تاريخ النشر - 24-10-2026 01:21 PM عدد المشاهدات 29 | عدد التعليقات 0
الهاشمية نيوز تُقدم قراءة سياسية بعد هجوم الكنيسة: تحديات الأمن ومخاطر الفكر المتطرف

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون المحلية:
ليست الجريمة وحدها ما يترك الوجع في قلوب الناس، بل ما تحمله من محاولة لانتزاع الطمأنينة من البيوت، وزرع الخوف في الشوارع، وإقناع الإنسان بأن المكان الذي اعتاد أن يجد فيه الأمان قد يصبح فجأة ساحة للفقد، وحين يمتد العنف إلى دور العبادة، فإن المسألة تتجاوز حدود الجريمة وأدواتها، لتلامس جوهر الحياة المشتركة، وحق الإنسان في أن يمارس شعائره ويعيش إيمانه آمنا، مصونا من الاعتداء والكراهية.
في الأردن، حيث لم تكن المواطنة يوما حكرا على دين أو فئة أو جماعة، تفرض مواجهة التطرف مسؤولية تتجاوز رد الفعل الآني، مسؤولية حماية الإنسان، وصون النسيج الوطني، ومواجهة كل فكر يحاول أن يجعل من الاختلاف سببا للعداء، أو من الدين ذريعة للعنف، أو من الخوف طريقا إلى تمزيق المجتمع.
فالدول لا تُختبر في أيام الرخاء وحدها، بل في قدرتها على مواجهة اللحظات الصعبة، وحماية مواطنيها، والتمسك بالقانون حين تتعاظم مشاعر الغضب، والحفاظ على تماسك المجتمع حين يحاول العنف أن يزرع الشك بين أبنائه.
الكرك.. ذاكرة تعرف معنى المواجهة
ليست الكرك بعيدة عن ذاكرة المواجهة مع الإرهاب، ففي كانون الأول عام 2016، شهدت المحافظة واحدة من أكثر العمليات الإرهابية إيلاما في تاريخ الأردن الحديث، حين امتدت المواجهات المسلحة إلى مدينة الكرك ومحيط قلعتها التاريخية، وأسفرت عن سقوط ضحايا من أفراد الأجهزة الأمنية والمدنيين، بينهم سائحة كندية، قبل أن تنتهي العملية بمقتل المسلحين المتورطين.
كانت تلك الأحداث جرحا في الذاكرة الأردنية، ومحطة كشفت حجم التحديات التي يمكن أن تفرضها الجماعات المتطرفة على أمن الناس واستقرارهم، ولم تكن الكرك يومها مجرد مسرح لمواجهة أمنية، بل كانت جزءا من قصة وطن واجه العنف، ودفع أبناؤه ثمنا غاليا وهم يؤدون واجبهم في حماية الناس وصون أمن البلاد.
واستحضار تلك التجربة لا يعني وضع الأحداث في سياق واحد، أو افتراض وجود روابط لا تثبتها الوقائع، بل يعني إدراك أن مواجهة الإرهاب مسؤولية مستمرة، وأن الذاكرة الوطنية ليست مجرد استعادة للماضي، وإنما فرصة لاستخلاص الدروس وتعزيز القدرة على حماية الحاضر والمستقبل.
فكل تجربة قاسية تضع أمام الدولة والمجتمع سؤالا لا يجوز تجاهله: كيف نحمي الإنسان من خطر العنف، وكيف نمنع الأفكار التي تبرره من أن تجد طريقها إلى العقول والقلوب؟
حين يصبح التطرف خطرا على الإنسان
لا يولد الإرهاب من فراغ، ولا تبدأ الجريمة لحظة استخدام السلاح؛ فقبل الرصاصة فكرة، وقبل الاعتداء خطاب ينزع عن الآخر حقه في الاختلاف، وقبل العنف تبريرات تحاول أن تمنح الكراهية مظهرا من الشرعية.
ومن هنا، فإن خطورة الفكر المتطرف لا تكمن فقط في قدرته على إنتاج العنف، بل في محاولته إعادة تشكيل نظرة الإنسان إلى أخيه الإنسان، حتى يصبح الإقصاء مقبولا، وتتحول الكراهية إلى موقف، ويُعامل الاختلاف بوصفه تهديدا يستوجب المواجهة بدلا من كونه حقيقة من حقائق الحياة.
إن مواجهة هذا الفكر لا تكون بالشعارات وحدها، ولا بالمعالجات الأمنية وحدها، على أهميتها وضرورتها، بل بمنظومة متكاملة تبدأ من الأسرة، وتمر بالمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية، وتصل إلى مؤسسات الدولة التي يقع على عاتقها ترسيخ العدالة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون.
فالأمن ضرورة لا تستقيم الحياة من دونها، والعدالة أساس الثقة، والوعي حصانة للمجتمع، أما ترك الأفكار المتطرفة تتغذى على التحريض والتعصب، فهو ترك للأسباب التي قد تهيئ الطريق أمام العنف كي تتراكم دون مواجهة.
والأهم أن تبقى المواجهة دقيقة وعادلة، تميز بين الفكر الذي يحرض على العنف وبين الاختلاف المشروع، وبين المسؤولية الفردية وأي محاولة لتعميم الاتهام على جماعة أو مجتمع بأكمله.
حرمة دور العبادة.. كرامة الإنسان قبل كل شيء
ليست حرمة دور العبادة مسألة تخص أتباع دين بعينه، بل هي تعبير عن احترام الإنسان وحقه في ممارسة شعائره بحرية وأمان، فالمكان الذي يقصده المؤمن طلبا للسكينة والعبادة لا يجوز أن يتحول إلى هدف للعنف، كما لا يجوز أن تصبح دور العبادة مساحات للخوف أو التهديد.
وفي الأردن، لم يكن التعايش بين المسلمين والمسيحيين مجرد عبارة تتردد في المناسبات، بل هو جزء من تاريخ اجتماعي ووطني طويل، تشابكت فيه العلاقات، وتجاورت فيه البيوت، وتقاسمت فيه العائلات الأفراح والأحزان، وظلت المواطنة الجامعة هي الإطار الذي يجمع الأردنيين تحت سقف وطن واحد.
هذه الحقيقة ليست تفصيلا عابرا في حياة المجتمع الأردني، بل إحدى ركائز قوته، فالأوطان لا تبنى بتشابه أبنائها في كل شيء، وإنما بقدرتهم على الاختلاف دون خصومة، والتنوع دون انقسام، والتمسك بحقوق بعضهم بعضا دون تمييز.
ومن هنا، فإن حماية السلم الأهلي ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، على ما تضطلع به من واجبات، بل هي مسؤولية كل مواطن يرفض التحريض، وكل مؤسسة تحارب الكراهية، وكل منبر إعلامي يدرك أن الكلمة قد تطفئ نار الفتنة، وقد تزيدها اشتعالا.
دولة القانون.. الحزم الذي يحمي الجميع
في مواجهة الإرهاب، تحتاج الدولة إلى الحزم، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى العدالة، فالحزم الذي يستند إلى القانون يحمي المجتمع، والمحاسبة التي تقوم على الأدلة تصون الحقوق، أما استباق التحقيقات أو إطلاق الأحكام قبل ثبوت المسؤولية، فيفتح الباب أمام الظلم والشائعات ويضعف الثقة التي تحتاجها المؤسسات في اللحظات الصعبة.
إن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على فرض الأمن فحسب، بل أيضا بقدرتها على حماية الحقوق، وتطبيق القانون على الجميع، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق إجراءات عادلة وواضحة.
وتبقى الأجهزة الأمنية في مقدمة المؤسسات المعنية بحماية الأرواح وصون الاستقرار، لكن نجاح المواجهة لا ينفصل عن تعاون المجتمع، وثقته بالمؤسسات، والتزامه بالقانون، ورفضه تحويل الخوف إلى اتهامات، أو الألم إلى دعوات للانتقام.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح المسؤولية مضاعفة: مسؤولية حماية الناس من الخطر، ومسؤولية حماية المجتمع من تداعياته، ومسؤولية ضمان ألا يتحول البحث عن الحقيقة إلى مساحة للشائعات أو الأحكام المسبقة.
فالعدالة ليست نقيضا للحزم، بل هي ما يمنحه شرعيته وقوته، وسيادة القانون ليست إجراءا إداريا، بل ضمانة أساسية لاستقرار الدولة وحقوق مواطنيها.
الإعلام.. الكلمة التي قد تحمي وطنا
في الأزمات، لا تقل مسؤولية الكلمة عن مسؤولية الموقف، فالمعلومة التي تنشر دون تحقق قد تثير الخوف، والاتهام الذي يطلق بلا دليل قد يظلم إنسانا، والصورة التي تتداول بلا مراعاة لحرمة الضحايا قد تضيف إلى الألم ألما آخر.
ومن هنا، فإن الصحافة المسؤولة لا تكتفي بالسبق، بل تسعى إلى الحقيقة، ولا تلاحق الإثارة على حساب الإنسان، ولا تخلط بين المعلومة المؤكدة والتكهن، أو بين حق الجمهور في المعرفة وحق المجتمع في ألا يقع أسيرا للشائعات.
وتزداد هذه المسؤولية أهمية حين تكون الوقائع موضع تحقيق قضائي؛ إذ يصبح احترام القرارات القانونية، والتحقق من المصادر، وصون كرامة الضحايا وذويهم، جزءا لا يتجزأ من العمل المهني.
فالصحافة القوية ليست تلك التي تقول كل ما يصل إليها، بل التي تعرف ما يمكن إثباته، وما يجوز نشره، وكيف تضع الحقيقة أمام الناس دون أن تتحول إلى أداة للخوف أو التحريض.
وفي مواجهة التطرف، يحتاج المجتمع إلى إعلام يشرح ولا يهيج، ويكشف الحقائق ولا يصنع الاتهامات، ويمنح الناس المعرفة التي تساعدهم على الفهم، لا المعلومات التي تدفعهم إلى القلق والانقسام.
معركة الوعي.. دفاع عن المستقبل
إن مواجهة التطرف لا تنتهي بانتهاء عملية أمنية، ولا تكتمل بمجرد محاسبة مرتكبي جريمة؛ فالمعركة الأعمق هي معركة الوعي، وحماية الأجيال من الأفكار التي تستخف بالحياة، وتبرر الكراهية، وتختزل الإنسان في دينه أو هويته أو اختلافه.
وهذا يتطلب عملا طويل النفس، يعزز مكانة التعليم، ويمنح الشباب فرصا حقيقية للمشاركة، ويكرس ثقافة الحوار، ويحارب خطاب التحريض، ويفتح المجال أمام المؤسسات المجتمعية للقيام بدورها في بناء إنسان يثق بوطنه، ويحترم الآخرين، ويدرك أن قوة المجتمع تنبع من تماسكه لا من إقصاء بعضه بعضا.
فلا يكفي أن نرفض الإرهاب حين تقع الجريمة؛ علينا أن نرفض مقدماته حين تبدأ بالكلمة المحرضة، والفكرة الإقصائية، ومحاولة نزع الكرامة عن الآخر. ولا يكفي أن نتحدث عن الوحدة الوطنية في أوقات الخطر؛ علينا أن نجعلها ممارسة يومية في المدرسة والجامعة والعمل والشارع، وفي كل مساحة تجمع الأردنيين.
إن المجتمع المتماسك لا يعني مجتمعا يخلو من الاختلاف، بل مجتمعا يعرف كيف يدير اختلافاته دون عنف، وكيف يحمي حقوق أفراده دون تمييز، وكيف يقف في وجه كل من يحاول أن يجعل من التنوع سببا للانقسام.
الأردن أقوى بتماسك أبنائه
تبقى التجارب القاسية امتحانا لقدرة الدول والمجتمعات على حماية ما يجمعها، لا مجرد اختبار لجهوزيتها في لحظة معينة. وفي هذا الامتحان، لا بد من الجمع بين أمن يحمي الأرواح، وعدالة تصون الحقوق، ووعي يواجه التطرف، وإعلام يحترم الحقيقة، ومجتمع يرفض أن تكون الكراهية لغة للتعامل بين أبنائه.
إن الإرهاب يسعى إلى أن يترك وراءه أكثر من ضحايا؛ يريد أن يترك خوفا دائما، وشكوكا متبادلة، ومسافات تتسع بين الناس، لكن مواجهة هذه الغايات تبدأ بالتمسك بالقانون، ورفض التحريض، وحماية كرامة الإنسان، وصون العلاقات الوطنية من كل محاولة للعبث بها.
فالأردن الذي واجه تحديات أمنية صعبة يدرك أن الاستقرار ليس أمرا عابرا، وأن حماية الوطن لا تقتصر على حدود جغرافية، بل تشمل حماية المجتمع من الانقسام، والإنسان من الخوف، والحقوق من الاعتداء.
وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة الأهم أن قوة الأوطان لا تظهر في غياب المحن وحده، بل في الطريقة التي تواجهها بها؛ في عدالة مؤسساتها، ووعي أبنائها، وقدرتها على التمسك بقيمها حين تشتد الأزمات.
فلا ينبغي للخوف أن ينتصر على الطمأنينة، ولا للكراهية أن تتقدم على المواطنة، ولا للعنف أن يسرق من الناس إيمانهم بحقهم في حياة آمنة وكريمة.
ذلك هو جوهر المواجهة الحقيقية مع التطرف: أن نحمي الإنسان، ونصون الوطن، ونثبت أن الاختلاف لا يهدم الأوطان حين تحكمه المواطنة، وأن العنف مهما اشتد لا يستطيع أن يكون بديلا عن القانون، ولا أن ينتزع من المجتمع حقه في التماسك والأمل والمستقبل.