-

برلمانيات

تاريخ النشر - 29-10-2026 03:16 PM     عدد المشاهدات 104    | عدد التعليقات 0

إلى النائب مجحم الصقور .. احترام العشيرة لا يعني تسييسها

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون المحلية

لا يختلف اثنان على مكانة العشائر الأردنية ودورها الوطني والتاريخي في بناء الدولة الأردنية، ولا يمكن التقليل من شأنها أو تجاوز حضورها الاجتماعي والوطني، فهي مكوّن أصيل من مكونات المجتمع الأردني، وشريك في حماية الاستقرار وتعزيز الهوية الوطنية. لكن هذا الاحترام لا يعني أن تتحول العشيرة إلى أداة ضغط في المنافسات السياسية، أو أن يصبح الانتماء العشائري وسيلة لترجيح كفة مرشح على حساب آخر في استحقاق يفترض أن تحكمه البرامج والكفاءة وصندوق الاقتراع.
وفي ضوء البيان المنسوب إلى أبناء قبيلة الصقور ومؤازري النائب مجحم الصقور، الذي أكد تمسكهم بترشحه لرئاسة مجلس النواب، ورفضهم الضغوط الداعية إلى انسحابه، إلى جانب مطالبتهم الأمين العام لحزب الميثاق الوطني باعتذار رسمي، تبرز تساؤلات جوهرية حول طبيعة الخطاب السياسي الذي نريده في الأردن، وحدود الفصل بين الاعتبارات الاجتماعية ومتطلبات العمل السياسي المؤسسي.

فمن حق أي نائب أن يترشح لرئاسة مجلس النواب، ومن حق مؤيديه أن يدعموا ترشحه ويدافعوا عن فرصه، كما أن من حقهم الاعتراض على أي تصريحات يرون فيها إساءة أو انتقاصا من مكانته، غير أن الإشكالية تبدأ عندما يتقدم اسم العشيرة إلى واجهة المشهد باعتباره طرفا في معركة سياسية، بما قد يوحي بأن المنافسة لم تعد بين مرشحين واحزاب وبرامج ومواقف، بل بين قوى اجتماعية تسعى إلى فرض حضورها أو تثبيت مكانتها في مواجهة أطراف أخرى.
وهنا يبرز السؤال: هل يحتاج النائب إلى مظلة عشائرية لتأكيد حقه في الترشح، أم أن شرعيته السياسية يستمدها من الدستور والقانون وثقة الناخبين، ومن قدرته على إقناع زملائه تحت قبة البرلمان؟

إن مشروع التحديث السياسي الذي يمضي فيه الأردن منذ سنوات يقوم، في أحد أبرز أهدافه، على تطوير الحياة الحزبية، وتعزيز المشاركة السياسية، والانتقال التدريجي نحو ممارسة سياسية أكثر اعتمادا على البرامج والأفكار والكتل الحزبية، بعيدا عن الاعتبارات الضيقة التي قد تعيد إنتاج أنماط تقليدية في التنافس على المواقع العامة.
ومن هذا المنطلق، فإن دعم الدولة ومسارها الإصلاحي لا يكون بالشعارات وحدها، بل بترجمة التوجهات الوطنية إلى سلوك سياسي مسؤول، يحترم المؤسسات، ويحتكم إلى القواعد الديمقراطية، ويمنح صندوق الاقتراع الكلمة الفصل، فالعمل الحزبي ليس مجرد انتماء أو عضوية، بل التزام بالأنظمة والتعليمات، وقبول بقواعد المنافسة، واحترام للاختلاف، والاحتكام إلى المؤسسات بدلا من توسيع الخلافات وتحويلها إلى اصطفافات اجتماعية.

كما أن الأحزاب مطالبة بإدارة خلافاتها الداخلية والسياسية بلغة مسؤولة، تحافظ على كرامة أعضائها وتمنع الشخصنة، فيما تقع على عاتق الشخصيات العامة مسؤولية عدم نقل الخلافات السياسية إلى ساحات الانقسام الاجتماعي، أو الاستقواء بالهويات الفرعية في مواجهة الخصوم.
ولا يعني ذلك إقصاء العشائر عن الحياة العامة أو التقليل من دورها، بل على العكس، فإن تعزيز مكانتها الوطنية يقتضي أن تبقى رافعة للاستقرار والوحدة، وأن يكون أبناؤها شركاء فاعلين في بناء الحياة السياسية الحديثة، على أساس المواطنة وتكافؤ الفرص واحترام المؤسسات.
إن رئاسة مجلس النواب موقع دستوري وسياسي وطني، لا تحسمه البيانات ولا حجم الاصطفاف الاجتماعي، وإنما تحسمه إرادة النواب وبرامج الأحزاب وفق الأطر الدستورية والنظام الداخلي للمجلس، ومن أراد الوصول إلى هذا الموقع، فعليه أن يخوض المنافسة بثقة في برنامجه وقدرته على إدارة المجلس وتمثيل الأردنيين، لا أن تتحول المنافسة إلى اختبار للقوة العشائرية أو الحزبية.
فيما تبقى العشيرة موضع احترام وتقدير، ويبقى حق النائب في الترشح مصونا، لكن التحدي الحقيقي أمام الحياة السياسية الأردنية هو ترسيخ معادلة واضحة: العشيرة تحظى بمكانتها الوطنية والاجتماعية، والسياسة تُدار بالبرامج والكفاءة والمؤسسات، وصندوق الاقتراع هو الفيصل،فهذه هي الروح التي ينبغي أن يتقدم بها مشروع التحديث السياسي، وهذه هي المسؤولية التي تقع على عاتق الأحزاب والنواب والقوى الاجتماعية في بناء دولة المؤسسات والقانون.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :