-

كتابنا

تاريخ النشر - 20-06-2024 09:35 AM     عدد المشاهدات 9    | عدد التعليقات 0

أغانـــي ميــرزا شفيـــــع

الهاشمية نيوز - زياد الزعبي

من الأمور الغريبة أن ميرزا شفيع (توفي 1851م) وأشعاره عرفت في الغرب، وفي ألمانيا بخاصة، قبل أن تعرف في بلده، وذلك لأن شاعرا ومستشرقا ألمانيا هو هاينريش فون بودنشتيدت Heirich von Bodenstedtكان التقى ميرزا وقضى بصحبته حوالي سنتين تعلم فيهما عليه اللغة الأذربيجانية واللغة الفارسية، واستمع منه إلى أشعاره وحكاياته عن الحب والتصوف، بل إن ميرزا شفيع قدم له مجموعة شعر مخطوط في دفتر هدية. وحين عاد بودنشتيدت إلى ألمانيا أصدر كتابه الضخم «ألف يوم ويوم في الشرق» Tausend und ein Tag im Orient الصادر في برلين 1849-1850، وهو كتاب في ثلاثة مجلدات سجل فيه وقائع رحلاته في روسيا ومنطقة القوقاز، وضمنه عددا كبيرا من قصائد ميرزا شفيع، لكنه وبناء على طلب الناشر استخلص النصوص الشعرية ونشرها عام 1851 في كتيب مستقل بعنوان «أغاني ميرزا شفيع» Die Lieder des Mirza Schaffy.
لقد لقيت هذه المجموعة الشعرية نجاحا منقطع النظير في ألمانيا وفي أوروبا، إذ بلغ عدد طبعاتها 100 طبعة حتى عام 1881م، ووصلت عام 1922 إلى 149 طبعة، وهذا انتشار استثنائي بكل المقاييس، وقد رسخه الاتجاه الرومانسي وعشق الشرق والحماس له. وقد ترجمت هذه الأشعار إلى العديد من اللغات الأوروبية، كما تشير إلى هذا الدراسات العديدة التي كتبت عنه بالألمانية والأذربيجانية والإنجليزية.
قرّ لدى جمهور القراء أن أغاني ميرزا شافع هي لهذا الشاعر الأذربيجاني، وبودنشتيدت -المترجم- هو من رسخ هذا الانطباع؛ لعدم تحديده مؤلف هذا النصوص، أو الأغاني كما سماها. وظل هذا التصور سائدا حتى عام 1872، حين أعلن بودنشتيدت - المترجم - أن هذه النصوص من تأليفه، وأن ميرزا ليس شاعرا ولا مفكرا أو عالما ذا قيمة. لقد جاء إعلان بودنشتيدت هذا بعد حوالي عشرين سنة على صدور الطبعة الأولى، وبعد أن لاقت هذه الأغاني نجاحا استثنائيا، وتوالت طبعاتها على نحو مثير للدهشة. وهو ما جعله غير قادر على إدراك أن كل هذه الشهرة والمجد منسوب إلى شاعر مجهول، فكان أن ادعى أنه صاحب هذا الشعر، بل ذهب إلى الحط من مكانة الشاعر الكبير الذي علمه لغتين، والذي وثق به ومنحه دفتر أشعاره كما يقول هو نفسه في كتابه «ألف يوم ويوم في الشرق» الذي خصص فيه الفصل الرابع للحديث عن «ميرزا شفيع، حكيم غنجة»، وخصص الفصل الخامس للحديث عن حكيم غنجة وحبه الأول زليخة، التي خصها ميرزا بنصوص شعرية رائعة الجمال بنية ودلالات. أما في الفصل الرابع عشر فجاء كلام بودنشتيدت صريحا، حيث قال: إنه أحضر معه من رحلته إلى أرمينيا «هدية صغيرة أحضرها معه من سوق يريفان، وأن ميرزا رد ذلك بأن أهداه دفترا مكتوبا بخط يده بعنوان «مفتاح الحكمة» يتضمن عبارات رؤية أستاذنا للعالم حينا بعبارات موجزة، وحينا بطروحات مطولة. وثمة نصوص كثيرة أخرى تظهر قراءتها وتحليلها أن بودنشتيدت نرجسي كاذب وسارق غير محترف؛ لأن أي قراءة تحليلية للخطاب تكشف بوضح عن أبعاد هذا الادعاء.
لقد أصبحت مسألة تحديد هوية مؤلف أغاني ميرزا شفيع منذ القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا مسألة جدلية قائمة على اتجاهات تقاطبية حادة، إذ ذهب كثير من الباحثين الألمان إلى أن بودنشتيدت هو مؤلف هذه الأغاني، وذهب آخرون أذربيجانيون وغيرهم إلى أن هذه الأغاني هي لميرزا شفيع، وأن بودنشتيدت قد سطا عليها وترجمها إلى الألمانية. وحشد كل من الفريقين الحجج التي تؤكد وجهة نظره. وهذا ما يجده الباحث في عشرات الأبحاث والدراسات والنصوص التي قرأت هذه المسألة قراءات متعددة ينقض بعضها بعضا استنادا إلى وقائع وحجج يعتمد عليها كل فريق. وغدت هذه المسألة جدلا حجاجيا بين الشرق والغرب، أو بين الثقافة الأذربيجانية والثقافة الغربية، وهو جدل يستند إلى رؤى فكرية وثقافية يعمقها حس التفوق الغربي، أو مركزية الثقافة واللغات الغربية التي تؤمن بأن لها الحق في إثراء ذاتها على حساب الثقافات الأخرى.
لقد قرأت ابتداء كتاب «ألف يوم ويوم في الشرق»، وبخاصة ما يتعلق بالعلاقة بين بودنشتيدت وميرزا شفيع، وقرأت النصوص الشعرية التي يتضمنها الكتاب وترجمت بعضها إلى العربية، وقر لدي أن هذه النصوص لشاعر شرقي، وأنها في مضمونها وأبعادها الفنية والمعرفية لا تنتمي إلى الثقافة أو الفكر الغربي. وكان أول نص ترجمته واستوقفني هو نص زليخة، وهو نص ذو صلة بثقافة ميرزا شفيع الإسلامية، وهذا ما يتجلى في نصوصه الشعرية التي تظهر كثيرا من العناصر الدينية والثقافية الخاصة بدءا بمدينته غنجة ذات التاريخ العريق التي ينتمي إليها الشاعر الكبير «نظامي كنجوي» وغيره من الأدباء والشعراء الذي مثلوا شخصيات ذات حضور كبير في الأدب العالمي، ذكر منهم الشاعر الأذربيجاني الكبير «فضولي»، كما ذكر ميرزا على نحو متكرر «حافظ الشيرازي» وشعره وأبعاده الصوفية.
لقد عاش «بودنشتيدت» في القرن التاسع عشر، القرن الذي شهد في ألمانيا حركة ترجمة واسعة للأدب العربي والأدب الفارسي، فقد أنجز «همر فن بورغشتال « ترجمة تاريخ الأدب العربي في سبعة مجلدات، وكذلك مادة واسعة من الأدب الفارسي، أشهرها ترجمته لديوان حافظ الشيرازي التي اعتمد عليها «غوته» في ديوانه الشهير « الديوان الشرقي للمؤلف الغربي». كما شهد هذا القرن شاعرا ومترجما ومستشرقا ألمانيا عبقريا، وهو «فريدريش روكرت» التي ترجم مادة واسعة جدا من الأدب العربي، منها مثلا حماسة أبي تمام، ومقامات الحريري ترجمة عدت من النصوص الألمانية الراقية، إضافة إلى استحضاره روح الشرق في أشعاره « ورود شرقية. لكن هؤلاء لم يقارفوا فعلة بودنشتيدت الذي سطا على نصوص «ميرزا شفيع» على نحو فج، وادعاها لنفسه في إطار السرقات الأدبية الكبرى التي تتستر بالترجمة.
إن عمل «غوته» في الإفادة من الأدب الشرقي، وكذلك كثير من الشعراء والأدباء الألمان ينهض على تصورات نظرية فكرية وفلسفية تتعلق بالترجمة وكفاءة اللغة الألمانية وعلاقات اللغات والثقافات بعضها ببعض، فقد ذهب الفيلسوف الشهير «هيردر» إلى أن ترجمة النصوص الأدبية من ثقافات أخرى إلى اللغة الألمانية هو تقليد عن تدبير، وليس هذا « عارا، فما الفن في جوهره إلا تقليد»، وما لغتنا إلا الأكثر قدرة من أي لغة أخرى على تقليد واصطناع القوالب الأجنبية».
ويرسخ هذا الموقف «مارتين هايدغر» الذي يعتبر « أن الترجمة ليست تأويلا Auslegung للنص ولكنها تقليد تراثيUeberlieferung ، وبهذا فإن الترجمة تنتمي إلى أكثر الحركات حميمية في التاريخ». (كما يرى «انطوان برمان» في كتابه «الترجمة والحرف أو مقام البعد»). وهذه تصورات نظرية رسخها الفكر الفلسفي الألماني في المرحلة الرومانسية، الذي رأى في الترجمة « عملية اكتشاف للآخر، أي للغته ولثقافته وهي بسط لثنايا أفكاره وتفسيرها وتأويلها وإعادة صياغتها «، وهذا ما مارسه «غوته» عمليا في عمله الشهير «الديوان الشرقي «، وترسخ بعده في سلسلة كبيرة من النصوص والأعمال التي أنتجها شعراء وروائيون ومترجمون بعده.
لقد كشفت النصوص الأصلية باللغتين اللتين كتب بهما ميرزا: الأذربيجانية والفارسية، والمخطوطات الأصيلة أن «بودنشتيدت» مترجم للنصوص وليس صاحبها. وثبت لدي من خلال قراءة « أغاني ميرزا شفيع» بالألمانية أن هذا النصوص في مادتها المعرفية وبنيتها الفنية لا تنتمي لأديب غربي بعيد عن الفكر والمادة المعرفية التي تظهر في النصوص، وهذا أمر يمكن أن يتجلى من خلال قراءة تحليلية تكشف عن البنية الفكرية والمعرفية التي شكلت النصوص، ومنحتها رؤاها وصورها، وبعض عناصر هذه البنية تعود إلى نصوص دينية أو عربية وقف عليها ميرزا في أصولها أو الترجمات العديدة لها إلى اللغة الفارسية مثلا.
ومما يجب ذكره هنا أن هناك كثيرا من الدراسات الجادة التي عالجت قضية ترجمة نصوص ميرزا أو سرقة بودنشتيدت، وهو ما يظهر مثلا في الكتاب الاحتفائي الصادر بثلاث لغات: الأذربيجانية، والإنجليزية، والألمانية، بمناسبة مرور 222عاما على ولادة ميرزا عام 2016 . كما أن افتتاح متحف «ميرزا شفيع واضح «في كنجة عام 2017 برعاية رئيس الدولة يمثل عملا مهما في إعادة الاهتمام بأحد كبار الشعراء في أذربيجان، وفي العمل على قراءته على نحو يمنحه المكانة التي يستحقها، ليس في إطار الأدب الأذربيجاني، ولكن في إطار الآداب العالمية ذات القيمة الفائقة، والتي جاوزت حدود لغتها وإقليمها.
وتاليا أختار بعض نصوص شعرية لميرزا أترجمها عن النص الألماني.
القصيدة المعنونة «زليخة»، وهي أولى القصائد في ترجمة «بودنشيتدت» التي ينسبها لنفسه، وأوردها هنا؛ لأنها نص منبثق من الإرث الديني العربي الذي انتقل إلى كل اللغات الإسلامية وبخاصة الفارسية والأذربيجانية. والنص الشعري عند ميرزا شفيع يعتمد على النص الحكائي العربي الذي نجده مثلا عند الثعلبي في كتابه «قصص الأنبياء»، وفي كتب التفسير التي تتحدث عن جمال زليخا، وهو ما استعارته النصوص الفارسية مثل منظومة « يوسف وزليخا» لعبد الرحمن جامي.
والنص الألماني ليس سوى ترجمة لنص «ميرزا شفيع واضح» المعتمد على الأصول العربي، وهو:
لا بالملائكة في خيمة السماء الزرقاء
ولا بالورد في حقل الورود ذي العبير الفياح
ولا حتى بنور الشمس الخالد
أقارن زليخة حبيبتي
فصدر الملاك يخلو من الحب
وتحت الورد يكمن الشوك
والشمس يحجب ضوؤها الليل
كلها لا تشبه زليختي
لا شيء أبدا في الفضاء كله
يشبه نظرة زليختي
جميلة بلا شوك مفعمة بنور الحب الخالد
لا يمكن مقارنتها إلا بها
هذا النص الذي يدعي «بودنشتيدت» أنه له هو نص ميرزا شفيع كما تؤكد الدراسات الحديثة التي بينت بوضوح أن هذا النص كتبه «ميرزا» معبرا عن حبه لزوجته، وهو ما تظهره الوثائق والدراسات، بخاصة الوثائق المحفوظة في متحف «آخندوف» تلميذ «ميرزا شفيع».
وفي القصيدة المعنونة «يوسف وحفيظة» نجده يترجم في مطلعها نصا عربيا شهيرا يتمثل في الحديث النبوي: «أعطي يوسف شطر الحسن»، وهذا النص يظهر عدم معرفة «بودنشتيدت» بمصادر «ميرزا شفيع»، ويجعله يمعن في غيه ويدعي أن النص له، والنص كما هو واضح نص ديني يعتمد عليه في بناء نصه الذي يخاطب فيه زوجته، والنص بالألمانية، وترجمته:
يوسف في أرض مصر
أجمل بني البشر،
يقال: يد الله (ياهوفا)
أعطته نصف جمال الكون (الأرض)
نلحظ أنه «بودنشتيدت» وضع في النص المترجم كلمة ياهوفا مكان كلمة الله. والحديث النبوي عن جمال يوسف مثبت في كتب الحديث، كما يتكرر على نحو كبير في كتب التفسير والقصص القرآني. وهذا نص لا يمكن أن يكون من صنعه، كما أنه يبين عن المصدر الديني الذي استدعاه ميرزا شفيع للتعبير عن جمال محبوبته، وهو النص الذي يشكل عنصرا محوريا في ثقافة «شفيع « الدينية، كما يمثل في الوقت نفسه ألفته بالنص الشهير لمواطنه نظامي « يوسف وزليخة».
وثمة قصيدة عن الشاعر والحب، وهي:
أغني أغنية فتقفز / قلوب الصبايا الصغيرات فرحا/ فاللآلئ شبيهة بالكلمات/ المنظومة في خيط حرير/ منها تصاعد العطور/ غارقة في أنفاس الحوريات/ مثل باقة الورد / التي أهدتني إياها زليخة.
لا تندهش ففم المغني /يمنح مثل هذه الأشياء الرائعة/ كما تتوحد الحكمة/ بجنون الشباب.
أتعلمون من منحني الحكمة؟ لقد جاءت من المكان الصحيح/ لقد قراتها في عينيها/ وعبرت عنها بالكلمات/أي أعجوبة لطيفة/ حين تبدو لكم أغنياتي رائعة /إنها حقا ما فهت به/ وهي انعكاس للجمال/ إنها تشبه كأس جمشيد/ نبع للوحي / يفتح لي عالما من السحر/ والحكمة والخبرة/ أليس صوت أغنيتي/ من الأصوات الرائعة/ وأليس مسار ها الرقيق
مثل إيقاع الجمال.
* هذه المقالة جزء من كتاب أعده عن الشاعر الأذربيجاني الكبير ومسألة السطو على شعره.






تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :