تاريخ النشر - 30-08-2022 09:58 AM عدد المشاهدات 229 | عدد التعليقات 0
مطب المقارنات

الهاشمية نيوز -
رمزي الغزوي
ينصحُ بعض خبراء التربية ألا نقارن أولادنا بأولاد الآخرين؛ فلكلّ ولد طبيعته وإمكانياته وفرادته، وأن فعل المقارنة يكرّس في نفسه شعور الإحباط، ويعزّز ألمه، ولا يفيده في سباقات النجاح. وإن كان لا بدَّ من ذلك، فلنقارن أولادنا بأنفسهم. كيف كانوا؟، وأين أصبحوا؟، وندعهم يتفوقون على أنفسهم، مرة تلو المرة، حتى يحرزوا التميز المنشود.
لا أعرف مدى نجاعة هذه النصيحة، أو فداحة خيبتها. وكل ما أعرفه، أن المقارنات في الغالب الأعم تتعبُ النفس، وتثير فيها شتى الوخزات. ولهذا فقد كففت، مثلاً، ومنذ زمن بعيد، عن مقارنة بلدي بالبلدان التي أسافر إليها. وهذه المهارة تعلمتها بعد مرارات عديدة عانيتها، وأنا أتحمّص قهراً، كلما رأيت تفوقاً أو نجاحاً في بلد نستطيع أن نحقق مثله وأكثر.
في العادة يتألم الناس حين يقارنون بلدهم ببلدان يزورونها، بل وقد يصابون بصدمة كبيرة تجعلهم لا يهنأون بعدها بعيشهم في بلدهم. طبعاً هذا بعيد عمّا يمكن للواحد منا أن يقتبسه من تجارب ناجحة ينقلها إلى بلده على طريقته. وهنا لا أعرف كيف لم نحرز نجاحات كثيرة وفيرة، مع أن كثيراً من مسؤولينا جوّالون في بلاد الله الفالحة؟.
من زاوية أضيق، فالناس لا يقارنون أنفسهم بأنفسهم في بلدهم وحين يسافرون. أي لماذا لا يقارن نفسه من يلتزم بقواعد المرور في دبي، وهو في عمان يعمد إلى كسرها وضربها بعرض الحائط؟. أو لماذا لا نقارن أنفسنا كيف نغدو حريصين على نظافة البلد الذي نسافر إليه، في حين نشوّه بلدنا بنفاياتنا حين نزور غابة أو متنزها.
قبل بضع سنوات، وعلى شواطئ «نعمة بيه» في شرم الشيخ، رأيت عائلة أردنية سهرت قبالتنا على الرمل الناعم، وقبل أن يغادروا تآزروا كلهم، على جمع مخلفاتهم، حتى آخر قشرة «بزر»، أي والله، وضعوها في كيس حملوه مسافة 200 متر حتى وجدوا الحاوية.
في المقابل المؤلم، ربما عليك أن تأخذ زيارة عابرة إلى أحراش اشتفينا في عجلون، أو دبين أو زي؛ لترَ بأم عينك مئات الأطنان من نفايات تركناها خلفنا دون أدنى شعور بالغصة أو بالخزي، ودون أن نسال أنفسنا: كيف سنستطيع أن نعود إلى هذا المكان مرة أخرى؟.
لا أريد أن أدخل في سبب انضباطنا بالقوانين خارج بلدنا. ولا أريد أن أذكر الخوف كسبب محتمل لهذا الالتزام. ولا أريد أن أبحث عميقا؛ لأجد تفسيرا عقلانيا لحالة النظافة الوسواسية التي تنتابنا حين نغادر لبلد آخر؟.
ما أريد قوله إنّ القيم منظومة لا تتجزأ، ولا تعترف بالجغرافيا وهي عابرة للحدود. وعليه فإنه من العدالة، على الأقل، أن نكفّ عن مقارنة بلدنا ببلدان أخرى، ما دمنا غير راضين بمقارنة أنفسنا بأنفسنا في بلدنا، وحين نكون في بلد آخر.