تاريخ النشر - 17-04-2025 12:43 PM عدد المشاهدات 8 | عدد التعليقات 0
في مهب الريح: جماعة الإخوان المسلمين وتحديات الوجود

الهاشمية نيوز - بقلم: الأستاذ الدكتور هاشم الحمامي
في متاهة الشرق الأوسط، حيث تتشابك السياسة بالدين، ويتقاطع التاريخ مع الجغرافيا، تقف جماعة الإخوان المسلمين ككائنٍ أُسطوريٍّ نجا من محارق التاريخ لكنه اليوم يترنح تحت وطأة رياح لا تعرف الرحمة.
لقد تغيرت قواعد اللعبة، وتبدّلت التحالفات، ولم تعد الشعارات القديمة تصلح لعالم جديد تصاغ خرائطه بلغة المصالح الصلبة، وتُرسم حدوده على مكاتب أجهزة الاستخبارات ومراكز الدراسات الاستراتيجية.
من مصر إلى أنقرة، ومن عمّان إلى بروكسل، تتناثر أوراق الجماعة بين محاولاتٍ للبقاء، واتهاماتٍ بالإرهاب وتضييقٍ مستمرّ من أنظمة ترى فيها تهديداً صريحاً لمشروع الشرق الأوسط المستقر. فهل هي نهاية الجماعة التي ملأت الدنيا صخباً لعقود؟ أم مجرد فصل جديد في روايتها الممتدة منذ قرن؟
هذا المقال محاولة لفهم اللحظة الحرجة التي تمر بها جماعة الإخوان المسلمين في عام 2025، في ضوء تغيّر المواقف الإقليمية والدولية، والتقاء المصالح الكبرى على نقطة واحدة: الاستقرار أولاً... والبقاء للأنسب.
جماعة الإخوان المسلمين في عام 2025: حضور متقلب وتحديات متزايدة:
منذ تأسيسها عام 1928 في مصر، بقيت جماعة الإخوان المسلمين حاضرة بقوة في المشهد السياسي العربي، رغم ما مرت به من تقلبات. في عام 2025، تتفاوت مواقعها بين دولٍ لفظتها، وأخرى ما تزال تسمح لها بهامش محدود من التأثير، في وقت تتصاعد فيه الدعوات الإقليمية والدولية لتصنيفها ككيان مزعزع للاستقرار، خاصةً بعد تحالفها مع إيران الثورة العابرة للحدود.
مصر: في قلب العاصفة.. أزمة عميقة وانقسامات متفاقمة:
في مصر، موطن النشأة، تعيش الجماعة أزمة وجود خانقة. بعد الإطاحة بها من الحكم في 2013، خضعت لحملة أمنية شاملة، أدت إلى تفكيك شبكاتها التنظيمية، وسجن أو فرار قياداتها. تقارير مراكز بحثية غربية، مثل مؤسسة كارنيغي، تصف التنظيم بأنه "مجرد شبح سياسي"، يفتقر إلى القدرة على الحشد أو الفعل، ويعيش على أطلال شرعيته السابقة.
تركيا: من ملاذ آمن إلى منطقة ضبابية.. تحولات في السياسات:
لطالما كانت تركيا ملجأً لأعضاء الجماعة الفارين من مصر، لكن التقارب التركي المصري منذ 2023 ألقى بظلاله على وضعهم. زيارة أردوغان إلى القاهرة في فبراير 2024 وعودة العلاقات الدبلوماسية دفعت السلطات التركية لاتخاذ خطوات حذرة تجاه رموز التنظيم، شملت تضييقاً إعلامياً وترحيل بعض الشخصيات البارزة. محللون يرون أن أنقرة لم تعد مستعدة لدفع ثمن إيواء الإخوان سياسياً، في ظل طموحاتها الاقتصادية والجيواستراتيجية الجديدة.
الأردن: نفوذ تاريخي على صفيح ساخن.. وتطورات أمنية تثير القلق:
في الأردن، رغم أن الجماعة كانت تمثل لاعباً شرعياً ومؤثراً، فإن مؤشرات جديدة تهدد هذا الوضع. ففي أبريل 2025، أعلنت الأجهزة الأمنية إحباط "مخطط تخريبي" واكدت ضلوع عناصر من الجماعة فيه. ورغم النفي الرسمي من قيادة التنظيم، فإن الحادثة أثارت تساؤلات حول وجود خلايا متطرفة منشقة، تُهدد التماسك الداخلي وتفتح الباب أمام إعادة تقييم علاقة الدولة بالجماعة.
حضور عالمي وامتداد فكري ناعم:
بعيداً عن الشرق الأوسط، لا تزال الجماعة تحتفظ بحضورها في أوروبا عبر منظمات غير حكومية، ومراكز إسلامية تتبنى فكرها الدعوي والإعلامي. تقرير حديث صادر عن البرلمان الأوروبي أشار إلى ضرورة "مراقبة نشاط المؤسسات المرتبطة بالإخوان"، خصوصاً في ظل تصاعد المخاوف من استغلال الخطاب الديني لأغراض سياسية في دول مثل ألمانيا والنمسا وفرنسا.
في دائرة الاستهداف: مشروع الشرق الأوسط الكبير وتضييق الخناق:
ترتبط محنة الإخوان الحالية بمشروع استراتيجي أوسع، هو "الشرق الأوسط الكبير"، المدعوم من الولايات المتحدة وشركائها في المنطقة، ويهدف إلى خلق بيئة آمنة للاستثمار والنمو، بعيداً عن فوضى الجماعات الأيديولوجية.
في هذا الإطار، تضع قوى إقليمية كالإمارات ومصر والسعودية الجماعة في نفس خانة التهديد مع ميليشيات إيران مثل الحوثيين وحزب الله ومليشيات الحشد العراقية. وقد صنفت دولة الإمارات مؤخراً 19 فرداً وكياناً على "قائمة الإرهاب المحلية" بسبب صلتهم بالإخوان.
من جانب آخر، تشير تقارير مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي (CFR) إلى أن إيران والإخوان يشتركون في كونهم أدوات أيديولوجية تستخدم لزعزعة الاستقرار الإقليمي.
وبينما تمضي واشنطن في تفعيل مبادرة "الشراكة الشرق أوسطية" (MEPI) لدعم الاستقرار، يبدو أن مصير الجماعة بات جزءًا من معادلة أمنية أكبر، لا مكان فيها للجماعات العابرة للحدود.
خاتمة تحليليّة:
إن جماعة الإخوان المسلمين، التي طالما أتقنت فن البقاء في العواصف، تجد نفسها اليوم في مهب ريح مختلفة، ريح لا تشبه ما سبقها.
ليست مجرد ضغوط سياسية أو حملات أمنية، بل تحوّل جذري في نظرة الأنظمة الإقليمية والعالمية إليها، كجزء من منظومة لم يعد لها مكان في مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
ففي الوقت الذي تُقوّض فيه أذرع إيران العسكرية، وتُفرغ فيه الساحات من الميليشيات العابرة للحدود، لا يبدو أن هناك تسامحاً مستقبلياً مع جماعة تتهمها عواصم عدة بإدامة التوترات، وتعطيل عجلة الاستقرار.
وبينما يسعى العالم لشرق أوسط آمن يجلب الاستثمار لا الثورات، ويستبدل الأيديولوجيا بالتنمية، فإن مستقبل الإخوان يبقى رهن سؤال كبير:
هل تستطيع الجماعة أن تتخلى عن جلدها القديم وتعيد إنتاج نفسها بلغة العصر، أم أن صفحاتها الأخيرة تُكتب الآن بهدوء في مكاتب صنّاع القرار؟.