تاريخ النشر - 19-08-2024 09:26 AM عدد المشاهدات 13 | عدد التعليقات 0
مدرسة (عالية الشويعر) بالمفرق .. أوضاع صعبة تقذفها خارج بيئات التعليم

الهاشمية نيوز - لا يمكن لأحد أن يتوقع أن تلك الغرف الثلاث وأمامها (كرفان) هي مدرسة، لولا أن لافتة تؤكد أنها بالفعل مدرسة تحمل اسم "عالية الشويعر الأساسية"، التي تقع في قلب البادية الشمالية الشرقية بمحافظة المفرق، وتحكي خلف جدرانها قصة واقع بائس لم تصله بعد أي من المساعي والجهود الرامية إلى تحسين وتطوير بيئة التعليم في المملكة، وهي قصة لا تقتصر على المدرسة فحسب، بل تمتد فصولها إلى مجمل الحقوق والخدمات الضرورية في القرية التي تحمل اسم المدرسة ذاته.
ففي "عالية الشويعر" القرية، ثمة معاناة يومية تثقل كاهل سكانها البالغ عددهم نحو 1500 نسمة؛ حيث تعاني هذه القرية من ظروف حياتية قاسية تؤثر بشكل عميق على كل جانب من جوانب الحياة، ما يعكس تحديات كبيرة تترك بصمتها على الأجيال الصاعدة، وتبرز الحاجة الماسة إلى تحسين الظروف المعيشية والتعليمية هناك.
ويلخص المواطن محمد وهو أحد سكان القرية، حالها وأحوالها، بالقول "إن الوضع سيئ للغاية، سواء من حيث الخدمات أو توفر المحلات أو الاحتياجات الأساسية، فمعظم السكان يضطرون للذهاب إلى أقرب مركز لهم، وهو منطقة البشرية، التي تبعد حوالي خمسة إلى ستة كيلومترات. هذا الأمر يمثل تحديا كبيرا للسكان، حيث يعاني الكثيرون من نقص وسائل النقل، فضلاً عن أن السيارات التي يمتلكونها غالبا ما تكون منتهية الترخيص".
ويضيف محمد "أن الوضع الاقتصادي للسكان صعب للغاية؛ حيث لا توجد وسائل نقل مناسبة، والطرق إلى البشرية والهاشمية صعبة ووعرة، كما أن المسافة إلى قصبة المفرق تبلغ حوالي 75 كيلومترا ذهابا وإيابا، مما يعقد الأمر بالنسبة للحصول على الوثائق من الدوائر الحكومية، حيث يضطرون للذهاب إلى الأزرق أو أراضي الصالحية التي تبعد حوالي 50 كيلومترا عنهم، فضلا عن أن السكان يفتقرون إلى مركز صحي، مما يجبرهم على الذهاب إلى مركز صحي البشرية، وأيضا يضطرون إلى استخدام المخابز القريبة في البشرية نظرا لعدم وجود مخبز في منطقتهم".
وفي الحديث عن مدرسة "عالية الشويعر" تحديدا، فهي عبارة عن مبنى مستأجر قديم ومتهالك مع (كرفان)، مكون من ثلاث غرف صفية، فيما يبلغ عدد الطلاب داخل المدرسة 46 طالبا وطالبة.
وما يزيد الطين بلة، هو أن الغرف ضيقة وتفتقر إلى التهوية الجيدة والإنارة المناسبة، مع تآكل الجدران ووجود تشققات واضحة، ذلك أن البنية التحتية بشكل عام متآكلة تماما، مما يزيد من خطورة وضع المدرسة على الطلاب والمعلمين على حد سواء.
والمدرسة تضم طلابا وطالبات حتى الصف السابع الأساسي فقط، مما يجبر العديد من الأهالي على نقل أبنائهم إلى مدارس أخرى في مناطق بعيدة، مثل البشرية والهاشمية، التي تبعد عنها أيضا خمسة إلى ستة كيلومترات وفي منطقة وعرة بلا طرق ميسرة.
ويواجه الأطفال الذين يلتحقون بهذه المدرسة، صعوبات كبيرة في التعلم بسبب البيئة التعليمية غير المهيأة ولا الآمنة التي يتواجدون فيها، خصوصا أن الغرف الصغيرة والمكتظة تسهم في زيادة التوتر بين الطلاب وتعوق قدرتهم على التركيز، مما يجعل من الصعب على المعلمين متابعة جميع الطلاب وتقديم الدروس بشكل فعال.
كما تؤدي تلك البيئة التعليمية، إلى ضعف التفاعل بين الطلاب والمعلمين، مما يؤثر سلبا على جودة التعليم ويحد من فرص الطلاب في تحقيق النجاح الأكاديمي، فضلا عن أن البيئة غير الصحية تزيد من احتمالية تعرض الطلاب لأمراض تنفسية وأخرى مرتبطة بعدوى الأمراض وسوء التهوية، مما قد يفاقم من الصعوبات التعليمية التي يواجهونها.
أما معلمات المدرسة، فيواجهن تحديات يومية في الوصول إلى مكان عملهن نتيجة قلة وسائل النقل وبعد المسافة، مما يضطرهن إلى استئجار حافلة بشكل شهري. ومع ذلك، تزداد هذه المعاناة بسبب المخالفات المرورية المتكررة التي يتعرض لها سائق الحافلة نتيجة عدم وجود تصريح نقل معه وانتشار دوريات إدارة السير على الطريق، ما يعوق استمرارهن في أداء واجبهن التعليمي.
وفي هذا السياق، ناشدت إحدى المعلمات، الجهات المعنية، إصدار تصريح خاص لسائق الحافلة لتفادي هذه المخالفات وتخفيف الأعباء عنهن، بما يضمن استمرارية العملية التعليمية من دون أي عقبات إضافية.
وبلا شك، فإن الأهالي ليسوا بمعزل عن كل ذلك، بل هم جزء أساسي في الهم الذي يطال الجميع هناك، فمع دخول كل عام دراسي جديد، تزداد هموم الأهالي وقلقهم على مستقبل أبنائهم، إذ يجد الأطفال أنفسهم في معركة يومية مع واقع تعليمي قاسٍ ومؤلم بين جدران غرفتين مستأجرتين ومتهالكتين، وبين تلك الجدران تختلط الأحلام بالتحديات والآمال أيضا بإيجاد أبسط مقومات التعليم السليم.
أحد أولياء الأمور يقول، بعدما طلب عدم ذكر اسمه "نشعر بالقلق والخوف على مستقبل أطفالنا. كيف يمكن لهم أن يتعلموا في بيئة متردية؟ الغرف المستأجرة ضيقة ومتهالكة، ولا يوجد أي اهتمام بتحسين الوضع"، ويضيف آخر: "طالبنا مرارا وتكرارا بتحسين الوضع، لكن لم يتم اتخاذ أي إجراءات حتى الآن".
وذلك ما تؤكده أيضا إحدى الأمهات، قائلة "لقد تقدمنا بمطالبات عديدة وناشدنا الجهات المعنية لتحسين ظروف المدرسة، لكن للأسف لم يتم اتخاذ أي خطوات فعلية حتى الآن. نأمل أن يتحرك المسؤولون بسرعة قبل أن يبدأ العام الدراسي الجديد، لأن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر"، مشيرة إلى أن "الوضع الذي يواجهه أبناؤنا لا يتناسب أبدا مع متطلبات العملية التعليمية. الغرف المستأجرة التي يدرس فيها أبناؤنا لا توفر بيئة آمنة أو ملائمة لهم. نحن نكافح يوميا لتقديم أبنائنا ليتلقوا تعليما جيدا، ولكن بالمقابل هم يواجهون ظروفا صعبة للغاية. نحن بحاجة ماسة إلى تدخل عاجل لتحسين بيئة المدرسة، حتى يتمكن أطفالنا من التعلم والنمو في ظروف تليق بهم".
والجدير بالإشارة إليه هنا، هو أن دراسة عالمية أجرتها جامعة "هارفارد" تحت عنوان "أثر بيئة التعلم على أداء الطلاب وصحتهم"، أظهرت أن الظروف المادية للمدارس تلعب دورا حاسما في التأثير على جودة التعلم وصحة الطلاب، مضيفة أن الصفوف الدراسية التي تحتوي على أكثر من 30 طالبا يمكن أن تؤدي إلى زيادة مستويات التوتر والقلق بنسبة تصل إلى 20 %، مما يقلل من قدرة الطلاب على التركيز والتفاعل الفعال مع المواد الدراسية.
كما أشارت الدراسة، إلى أن ضعف التهوية وسوء النظافة في البيئات التعليمية يرتبطان بزيادة في مشاكل الصحة التنفسية، مع احتمال ارتفاع هذه المشكلات بنسبة تصل إلى 30 % في البيئات غير الصحية، وأكدت أيضا أن تحسين الظروف المادية للمدارس، بما في ذلك تقليل الاكتظاظ وضمان بيئة صحية، يمكن أن يحسن بشكل ملحوظ من نتائج التعليم وصحة الطلاب، مما يعزز من فرص نجاحهم الأكاديمي.
ويفتح انطلاق العام الدراسي الجديد، باب الأمل واسعا في أوساط الأهالي، بأن يتم اتخاذ خطوات سريعة وفعالة لتحسين وضع المدرسة من حيث توفير مبنى مدرسي جديد أو إجراء ترميمات جذرية للغرف الحالية لضمان بيئة تعليمية آمنة وصحية للأطفال.
وحول ذلك، تقول مديرة تربية البادية الشمالية الشرقية، فصل العيسى: "إن المنطقة تعد نائية بشكل رئيسي، ولا توجد فيها أبنية بديلة للبناء المستأجر الحالي، مما يضع ضغطا كبيرا على المديرية. ونؤكد أن المدرسة الحالية هي الأفضل المتاح في الوقت الراهن مقارنة بالماضي، وأننا عملنا على تحسين وضع المدرسة عبر الصيانة وتطوير الساحات".
وأضافت العيسى "وضع المدرسة قد تحسن مقارنة بالماضي، لكن لا يوجد مجال لنقل الطلاب من منطقة عالية الشويعر إلى مدرسة أقرب بسبب نقص البدائل المتاحة. المنطقة نائية وقليلة السكان، وقد حاولنا التواصل مع الوزارة لمواجهة هذه المشاكل، لكن هناك صعوبة في إيجاد بدائل في ظل وجود 57 بناء مستأجرا تحت إشراف المديرية، ولا توجد حلول بديلة للمناطق ذات الكثافة السكانية العالية".
وأشارت العيسى إلى أنها "اقترحت نقل الطلاب إلى مدرسة الهاشمية، لكن ذلك سيؤدي إلى معاناة الطلاب بسبب بعد المسافة"، مضيفة "سنبذل جهدنا لحل المشكلات القائمة، ولكن التحديات الكبيرة التي تواجه المعلمين، مثل صعوبة المواصلات وإيجاد سكن للمعلمات، تبقى من أبرز المشاكل. البادية تبعد حوالي 70 كيلومترا عن مركز المديرية، وهذه التحديات تفوق إمكانيات المديرية". وطرحت العيسى فكرة توفير وسائل نقل من المديرية إلى المناطق النائية كحل ممكن لتحسين الأوضاع.
ووفق عضو مجلس محافظة المفرق ممثلة عن لواء البادية الشمالية الشرقية نور الطاهات، فإن "قطاع التعليم في لواء البادية بشقيه الغربي والشرقي، يعاني من نقص حاد في الرقابة، بالإضافة إلى مشكلة تسرب الطلاب من المدارس. على سبيل المثال، في بعض مدارس الذكور، يغادر الطلاب المدرسة في وقت مبكر، وقد لا تجد طالبا واحدا بعد الساعة 11:00 صباحا. وفي مدرسة عالية الشويعر، نعاني من اختلاط الصفوف، حيث يتواجد طلاب ذكور بعمر 14 عاما في صفوف مشتركة مع طلاب أصغر سنا، وهذه المشكلة تتكرر في مناطق أخرى مثل مدرسة حليوة وروضة الأمير حمزة".
وأضافت الطاهات لـ"الغد": "دورنا في مجلس المحافظة محدود بميزانية ضئيلة، وقد خصصنا مبلغا لشراء قطعة أرض لبناء مدرسة جديدة بقيمة 25 ألف دينار، لكن للأسف لم نحصل على أي استجابة من وزارة التربية والتعليم حتى الآن. إذا لم يتم استغلال هذه المبالغ، فإنها تذهب هباء، مما يدفعنا لإعادة تخصيصها لقطاعات أخرى".
وقالت الطاهات "إن مشاكل التعليم في البادية الشمالية الشرقية تحتاج إلى تسليط الضوء عليها من قبل الإعلام والمؤسسات المعنية. نطمح لأن يصبح التعليم في البادية آمنا وصحيا لأطفالنا، فهم ليسوا أقل شأنا من الطلاب في المناطق المجاورة".
وبشأن النقل العام، قال مدير هيئة قطاع النقل البري في محافظة المفرق علي الشمري لـ"الغد": "إن الهيئة تسعى لتعزيز خطوط النقل العام في محافظة المفرق من خلال إصدار التصاريح المؤقتة لتلبية أي نقص في خدمات النقل"، موضحا "أن الهيئة توفر حاليا تغطية النقل بواسطة 9 مركبات عمومية تعمل على خط الصفاوي، والتي تشمل أيضا منطقة عالية الشويعر لتعزيز خدمات النقل هناك".
وأضاف الشمري "الهيئة تقوم بدراسة مستمرة لمراقبة وتحسين خدمات النقل من خلال فرق ميدانية في مراكز الانطلاق والوصول، مع ضمان الاستجابة الفورية لأي شكاوى ترد إلى مكتب الهيئة وإيجاد حلول سريعة وفعالة لها".
كما أشار إلى التعاون المستمر بين هيئة النقل وقسم إدارة السير في محافظة المفرق، موضحا "أن القانون يطبق بما يتماشى مع المصلحة العامة من دون تخصيص المخالفات القانونية، مع التركيز على تحقيق العدالة في تطبيق القوانين".
وتطرق الشمري، كذلك، إلى أن "الهيئة، بالتعاون مع بلدية المفرق الكبرى، قد أنشأت مشروع مركز الانطلاق والوصول في العام 2018، مما يعزز كفاءة نظام النقل في المحافظة".