تاريخ النشر - 14-10-2026 07:51 PM عدد المشاهدات 89 | عدد التعليقات 0
الجمارك الأردنية .. عين على المهربين وأخرى على الاقتصاد

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون المحلية
بين ضبط المهربات وحماية المال العام وتطوير المعابر، تواصل دائرة الجمارك الأردنية أداء دور يتجاوز تحصيل الرسوم إلى حماية السوق، وتعزيز انسياب التجارة، وترسيخ بيئة اقتصادية أكثر كفاءة وعدالة.
ليست الجمارك الأردنية مجرد بوابة تعبر منها البضائع إلى الأسواق، ولا تقتصر مهمتها على تدقيق البيانات وتحصيل الرسوم، فهي إحدى المؤسسات التي تقف في قلب المعادلة الاقتصادية، حيث تلتقي حماية الحدود بصون المال العام، وتتكامل مكافحة التهريب مع تسهيل حركة التجارة، في مسؤولية يومية تمس الاقتصاد والمجتمع على حد سواء.
وعلى امتداد المعابر البرية والموانئ البحرية والمطارات، تواجه كوادر الجمارك تحديات متجددة، تتطلب يقظة ميدانية وكفاءة في التفتيش والتدقيق، وقدرة على التعامل مع حركة متواصلة من الشاحنات والبضائع والمسافرين، دون الإخلال بمتطلبات الرقابة أو تعطيل التجارة المشروعة.
عمليات الضبط.. أهمية الرقابة وحماية المجتمع
في ملف مكافحة التهريب، أعلنت دائرة الجمارك الأردنية عن ضبطيات نوعية في مركز حدود جابر خلال النصف الأول من عام 2026، شملت نحو 6 ملايين حبة كبتاغون، وكيلوات من مادة الكريستال المخدرة، إضافة إلى 19 ألف كروز من الدخان المهرب و11 ألف علبة من الجوس والسحبات الإلكترونية.
وتعكس هذه الضبطيات حجم المسؤولية الملقاة على عاتق الكوادر العاملة في المراكز الحدودية، وأهمية التعاون بين الجمارك والأجهزة الأمنية والرقابية في التصدي لمحاولات استغلال المنافذ لتمرير المواد الممنوعة.
ولا تتوقف جهود المكافحة عند المخدرات، بل تمتد إلى البضائع التي يجري إدخالها بطرق غير قانونية، والمخالفات التي تمس حقوق الخزينة والتجار الملتزمين، كما أعلنت الدائرة عن قضايا ضبط أجهزة خلوية في مطار الملكة علياء الدولي، من بينها قضية قدرت فيها الرسوم والغرامات بنحو 89 ألف دينار، وأخرى بلغت فيها قيمة الأجهزة المضبوطة نحو 92 ألف دينار، مع استيفاء غرامات جمركية بقيمة 23 ألف دينار.
وتحمل هذه الوقائع بعدا اقتصاديا مهما، فالتهريب لا يعني مجرد مخالفة للتعليمات، بل قد يخل بتكافؤ الفرص في السوق، ويمنح المخالف ميزة غير مشروعة على حساب التاجر الذي يلتزم بالتشريعات والرسوم المستحقة، ومن هنا، فإن مكافحة التهريب تمثل جزءا من حماية الاقتصاد وتعزيز الثقة بعدالة الإجراءات.
المعابر.. حيث تلتقي الرقابة بانسياب التجارة
في المقابل، لا تقاس كفاءة العمل الجمركي بعدد الضبطيات وحدها، بل بقدرة المراكز على إنجاز المعاملات بكفاءة، وتسهيل حركة البضائع والمسافرين، ومعالجة العقبات التي قد تؤثر في سلاسل التوريد.
وتبرز العقبة في هذا السياق بوصفها منفذا بحريا رئيسيا للتجارة الأردنية، ومحورا تتداخل فيه أعمال الجمارك مع الموانئ والملاحة والنقل والتخليص والخدمات اللوجستية، وفي جولة ميدانية بالعقبة، بحث مدير عام الجمارك الأردنية أحمد العكاليك مع الجهات المعنية سير العمل، وسبل تبسيط الإجراءات، وتعزيز التسهيلات المقدمة للقطاعين التجاري والسياحي، ومعالجة التحديات التي تواجه العمليات الجمركية.
وتعكس هذه اللقاءات أهمية العمل المشترك بين المؤسسات، فسرعة إنجاز المعاملات الجمركية لا ترتبط بجهة واحدة، بل بمنظومة متكاملة تبدأ من وصول البضاعة، وتمر بإجراءات الفحص والتخليص، وتنتهي بانتقالها إلى وجهتها النهائية.
وكلما تحسنت كفاءة هذه المنظومة، ازدادت قدرة الشركات على التخطيط لتكاليفها ومواعيد تسليم شحناتها، وتحسنت البيئة التشغيلية للتجارة والاستثمار، لكن تحقيق ذلك يتطلب أن تقترن الزيارات الميدانية بقرارات عملية، وأن تخضع الإجراءات للمراجعة المستمرة، بما يختصر الوقت دون المساس بمتطلبات الرقابة.
الزيارات الميدانية.. متابعة التفاصيل وصناعة الحلول
تكتسب الجولات التفقدية أهميتها من قدرتها على نقل متابعة الأداء من التقارير المكتبية إلى واقع العمل اليومي؛ حيث تظهر طبيعة التحديات التي تواجه الموظفين والمتعاملين، وتبرز فرص تحسين الإجراءات وتطوير الخدمات.
وفي مركز حدود جابر، شملت المتابعة الميدانية الاطلاع على سير العمل وأقسام المركز ومظلات التفتيش والساحات الجمركية ووحدة الصادر، إلى جانب متابعة حركة الشاحنات والبضائع والمسافرين.
كما شملت جهود تحديث الخطة الاستراتيجية للجمارك للأعوام 2026–2028 جلسات عمل وزيارات إلى عدد من المراكز، من بينها جمرك عمّان، وجمرك المنطقة الحرة في الزرقاء، ومركز جمرك العقبة، ومركز جمرك حدود العقبة، ومركز التجارة الإلكترونية.
وتبرز أهمية هذه الخطوات في ربط التخطيط المؤسسي بالتحديات الفعلية في الميدان، والاستماع إلى الموظفين والشركاء، وتحديد الأولويات التي تحتاج إلى معالجة.
فالزيارة الميدانية لا تكتمل بمجرد الاطلاع على سير العمل، بل تتجسد قيمتها في متابعة ما ينتج عنها من قرارات، ومدى انعكاسها على جودة الخدمة وسرعة التخليص ومعالجة الاختناقات، وهذه هي المعايير التي تجعل المتابعة أداة للتطوير المستدام، لا مجرد نشاط إداري.
التطوير المؤسسي.. استثمار في كفاءة الأداء
وفي إطار تطوير البنية التحتية وترشيد الإنفاق، افتتح مدير عام الجمارك مشروع توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية في جمرك عمّان الماضونة، بقدرة إنتاجية تبلغ 990 كيلوواط، بهدف تغطية احتياجات المركز من الكهرباء وخفض كلف الاستهلاك وتعزيز الاعتماد على الطاقة النظيفة.
ويعكس المشروع توجها نحو تحسين كفاءة استخدام الموارد في المرافق الجمركية، فيما يتطلب تحديد أثره المالي الفعلي بيانات عن الإنتاج السنوي والوفر المحقق مقارنة بكلف الاستهلاك السابقة.
وعلى مستوى التميز المؤسسي، أطلقت الدائرة جائزة التميز بين المديريات والمراكز الجمركية لعام 2025، كما أعلنت فوزها بالمركز الأول ضمن فئة أفضل مؤسسة حكومية عربية في جائزة التميز الحكومي العربي لعام 2025.
وتمثل هذه المبادرات محطات في مسار تطوير الأداء، لكن القيمة الحقيقية للتميز المؤسسي تظهر عندما يلمس المتعامل أثره في الخدمة اليومية، من وضوح المتطلبات وسرعة الإنجاز، إلى تحسين الإجراءات وتعزيز الشفافية وتطبيق القواعد على الجميع.
حماية المال العام.. مسؤولية تحتاج إلى أرقام واضحة
يمثل تحصيل الرسوم والضرائب المستحقة ومواجهة التهرب الجمركي أحد الأدوار الأساسية للدائرة، لما له من أثر في حماية الإيرادات العامة وتعزيز الالتزام بالتشريعات.
غير أن تقييم هذا الجانب يتطلب التمييز بين قيمة البضائع المضبوطة، والرسوم والغرامات المقدرة، والمبالغ التي جرى تحصيلها فعليا، كما أن ارتفاع عدد الضبطيات وحده لا يكفي للحكم على اتجاه التهريب إذ ينبغي قراءته إلى جانب حجم حركة التجارة، وطبيعة القضايا، وفاعلية إجراءات الرقابة.
ومن هنا، تبرز أهمية نشر مؤشرات مالية وتشغيلية محدثة تساعد على قياس النتائج بصورة دقيقة، وتوضح أثر التطوير في الإيرادات، وزمن التخليص، وحركة البضائع والمسافرين، ومستوى الخدمات المقدمة للمتعاملين.
فالاقتصاد يحتاج إلى رقابة فاعلة تحمي حقوق الدولة، كما يحتاج إلى إجراءات واضحة تمنح التاجر الملتزم القدرة على إنجاز أعماله بثقة واستقرار.
معادلة واحدة.. حماية الاقتصاد وتسهيل التجارة
إن المسؤولية التي تتحملها دائرة الجمارك الأردنية تتجاوز ضبط المخالفات إلى الإسهام في بناء بيئة تجارية أكثر كفاءة، تجمع بين حماية الحدود، وصون الإيرادات العامة، ومكافحة التهريب، وتسهيل حركة البضائع والمسافرين.
وتزداد أهمية هذا الدور في ظل الحاجة إلى تعزيز تنافسية الاقتصاد الأردني، وتحسين كفاءة سلاسل التوريد، وتوفير إجراءات واضحة للقطاع الخاص، بما يدعم التجارة والاستثمار ويعزز الثقة بالمؤسسات.
وفي هذا السياق، لا يكمن التحدي في الاختيار بين الرقابة والتسهيل، بل في القدرة على تحقيقهما معا، رقابة تستهدف المخاطر بكفاءة، وإجراءات لا تثقل كاهل التجارة المشروعة، ومتابعة ميدانية تتحول إلى حلول قابلة للقياس، وتطوير مؤسسي ينعكس على حياة الناس وأعمالهم.
فكل عملية تهريب يجري إحباطها وفق القانون تمثل خطوة في حماية الاقتصاد والمجتمع، وكل إجراء يختصر الوقت على التاجر الملتزم يسهم في تعزيز كفاءة التجارة، وكل تطوير في المعابر والخدمات يضيف قيمة إلى قدرة الأردن على المنافسة.
وهنا تتجسد أهمية الجمارك الأردنية ، مؤسسة تحمي الحدود والمال العام، وفي الوقت نفسه تسهم في تهيئة بيئة اقتصادية أكثر انضباطا وكفاءة، يكون فيها الالتزام بالقانون أساسا للمنافسة، وتكون فيها جودة الخدمة جزءا من حماية الاقتصاد الوطني وتعزيز فرص نموه.
جدير بالذكر أن دائرة الجمارك الأردنية شهدت تطورات ملموسة على خدماتها ورقابتها، مؤسسة وطنية قادرة على إدارة دفة الاقتصاد بالشراكة مع مؤسسات الدولة الأخرى.