. دريد محاسنة أن القضية تتجاوز التجارة الدولية إلى كيفية رسم أولويات إدارة الموارد المائية، فمفهوم "المياه الافتراضية" لا يقتصر على التجارة الدولية أو تبادل السلع، بل يرتبط بالافتراضات والسياسات التي تحكم إدارة الموارد المائية وتوزيعها بين القطاعات، ما يجعله عنصرا أساسيا في رسم أولويات التنمية وتحقيق الأمن المائي.
وقال محاسنة إن أولى هذه الافتراضات تتمثل بتحديد أولوية استخدام المياه، متسائلا عما إذا كانت تخصص للشرب أم للزراعة أم للأنشطة الاقتصادية وغيرها من الاستخدامات، مؤكدا ضرورة أن تكون الأولوية لمياه الشرب باعتبارها أساس استمرار الحياة. وأضاف أن تخصيص المياه للزراعة على حساب مياه الشرب يمثل افتراضا غير سليم، خصوصا عندما تصبح الاحتياجات الزراعية متقدمة على الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
وأوضح أن إدارة المياه من منظور اقتصادي تستوجب تحقيق توازن بين القطاعات، معتبرا أن تجاوز مياه الشرب حدودا معينة على حساب الاستخدامات الأخرى، أو العكس، يعكس خللا في رسم السياسات المائية، ويؤكد ضرورة إعادة تقييم أسس توزيع الموارد بما ينسجم مع الأولويات الوطنية وكفاءة استخدامها.
وأشار محاسنة إلى أن مفهوم المياه الافتراضية يرتبط أيضا بسياسات التجارة الخارجية، فاستيراد المنتجات كثيفة الاستهلاك للمياه قد يكون خيارا أكثر جدوى للدول الشحيحة مائيا كالأردن، مشددا على أن هذا الخيار يبقى مرهونا بالظروف السياسية واستقرار سلاسل التوريد، ومتسائلا عن جدوى الاعتماد على واردات المياه الافتراضية إذا كان المواطن يعاني في المقابل نقصا في مياه الشرب.
وبين أن هذه الاعتبارات تنعكس كذلك على سياسات البنية التحتية المائية، بما في ذلك تحديد عدد السدود المخصصة للزراعة مقارنة بالسدود التي تخدم مياه الشرب، معتبرا أن هذه الخيارات تعكس أولويات الدولة في إدارة مواردها المحدودة. وأكد أن البعد السياسي أحد أهم عناصر الأمن المائي، إذ أثبتت التجارب الأخيرة مخاطر الاعتماد على مصادر مياه خارجية.
وقال محاسنة إن الأردن لم يكن يتوقع في السابق أن يصبح معتمدا على مصادر مائية من سورية والكيان، لكن التطورات الإقليمية أظهرت هشاشة هذا الاعتماد، مشيرا إلى أن تدفقات المياه من سورية تأثرت خلال السنوات الماضية نتيجة سياسات النظام السابق، فيما برهنت الحرب على غزة أن المياه قد تستخدم أداة للضغط السياسي، بعدما أوقف الكيان إمدادات المياه عن القطاع، ما يفرض على الأردن أخذ هذا الاحتمال في الحسبان عند صياغة سياساته المائية والغذائية.
وشدد على أن نجاح أي دولة في إدارة المياه يبدأ من وضع افتراضات وسياسات تنطلق من مصلحة المواطن والأمن الوطني، بحيث تُبنى القرارات المتعلقة بالمياه والغذاء على أسس استراتيجية تضمن استدامة الموارد وتقليل مخاطر الارتهان للعوامل السياسية الخارجية.
كل سلعة لها بصمتها المائية
وفي قراءته لأثر المياه الافتراضية على الأمن المائي، أكد الخبير د. إلياس سلامة أن هذا المفهوم يمثل أحد المرتكزات الأساسية لإدارة الموارد المائية في الدول شحيحة المياه، موضحا أن المياه الافتراضية تعني كميات المياه المستخدمة في إنتاج السلع والمنتجات التي تتبادلها الدول عبر التجارة الدولية، بحيث تستورد الدولة المياه بصورة غير مباشرة عند استيرادها سلعا كالقمح أو غيره من المنتجات الزراعية والغذائية.
وقال سلامة إن كل سلعة تحمل في طياتها بصمتها المائية، لافتا إلى أن فنجان القهوة الواحد، كمثال، يتطلب نحو 140 لترا من المياه لإنتاجه، ما يعكس حجم المياه التي تنتقل بين الدول بشكل غير مباشر عبر التجارة. وأضاف أن هذا المفهوم يرتبط بصورة وثيقة بالأمن المائي والغذائي وحتى بالأمن الصناعي، بخاصة في دول تعاني محدودية مواردها المائية كالأردن، إذ لا يمكنها الاعتماد على مواردها المحلية لإنتاج احتياجاتها من السلع كثيفة الاستهلاك للمياه دون تحمل كلف مائية واقتصادية مرتفعة.
وأوضح أن الدول التي تتمتع بموارد مائية وفيرة، ولا سيما تلك التي تحظى بكميات كبيرة من الأمطار، تمتلك ميزة نسبية في إنتاج المحاصيل والمواد الغذائية، ما يجعل من المنطقي أن تتولى إنتاج نسبة كبيرة من هذه السلع وتصديرها إلى الدول الأكثر فقرا بالمياه، مبينا أن محاولة إنتاج هذه السلع محليا ستتطلب استهلاك كميات كبيرة من المياه بتكاليف مرتفعة، في حين يتيح استيرادها الحفاظ على الموارد المائية المحدودة وتوجيهها للاستخدامات ذات الأولوية.
وأكد سلامة أن التجارة الدولية أصبحت شكلا من أشكال تبادل المياه بين الدول، فتبادل البضائع يعني عمليا تبادل المياه التي استخدمت في إنتاجها، ما يجعل الاعتماد المتبادل بين الدول ضرورة لتحقيق الأمنين المائي والغذائي، لا سيما بالنسبة للأردن الذي لا يمتلك وفرة مائية تسمح له بإنتاج جميع احتياجاته محليا.
وشدد على أن نجاح هذا النهج يتطلب امتلاك قاعدة بيانات دقيقة حول استهلاك المياه في القطاعات الاقتصادية، بما يساعد صناع القرار على تحديد الأنشطة الأكثر استهلاكا للمياه، وتوجيه السياسات المائية والغذائية نحو الاستخدام الأكثر كفاءة للموارد، بما يعزز استدامة الأمن المائي.
تعزيز الأمن المائي
وفي تفسيره للمفهوم من منظور استراتيجي، أكد الخبير محمد إرشيد أن مفهوم "المياه الافتراضية" من الأدوات الاستراتيجية التي يمكنها تعزيز الأمن المائي محليا، في ظل محدودية الموارد المائية واعتماد المملكة على استيراد جزء كبير من احتياجاتها الغذائية، مشيرا إلى قيام هذا المفهوم على احتساب كمية المياه المستخدمة في إنتاج السلع، ولا سيما المنتجات الزراعية والصناعية، بما يتيح تقدير الأثر المائي لكل سلعة ودعم القرارات المتعلقة بإنتاجها أو استيرادها.
وقال إرشيد إن "معرفة محتوى المياه الافتراضية لأي منتج تعطي فكرة عن حجم المياه اللازمة لإنتاج السلع، ومن ثم تحديد السلع الأكثر تأثيرا على النظام المائي"، لافتا إلى أن هذا المفهوم يرتبط بما يعرف بـ"البصمة المائية" التي تمثل إجمالي حجم المياه اللازمة لإنتاج ما يستهلكه أفراد الدولة من سلع وخدمات. وأضاف أنه رغم صعوبة احتساب البصمة المائية بدقة جراء تعدد العوامل المؤثرة فيها، فإن التقديرات التقريبية تبقى أداة مهمة تساعد صناع القرار على ترشيد استهلاك المياه.
وأوضح أن تأثير المياه الافتراضية المرتبطة بالتجارة الدولية على الأمن المائي المحلي "كبير، ويعد من أهم الأدوات التي تساعد الدولة في مواجهة ندرة المياه"، مبينا أن استيراد المملكة كميات كبيرة من القمح والأرز والذرة والأعلاف يعني استيراد مياه استخدمت في إنتاج هذه السلع، ما يوفر على الأردن ملايين الأمتار المكعبة من المياه سنويا.
وأضاف إرشيد أن هذا المفهوم يتيح إعادة توجيه الموارد المائية المحلية نحو الاستخدامات ذات القيمة الاقتصادية الأعلى، كمياه الشرب والصناعة وبعض المحاصيل ذات القيمة المرتفعة، إلى جانب التقليل من زراعة المحاصيل ذات الاستهلاك المرتفع للمياه، ما يعزز كفاءة إدارة الموارد المائية ويحقق قيمة اقتصادية أفضل من كل متر مكعب من المياه.
وأشار إلى أهمية مفهوم المياه الافتراضية باعتباره أداة مهمة لدعم رسم السياسات الزراعية والتجارية، إذ يساعد صناع القرار على تقييم جدوى إنتاج السلع محليا أو استيرادها استنادا إلى حجم المياه المستهلكة والعائد الاقتصادي، بما يسهم في تبني سياسات أكثر كفاءة في إدارة المياه والقطاع الزراعي.
في المقابل، حذر إرشيد من أن الاعتماد على المياه الافتراضية لا يخلو من تحديات، موضحا أن "زيادة الاعتماد على الأسواق العالمية قد تعرض الأردن لتقلبات أسعار الغذاء والأزمات الدولية واضطرابات سلاسل الإمداد"، ما قد ينعكس على الأمن الغذائي في حال تعطلت حركة التجارة الدولية أو تراجعت القدرة على الاستيراد.
وشدد على أن التعامل مع المياه الافتراضية يتطلب نهجا متكاملا يربط بين السياسات المائية والزراعية والتجارية، عبر مواءمة الخطط الزراعية مع الموارد المائية المتاحة، وإدماج مفهوم المياه الافتراضية في السياسات التجارية، وتنويع مصادر استيراد الغذاء للحد من مخاطر انقطاع الإمدادات، إلى جانب تحسين إدارة الموارد المائية ورفع كفاءة استخدامها.
وأكد أن تحقيق التوازن بين الأمنين المائي والغذائي يستوجب الاستخدام الرشيد للمياه، وتطوير أساليب الزراعة، وحماية الموارد الطبيعية لضمان استدامتها للأجيال، مشيرا إلى أن اتخاذ قرارات سليمة في هذا المجال يتطلب الاعتماد على احتياجات السوق المحلية، ونتائج الإحصاءات الرسمية، واستراتيجيات المياه والزراعة والطاقة، لتحديد السلع التي ينبغي استيرادها وتلك التي يمكن إنتاجها محليا بكفاءة.
ودعا إرشيد إلى إعادة النظر في تصدير أنواع من الخضراوات والفواكه التي تستهلك كميات كبيرة من المياه، وتنظيم ذلك عبر سياسات وتشريعات تضمن الاستخراج الآمن للمياه وتحافظ على المخزون المائي، مشددا على أن "تبني مفهوم المياه الافتراضية خيار استراتيجي لحماية مستقبل الأردن المائي"، لإسهامه في ضمان استدامة الموارد المائية وتحقيق التوازن بين الأمنين المائي والغذائي، بما يدعم استدامة الإنتاج الزراعي على المدى الطويل.




تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :