-

كتابنا

تاريخ النشر - 22-11-2022 10:11 AM     عدد المشاهدات 129    | عدد التعليقات 0

ذكريات طفولتي

الهاشمية - هناء عبدالله الطيبة في الماضي البعيد...
ومع بزوغ كل فجرٍ جديد ومع شروق كل شمسٍ حين تنثر خيوطها الذهبية على أطراف أرضنا البائسة، وعندما كنا نتوق شوقاً لإطلالة يومٍ قادم إلينا بكل ما يحمل من طقوس حياتنا التي نمارسها على مسرح الأيام.
بين القسوة والحنين بين القوة والضعف وبين الحُرقة والأنين تفيض من جفوننا دمعات وتتراقص على شفاهنا ابتسامات وتخرج من بين سراديب الألم ضحكات مُزيفّة، وتختلج في القلب لواعج وآهات وتتراكم على سفوح صدورنا عذابات وهموم.
وتتولد في الروح صراعات الحيرة وتتزاحم نزاعات الغربة التي تسكن أرواحنا ولا تبرح منها أبداَ ولا تزول عنها ولو لثوانٍ قليلةٍ عابرة.
وكم كنت أتذكر تلك الأيام عندما كانت أمي تصحو مبكرةً وتوقظني من نومي لكي أذهب إلى مدرستي، عندما كانت تقترب مني لتكشف عن وجهي الغطاء وتمد بكل رفقٍ يدها الحانية نحو جسدي الدافئ، وتلعب بشعري وأشعر بالشهيق والزفير الذي يولج إلى صدرها الرؤوم وأسمع صوتها الرخيم يشنف آذاني حينما
تقول لي (صباح الخير)، هيا استيقظي لتذهبي إلى المدرسة، فأقوم مباشرةً بكل نشاطٍ وحيوية وأنهض على مهلٍ من سرير الوقت وأغسل وجهي بالماء والصابون وأسرّح شعري وأرتدي زيّ المدرسة، وأذهب مع صديقاتي وأمشي بكل خطىً مسرعةً نحو باحة المدرسة ونقرع الجرس ونفرح ونمرح ونلعب ونلهو على عتبات ذلك المكان الجميل، ولن أنسى طوال عمري جمال ورونق تلك الذكريات التي كانت وما زالت عالقةً في مخيلتي إلى هذه اللحظة، وعندما كنا نمشي أنا وصديقاتي على تلك الطرقات نطوف ونجول على كل المفترقات ونقطف الزهور والورود ونصنع أطواق الفل والياسمين ونخبئها في صناديق ذكرياتنا ونضع وردةً بيضاء في دفاترنا العتيقة ونخفيها بين الصفحات، ونرجع إليها بعد أن يعود بنا الزمان وتدور عجلة الشوق في نفوسنا ونتلهف بكل شغفٍ وشوقٍ لرؤيتها ونشتم عبيرها الأخّاذ الذي يعبق في الروح، وكلما نجمع وروداً أكثر من تلك الشجيرات، نذهب إلى مداخل البيوت التي تزينها هذه الزهور الجميلة ونجمع أكبر عددٍ من تلك الزهرات التي تنتشر على جنبات الأرصفة وعندما كنت أتجول في فضاءات الحنين كنت أرى الناس يسيرون على تلك الطرقات، وكل شخصٍ يختلف عن الآخر في شكله وفي لباسه وفي كل شيء ويترنح في عيونهم بريقٌ غريب يخفي وراءه أسرار وأسرار، تختبئ في نفوسهم وتتلاشى مع السحاب وتنقشع مع الضباب ويسرد الزمان من تلك العيون قصصٍ وحكايات أكل عليها الدهر وشرب وأسقاهم مرارة الكؤوس.
وكم خطفت تلك الآلام الضحكات من ثغرهم العابس دوماً وكم سرقت الجراح والآلام كل الفرح والسعادة من داخل قلوبهم، وكلما أكبر تتغير ملامح وجهي وترتخي تقاسيم جبهتي وتختلف مع مرور السنوات تضاريس جسدي الهزيل المتعب من عذابات الدنيا، وعندما كنت أدخل إلى الفصل وأجلس على مقعدي كنت أسرح في عالم الخيال ويُبحر بي قارب أحلامي إلى أن أصل إلى تلك الجزيرة البعيدة النائية التي تهاجر إليها حمائم أشواقي وترحل إلى أرضها فراشات عمري الحائرة، وعندما كانت معلمتي تشرح لنا الدرس أكون في عالمٍ آخر ولا يشدّ انتباهي أي شيء ولا أكترث لأيّ إنسان على سطح الأرض، وتأخذني الذكرى إلى ذلك الزمن البعيد الذي جعلني أتشوّق لعودة طفولتي ولو ليومٍ واحد من الأيام عندما كنت أخربش على تلك السبورة القديمة لحظات عمري وعندما كنت أرسم على تلك الجدران العتيقة آمالي وتُطبع آلامي وآمالي على تلك الجدران البالية، وتضيع أحلامي، عندما أمسح تلك الجدران ويذهب عمري هباء في الهواء مع ذرات الطباشير التي تتقاذفني في مهب الريح.
ولكن ما زالت وستبقى تلك الذكريات عالقةً في قلبي لهذه اللحظة.
وكلما أستيقظ من غفلتي أراني أصبحت شخصاً آخر غير أنا.
فأكون في ساعات طفلةً تبكي حيناً وتضحك حيناً وتعبث في مكنونات الحياة أحياناً أخرى وأراني صبيةً تتأرجح على قارعة النسيان تارة، وترنو إلى مستقبلٍ بات بعيداً عن عيون الحب تارة أخرى، وأراني عجوزةً كهلةً تتعكز على عصاة الأمل الذي غاب عن أرض قلبي وهاجر بعيداً عني، وذهب مع سراب الأوهام ورماني في صحراء المجهول.
وهكذا مضى عمري واندثرت أوقاتي بين الأمس واليوم والغد وإلى هذه اللحظة لا أعرف من أنا؟ من أكون أنا يا زمني القاسي فأنا الآن أريد جواباً على سؤالي من أكون أنا يا أيامي الحزينة؟ من أكون أنا؟ يا أيتها الدنيا الغدارة؟ من أكون أنا! من أكون؟




وسوم: #ذكريات


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

عـاجـل :