-

كتابنا

تاريخ النشر - 23-12-2025 02:12 PM     عدد المشاهدات 1    | عدد التعليقات 0

نشاط السفير الأمريكي في الأردن: دبلوماسية عامة أم تجاوز للحدود

الهاشمية نيوز -
كتب المحامي زهير الرواشدة

يشهد المشهد العام الأردني في الآونة الأخيرة حضورًا لافتًا للسفير الأمريكي في عمّان، جيم هولستنايدر، عبر مشاركته المتكررة في مناسبات وطنية واجتماعية ورياضية، من استقبال وتكريم المنتخب الوطني لكرة القدم، إلى المشاركة في واجبات العزاء، وحضور مناسبات عامة لا يكاد يغيب عنها. هذا الحضور الكثيف يثير تساؤلات مشروعة حول طبيعته وحدوده، وما إذا كان يندرج ضمن الأعراف الدبلوماسية، أم يتجاوزها إلى مساحات حساسة تمسّ الوجدان الوطني والسيادة الرمزية للدولة.

من حيث المبدأ، لا يُعد تواصل السفراء مع المجتمع المضيف خروجًا على العمل الدبلوماسي، إذ بات ما يُعرف بـ«الدبلوماسية العامة» أداة معتمدة لدى الدول الكبرى، وخصوصًا الولايات المتحدة، للتأثير في الرأي العام وبناء النفوذ الناعم خارج القنوات الرسمية. غير أن الإشكالية لا تكمن في المبدأ بحد ذاته، بل في الكثافة والتوقيت والسياق السياسي الذي يأتي فيه هذا النشاط.

فالمشاركة في مناسبات ذات رمزية وطنية عالية، مثل المنتخب الوطني، لا يمكن فصلها عن دلالاتها السيادية. فالمنتخب ليس مجرد فريق رياضي، بل هو تعبير عن وحدة المجتمع والهوية الوطنية، وتكريمه يُفترض أن يكون فعلًا وطنيًا خالصًا تقوده المؤسسات الرسمية والشعبية الأردنية. وحين يبرز سفير دولة أجنبية في هذا المشهد، وبشكل متكرر، فإن ذلك يفتح الباب لتأويلات سياسية تتجاوز حسن النوايا المعلنة.

وتزداد الحساسية حين يأتي هذا الحضور في ظل حالة احتقان شعبي عربي وأردني تجاه السياسات الأمريكية في المنطقة، لا سيما ما يتعلق بالقضية الفلسطينية والعدوان المستمر على غزة. في هذا السياق، يُقرأ النشاط الدبلوماسي الأمريكي – ولو كان اجتماعيًا أو رياضيًا – بوصفه محاولة لتلطيف صورة دولة تمارس سياسات مرفوضة شعبيًا، أو كمسعى لخلق تطبيع رمزي مع وجدان الشارع الأردني، وهو ما يفسر شعور قطاعات واسعة بالاستفزاز وعدم الارتياح.

كما أن هذا الحضور المكثف قد يسبب إحراجًا غير معلن للمؤسسات الرسمية، حين يبدو السفير أكثر حضورًا في الفضاء العام من بعض الجهات المحلية، أو حين يُفهم أن مشاركته تتم دون ضوابط واضحة. فالدولة، وهي تحرص على علاقاتها الدولية، مطالبة في الوقت ذاته بحماية هيبتها الرمزية وضبط المجال العام بما يحفظ التوازن بين الانفتاح الدبلوماسي واحترام الخصوصية الوطنية.

إن المطلوب هنا ليس التصعيد ولا خلق أزمة دبلوماسية، بل إدارة واعية وحازمة للمشهد، عبر التأكيد – بهدوء ومن خلال القنوات الرسمية – على حدود الدور الدبلوماسي، وعلى أن الانخراط في المناسبات الوطنية يجب أن يتم ضمن إطار منسق لا يمسّ الرموز السيادية ولا يثير حساسيات شعبية لا داعي لها.

فالأردن دولة ذات سيادة، وشعبه يتمتع بوعي سياسي عالٍ، وكرامته الوطنية ليست مجالًا للاختبار أو التجريب تحت عناوين الدبلوماسية العامة. واحترام العلاقات الدولية لا يعني التفريط بالرمزية الوطنية، بل يفترض أن يقوم على الندية والاحترام المتبادل، وحساسية خاصة تجاه وجدان الشعوب قبل حسابات النفوذ والصورة



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :