-

كتابنا

تاريخ النشر - 22-07-2024 10:47 AM     عدد المشاهدات 14    | عدد التعليقات 0

عمان .. «(سنة الزلزال) .. والتحوّل من قرية إلى بلدة

الهاشمية نيوز - محمود كريشان
عمّان.. دوما وابدا.. قصة عشق يتناغم فيها، باستثنائية جميلة، الزمان والمكان والسكّان.. المدينة التي تتمتع بروح متيقّظة، تحرس أبناءها وتحميهم من غدر الشرور.. هذه الصبية الفاتنة، نمت وتطوّرت لتكون على الدوام، في كل زاوية وزقاق، مصدر جذب وإلهام للفن والإبداع.
عمّان وكما ورد في كتاب «عمان حكاية الناس والتلال.. عمان .. مسيرة انجاز ترسخ المدينة العصرية» الصادر عن أمانة عمان الكبرى، بأن عمان كما ذات الجاذبية الخارقة، يتنقل فيها الزمان بكل يسر واطمئنان بين العريق والحديث، في سيمفونية من الجمال تعزف الطبيعة العمّانية كما تحب الطبيعة أن تكون.. ولعمّان حكايتها مع مواطنيها، تتعدد فصولها بتعدد ألوانهم، وتمتاز ببصماتهم العريقة التي تشد انتباه الفنانين وتربكهم أحيانا، وتغريهم، في الآن نفسه، بالوصول إلى السمو الإبداعي الذي طالما تاقوا إليه..
كل ما في عمّان جميل بطبيعته: أوديتها العريقة وتلالها السبعة التي تحتل الأفق، قلاعها الشامخة وعمرانها الحديث، أحياؤها الشعبية وضواحيها الراقية، أسواقها القديمة وأزقّتها التي تفوح منها رائحة الشواء، والإحتفاء شبه اليومي بالفول والحمص، والطيف العمّاني الإنساني الذي لا يدع للتمييز مجالا..
رحّب أهالي عمّان الذين بلغ عددهم بضع آلاف فقط، بالأمير الهاشمي عبدالله الاول ابن الشريف حسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى ضد الحكم العثماني، وأصبحت مدينة عمّان عاصمة لإمارة شرق الأردن التي تأسّست في ذلك العام، بعد أن أقام الأمير في مخيّمه بالقرب من المحطة لبعض الوقت، بدأ ببناء قصر رغدان الجميل ذو الحجم المتواضع نسبياً وبُني من 1924 إلى 1927 من قبل عدد من المعماريين والبنّائين من نابلس ودمشق وبيروت، ليصبح هذا القصر منارة تشير إلى العهد العربي الجديد في عمّان التي أصبحت تجذب التجّار وأصحاب المهن والمعلمين من الدول المجاورة مثل سوريا وفلسطين والعراق والحجاز.
اجتذبت عمّان الباحثين عن بدايات جديدة، وحلم جديد يسعون لأجله، والهاربين من اضطهاد أو تشريد مثل أحرار العرب الذين التجأوا إلى عمّان بعد معركة ميسلون، ليستقروا في المدينة الناشئة، وهكذا تجمّع العديد من الشركس والأكراد والأرمن والفلسطينيين والعراقيين والسوريين واللبنانيين في قلب عمّان «وسط البلد» والمناطق المحيطة بها، وفي نهايات العشرينيات دخلت الكهرباء إلى عمّان ليبدأ معها عصر جديد غيّر الحياة بأكملها. فقبل تأسيس شركة الكهرباء الأردنية عام 1938 ، بدأ تشغيل أوّل المولدات الكهربائية من قبل المواطنين والشركات الخاصة في العشرينيات، وقام الدكتور محمد صبحي أبو غنيمة، أحد أوائل الأطباء في عمّان، باستعمال إحدى المولدات لعيادته، كما بدأت بعض دور السينما والمطاحن باستخدام الكهرباء في تلك الأيام، وبدأت المدينة تشهد أيضاً شوارع معبّدة تساعد في تنقل المشاة والخيول والعربات الشركسية التي تجرها الأبقار.
بدأت عمّان بالتخلّي عن صفتها القروية من خلال التميّز بخصائص البلدة، فعيادات الأطباء والمستشفيات والصيدليات أصبحت تلبّي الاحتياجات الطبية لهذه البلدة وبدأت الفنادق فيها تمتليء بالمسافرين، وتجمعت المحال التجارية لتشكّل أسواقاً متخصصة وظهرت مؤسّسات مدنيّة لتساهم في تنظيم حياة المدينة ففتحت غرفة التجارة أبوابها لأول مرة في عام 1923 وأنشئت عام 1925 أول دار للطباعة (المطبعة الوطنية)، والتي كانت تطبع فيها أول صحيفة رسمية أردنية.
ومن بين الأطباء الروّاد لعمّان حنا قسوس، الذي تخرج من بيروت في عام 1910 ، وعبد الرحيم ملحس الذي افتتح عيادته في شارع الرضا، ويوسف عز الدين بن إبراهيم الذي تقع عيادته في شارع الشابسوغ، وجميل توتنجي الذي أصبح طبيب القصر الملكي، ومنيف الرزاز، الشخصية العربية السياسية الوطنية، أما أول صيدلية في عمّان فقد افتتحت في عام 1925 ، وفقاً لسجلات وزارة الصحة، واعقبتها صيدليات أخرى، كالتي أنشأها أمين قعوار ونجيب قبيسي.
أما التعليم فقد حظي بالاهتمام المبكّر من سكّان عمّان، وبالرغم من البدايات المتواضعة للمدينة، فإننا نلحظ تشكّل بعض السمات العمّانية المميّزة ومنها الاهتمام بتعليم النشء، في زمن سيطرت فيه الأميّة على غالبية الناس، فقبل قيام المدارس الحديثة كان التعليم يتم في عدد من «الكتاتيب» وهي حلقات تعليمية تقليدية يرتبط بعضها بالمساجد، وانتشر عدد من هذه الكتاتيب في المدينة وكانت تُسمّى على إسم الشيخ الذي يقوم بالتعليم في كل واحدة منها، كما وجدت كتاتيب خاصة بالبنات أيضاً.
في عام 1920 ، دخل التعليم الحديث إلى عمّان وبدأ يحل محل الكتاتيب التقليدية، وكانت أولى المدارس الحكومية، التي تضمنت المدرسة العسبلية، والتي سُميت باسم مالك المبنى، محمد العسبلي، قد شُيدت بالقرب من المدرج الروماني، وقد درس العديد من الروّاد العمّانيين الأوائل بالمدرسة العسبلية في مطلع العشرينيات وما يزال بعض الناس يتذكرون أول مدير مشهور لها وهو سليمان عطّور، كما قامت المجتمعات المسيحية المحلية والبعثات الأجنبية التي تواجدت في أوائل أيام عمّان، ببناء المدارس الخاصة والأجنبية. ومثال على ذلك أول مدرسة قدّمت التعليم المتوسط للفتيات هي المدرسة المسيحية التبشيرية، التي أصبحت اليوم المدرسة الأهلية للبنات، التي أنشأت في عام 1926 في جبل عمّان، ومن المدارس الأخرى الجديرة بالذكر الكلية الوطنية البطريركية التي شيّدت في منطقة المصدار في عمّان، والتي يعود تاريخها لعام 1890 باعتبارها المدرسة الخاصة الأولى في عمّان والتي كانت تلبي الاحتياجات التعليمية للمجتمع المسيحي، ومدرسة المطران في جبل عمّان، بالإضافة إلى مدرسة النجاح والكلية العلمية الإسلامية.
الزلزال والفنادق
وفي منتصف العشرينيات، وجد زوار عمّان والمسافرون بواسطة سكك حديد الحجاز أكثر من خيار من الفنادق والتي تتراوح بين الفنادق الصغيرة والمتواضعة مثل فندق الملك غازي أو فندق فيلادلفيا، وهو أول فندق أربع نجوم في المدينة واحتوى على 67 غرفة وبُني بالقرب من المدرج الروماني من قبل . أنطون نزّال، وبقي هذا الفندق قائماً إلى أن تم هدمه في عام 1985 وبعد فترة قصيرة، توفّرت سلسلة من الخدمات العامة، فتمّ مد خطوط الهاتف والخدمة البريدية إضافة إلى إصدار أول الطوابع الأردنية التي كانت تصوّر الملك عبدلله الأول في عام 1927 وفي ذات السنة أيضاً تم إنشاء المستشفى الإيطالي والذي ما يزال إلى يومنا هذا يعالج المرضى، كما ظهرت في تلك الفترة بوادر ازدهار الحياة الصناعية حيث أنشيء عام 1930 أول مصنع للتبغ، شركة التبغ والسجائر، والذي كان إنتاجه يباع بشكل رئيسي في الأسواق المجاورة داخل سوريا وفلسطين.
ومن المظاهر المبكّرة للصناعة في عمّان إنشاء المطاحن على طول سيل عمّان والتي كانت تُدار بواسطة مجرى الماء وعلى الرغم من اختفاء كل تلك المطاحن مع الزمن، إلا أننا ما نزال نشهد العديد من المنشآت الكبيرة التابعة لشركة المطاحن الأردنية ومعمل المعكرونة الواقع على مسار سيل عمّان باتجاه محطة القطار.
كما بدأت الأسواق المتخصصة المعروفة في وسط مدينة عمّان بالظهور في أواخر العشرينيات وبداية الثلاثينيات، مثل سوق البخارية، الذي سمّي بذلك تيمناً بمؤسّسه الشيخ كمال الدين البخاري الذي قدم من مدينة بخارى الأوزبكية، وسوق البشارات الذي أنشأه واصف بشارات، وسوق الحلال للحيوانات والماشية وغيرها من الأسواق، وفي العقود التالية لحق هذه الأسواق أسواق أخرى مثل سوق السكر لبيع السكر والأرز والمحاصيل والحبوب وسوق اليمانيّة وسوق منكو للملابس وسوق الذهب القريب من ساحة الملك فيصل، تعتبر سنة 1927 سنة مهمة في ذاكرة عمّان أنها «سنة الزلزال» إذ تعرّضت عمّان إلى دمار متوسط التأثير والسبب في ذلك يعود إلى تواضع المباني ذات الطابق الواحد في البلدة، على الرغم من ذلك فقد دفع هذا الزلزال ببناة المدينة الأوائل إلى التفكير بضرورة بناء أبنية جديدة بمواد أكثر متانة، ومنها أساليب البناء بالحجر والإسمنت، وهو ما ساهم في منح المدينة صبغة معمارية خاصة لا نزال نراها اليوم في عمّان.
ومع انهماك أوروبا في إعادة البناء، خاصة عقب الحرب العالمية الأولى، يمكن القول بأن العشرينيات من القرن العشرين هو العهد الذي شهدت فيه عمّان خطوات التحوّل البطيء إلى بلدة حقيقة، وان كانت متواضعة.






تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :