الدجاج والماعز في مواجهة صحة أطفال الأردن.. ماذا بقي من مسؤولية الصناعة؟
من الشيبس إلى الدجاج والماعز.. هل نفدت حجج الدفاع عن المصانع؟
كتب محرر الشؤون المحلية
لم تكن التصريحات الصادرة عن رئيس غرفة صناعة عمّان بشأن قرار منع بيع الشيبس في المقاصف المدرسية مجرد مداخلة اقتصادية عابرة، بل فتحت نقاشاً يتجاوز منتجاً غذائياً بعينه، ليطال حدود الدفاع عن المصالح الصناعية، ومسؤولية المؤسسات تجاه صحة الأطفال، والأولويات التي ينبغي أن تحكم العلاقة بين الاقتصاد والصحة العامة.
وجاء في التصريحات الإذاعية أن من يريد منع الشيبس بسبب أضراره الصحية فعليه منعه من جميع المحال التجارية، لا المدارس وحدها، مع الإشارة إلى أن بعض المنتجات تباع بأسعار تتراوح بين 10 و15 قرشاً، والقول إن من يريد العيش بصحة يمكنه تربية الماعز والدجاج وتناول البيض البلدي والعيش في القرية.
وهنا يبرز السؤال: إذا كانت المنتجات محل النقاش لا تُعد بالضرورة خيارات غذائية صحية، فلماذا يصبح استمرار وصولها إلى الأطفال داخل المدارس قضية تستدعي الاعتراض؟ وهل ينبغي أن تتحول حاجة الأسر إلى منتجات رخيصة إلى مبرر للتساهل في المعايير الصحية، بدلاً من أن تكون حافزاً لتطوير بدائل صحية وميسورة الكلفة؟
إن انخفاض سعر المنتج لا يمنحه حصانة صحية، كما أن محدودية دخل الأسرة لا تبرر التعامل مع صحة أبنائها باعتبارها تفصيلاً يمكن تجاوزه. فالسعر معيار اقتصادي، أما السلامة والجودة والقيمة الغذائية فمعايير مستقلة لا يجوز الخلط بينها.
من الشيبس إلى الأمن الغذائي.. أين تقف حدود التهاون؟
المسألة لا تتعلق بكيس شيبس يُباع في مقصف مدرسي، بل بالرسالة التي قد تصل إلى المجتمع بشأن التعامل مع الغذاء الذي يصل إلى أيدي الأطفال، نحن لا نتهم المصانع الأردنية بإنتاج أغذية غير آمنة، ولا نعمّم حكماً صحياً على جميع منتجات الشيبس، فهذه مسائل تحسمها الأدلة العلمية والفحوص والجهات الرقابية المختصة، لكن من حق المجتمع أن يتساءل عن الأولويات التي تحكم هذا النقاش، وعن مدى استعداد القطاع الصناعي لتقديم الاعتبارات الصحية على حساباته التجارية عندما يتعارض الطرفان.
فإذا أصبح السعر المنخفض مبرراً للإبقاء على منتج محل اعتراض صحي، فما الذي يمنع انتقال المنطق نفسه إلى منتجات غذائية أخرى؟ وهل المطلوب أن يطمئن المواطن إلى أن ما يشتريه رخيص الثمن فحسب، أم أن يطمئن أيضاً إلى جودته وملاءمته الغذائية؟
إنها أسئلة تتصل بالثقة بمنظومة الغذاء بأكملها، فالترخيص القانوني لا يعني بالضرورة أن المنتج هو الخيار الغذائي الأفضل، واستمرار تداوله في الأسواق لا يلغي حق الجهات المختصة في تنظيم بيعه داخل بيئات محددة، وفي مقدمتها المدارس.
الصناعة الوطنية لا تُحمى على حساب صحة الأطفال
لا أحد ينكر أهمية المصانع الوطنية في توفير فرص العمل ودعم الإنتاج المحلي، كما أن أي قرار تنظيمي تترتب عليه آثار اقتصادية يستحق الدراسة والحوار، لكن حماية الصناعة لا تعني تحصين منتجاتها من التنظيم، ولا تجعل استمرار المبيعات مبرراً لتهميش الاعتبارات الصحية.
فالمدرسة ليست سوقاً تجارية عادية، والمقصف المدرسي ليس مجرد منفذ إضافي للبيع، بل جزء من بيئة تربوية يفترض أن تسهم في بناء العادات الغذائية السليمة. ولذلك، فإن القول إن الطفل يستطيع شراء الشيبس من المحال خارج المدرسة لا ينفي مبررات تنظيم بيئته الغذائية داخلها، فالسياسات الصحية لا تفقد جدواها لمجرد أن تطبيقها في مكان واحد لا يحل المشكلة في جميع الأماكن.
وإذا كانت المصانع تواجه خسائر نتيجة القرار، فالمطلوب تقديم بيانات دقيقة عن حجم الأثر الاقتصادي، وفتح حوار جاد مع الجهات المختصة، وتطوير بدائل تستوفي الاشتراطات الصحية وتحافظ على القدرة الشرائية للمستهلك. تلك هي مسؤولية الصناعة المبتكرة، لا الاكتفاء بالدفاع عن استمرار الوضع القائم.
المسؤولية المهنية تُقاس بما تقدمه للمجتمع، لا بما تدافع عنه وحده
من حق غرفة صناعة عمّان الدفاع عن مصالح أعضائها ومناقشة القرارات التي تؤثر في أعمالهم، لكن مسؤولية المؤسسة التمثيلية تتجاوز نقل مطالب القطاع إلى صياغة خطاب يوازن بين تلك المطالب والمصلحة العامة.
ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى تربية الدجاج والماعز والانتقال إلى القرية لا تقدم حلاً واقعياً للأسر الأردنية، ولا تجيب عن جوهر القضية: كيف يمكن توفير منتجات منخفضة الكلفة، جيدة النوعية، وملائمة غذائياً؟
وكان الأولى أن يكون السؤال الذي تتصدر به الغرفة هذا النقاش هو كيفية تطوير المنتجات وتحسينها، لا تصوير المخاوف الصحية وكأنها تجاهل للواقع الاقتصادي، فالأسر الأردنية ليست مطالبة بالاختيار بين منتج تستطيع شراءه ومنتج يُنصح أبناؤها بتناوله؛ بل من حقها أن تطالب بخيارات تجمع بين السعر المناسب والجودة والقيمة الغذائية.
صحة الأطفال ليست بنداً في حسابات الربح والخسارة
إن أخطر ما في هذا السجال ليس الخلاف على كيس شيبس أو سعره، بل أن يُفهم من الخطاب العام أن الاعتبارات الاقتصادية يمكن أن تتقدم على المخاوف الصحية، وأن انخفاض السعر قد يصبح مبرراً كافياً للتساهل في ما يصل إلى أطفالنا، وهذه رسالة لا يجوز الاستهانة بها، ولا سيما حين تصدر عن مؤسسة تمثيلية يُفترض أن تدافع عن الصناعة بمسؤولية، وأن تدرك أن ثقة المجتمع جزء من استدامة الإنتاج، وليست عبئاً عليه.
فالمصانع والعمال يستحقون سياسات عادلة تحمي استثماراتهم وأرزاقهم، والأطفال يستحقون في المقابل ألا تتحول احتياجاتهم الغذائية إلى تفصيل في حسابات الربح والخسارة، ولا تعارض بين الأمرين ما دامت الصناعة تتعامل مع المعايير الصحية باعتبارها أساساً للتطوير، لا عقبة أمام استمرار المبيعات.
الأوطان لا تحمي مستقبلها بالإنتاج وحده، بل بما تحرص على حمايته من خلال هذا الإنتاج، وأطفال الأردن ليسوا سوقاً ينبغي الحفاظ عليها، بل أمانة ومسؤولية وحق عام، وحين يتعلق الأمر بصحتهم، لا يكفي أن نسأل كم سننتج وكم سنبيع؛ بل يجب أن نسأل أيضاً ماذا ننتج، ولمن ننتج، وأي مستقبل نصنعه لأبنائنا، فالصناعة التي لا تضع صحة الإنسان في صميم أولوياتها تحتاج إلى مراجعة بوصلتها، لا إلى مطالبة المجتمع بتخفيض سقف توقعاته.
|
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه. |
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |
ضمن حملة (الوداد 7) .. عيادة زين المجانية المتنقّلة تقدّم خدماتها الصحية في معان
ضبط 5 آلاف تنكة زيت زيتون مغشوش داخل معصرة في لواء بني كنانة
توقيف ثلاثة موظفين من جامعة العلوم والتكنولوجيا 15 يومًا
كابيتال بنك يعلن الفائزين بجائزة أيلول بقيمة 50 ألف دينار لكل منهما
الربيع يؤدي اليمين الدستورية أمام الملك عضوا في المحكمة الدستورية
فريق طبي عراقي يستخرج 214 إبرة ودبوساً من بطن رجل