تاريخ النشر - 12-10-2026 09:43 PM عدد المشاهدات 179 | عدد التعليقات 0
الوزير القوي والأمين العام الضعيف .. معادلة تربك الأداء الحكومي

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون المحلية:
أمين عام بمهام وزير.. ووزير خارج تفاصيل وزارته
في الإدارة الحكومية الأردنية، ثمة سؤال لا يحظى بما يستحقه من نقاش: لماذا تنجح بعض الوزارات في تحريك ملفاتها، بينما تبدو أخرى عاجزة عن تحويل الخطط والوعود إلى نتائج ملموسة؟ هل المشكلة في الإمكانات، أم في البيروقراطية، أم في الأشخاص الذين يتولون إدارة هذه المؤسسات؟ أم أن الخلل يبدأ من العلاقة بين الوزير والأمين العام، حيث تُصنع القرارات وتُعطل، وتُحدد الأولويات أو تضيع في دهاليز الإدارة؟.
الحقيقة أن وجود وزير قوي لا يعني بالضرورة أن الوزارة قوية، كما أن وجود أمين عام خبير لا يضمن وحده نجاح المؤسسة، لكن المقلق أن تتحول بعض الوزارات إلى رهينة لهذه المعادلة ، وزير يمتلك الرؤية والحضور والقدرة على اتخاذ القرار، لكنه يصطدم بإدارة تقليدية لا تواكب متطلبات المرحلة، أو أمين عام غير قادر على يتحمل عبء إدارة الملفات، بينما يبدو دور الوزير أقل من مستوى المسؤولية السياسية الملقاة على عاتقه.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: حين يصبح نجاح الوزارة مرتبطا بشخص، وفشلها مرتبطا بشخص آخر، فأين هي المؤسسة؟.
في بعض الحالات، يبدو الوزير أكثر حضورا وقدرة على التحرك من جهازه التنفيذي، فتتقدم التصريحات على الإنجازات ، وتُعلن الخطط قبل أن تتوافر الأدوات القادرة على تنفيذها، وقد تكون الرؤية موجودة، لكن الإدارة لا تتحرك بالسرعة المطلوبة، فتظل المبادرات معلقة، وتتراكم الملفات، وتتسع الفجوة بين ما يُقال وما يتحقق، وفي هذه الحالة، لا يجوز إعفاء الإدارة التنفيذية (الأمين العام) من مسؤوليتها، كما لا يجوز للوزير أن يكتفي بإعلان الأهداف ثم يتعامل مع تعثر التنفيذ وكأنه شأن لا يعنيه.
وفي حالات أخرى، تنقلب المعادلة رأسا على عقب، أمين عام يعرف تفاصيل الوزارة، ويتابع ملفاتها، ويدير شؤونها اليومية، حتى يبدو وكأنه الوزير الفعلي، بينما يغيب الدور القيادي الذي يفترض أن يحدد الاتجاه ويحسم الأولويات ويتابع النتائج، وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاهله: إذا كان الأمين العام هو من يدير معظم التفاصيل ويضمن استمرار العمل، فما القيمة المضافة التي تقدمها القيادة السياسية (الوزير) إذا لم تنعكس على أداء الوزارة ونتائجها؟.
المشكلة ليست في أن يكون الأمين العام قويا أو صاحب خبرة، بل في أن تتحول كفاءته إلى تعويض دائم عن ضعف الوزير ، أو أن يصبح نجاح المؤسسة معتمدا على جهوده الفردية، فالإدارة التنفيذية ليست بديلا عن الوزير، كما أن الوزير ليس مجرد واجهة سياسية لجهاز إداري يتحرك بمعزل عن توجيهاته، بل لكل منهما مسؤوليات محددة، وأي خلل في هذه المعادلة يجب ألا يتحول إلى مساحة رمادية يتبادل فيها المسؤولون الأدوار فيما تضيع المسؤولية.
أما الأسوأ، فهو أن تتحول العلاقة بين الوزير والأمين العام إلى صراع نفوذ، أو سباق على من يملك القرار الأخير، عندها تصبح الصلاحيات ساحة خلاف، ويصبح الموظفون أمام توجيهات متباينة، وتتحول الإجراءات البيروقراطية إلى ذريعة إضافية لتعطيل العمل، وفي نهاية المطاف، يدفع المواطن ثمن هذه الحسابات من وقته وخدماته، بينما تبقى الوزارة منشغلة بمشكلاتها الداخلية أكثر من انشغالها بمهمتها الأساسية.
وفي الأردن، لا يمكن التعامل مع هذه المسألة باعتبارها شأنا إداريا داخليا لا يعني الجمهور، فالحكومة تتحدث عن تحديث القطاع العام، ورفع كفاءة المؤسسات، وتحسين الخدمات، وتعزيز المساءلة، لكن هذه الأهداف لن تتحقق بمجرد تغيير الهياكل التنظيمية أو إطلاق برامج التحديث، إذا بقيت بعض المؤسسات أسيرة أساليب إدارية "كلاسيكية" لا تتناسب مع حجم التحديات، أو علاقات عمل لا تقوم على وضوح المسؤوليات والتكامل في الأداء.
والسؤال الأكثر إلحاحا يتعلق بالمساءلة، عندما تتأخر المشاريع، أو تتراجع جودة الخدمات، أو تفشل وزارة في تحقيق أهدافها المعلنة، من يُسأل عن ذلك؟ هل يُكتفى بمحاسبة الموظف الذي يقف في نهاية سلسلة التنفيذ، بينما تبقى مستويات القيادة والإدارة بعيدة عن التقييم المبني على النتائج؟ وهل تخضع العلاقة بين الوزير والأمين العام نفسها للمراجعة، أم أن هذا الجانب يظل خارج النقاش حتى تتفاقم المشكلات؟
ثم ماذا يحدث عندما يتولى الوزير أكثر من حقيبة؟ هل توجد آليات تضمن أن تحصل كل وزارة على المتابعة السياسية اللازمة، أم أن الإدارة التنفيذية تُترك لتواجه الملفات وحدها، ثم تُحاسب على نتائج لا تملك دائما صلاحية تحقيقها؟ تعدد المسؤوليات لا يعني تلقائيا ضعف الأداء، لكنه يفرض وضوحا أكبر في توزيع الأدوار، ومتابعة أكثر انتظاما، ومساءلة لا تتوقف عند حدود الموقع الإداري.
إن الخلل في بعض الوزارات قد لا يكون نقصا في الكفاءات بقدر ما يكون سوءا في توظيفها، أو غموضا في الصلاحيات، أو غيابا للمحاسبة الفعلية، وقد تجد الوزارة من الكفاءات ما يكفي لإنجاز أعمالها، لكنها لا تملك قيادة متكاملة تجمع بين القرار والتنفيذ والمتابعة، وفي هذه الحالة، لا تكون المشكلة في غياب الخطط، بل في إدارة لا تستطيع تحويلها إلى نتائج.
ولذلك، فإن المطلوب من الحكومة ليس البحث عن الوزير الأكثر حضورا، أو الأمين العام الأكثر نفوذا، بل تقييم أداء الوزارات على أساس ما تحقق فعليا، ومراجعة أسباب التعثر، وتحديد المسؤولية بوضوح.
فعدد الاجتماعات والتصريحات واللجان لا يصنع إنجازا بذاته، والتقارير التي تتحدث عن نسب التنفيذ لا تكفي إذا لم تنعكس النتائج على حياة المواطنين وجودة الخدمات.
الوزارة ليست ملكا للوزير، وليست إدارة خاصة بالأمين العام، وليست ساحة لتصفية الحسابات أو اختبار النفوذ، انها مؤسسة عامة، وكل موقع فيها مسؤولية يجب أن تقاس بنتائجها.
فالمواطن الأردني لا يعنيه من ينتصر في الخلافات داخل الوزارة، ولا من يمتلك الكلمة الأقوى في اجتماعاتها، ما يعنيه أن يجد مؤسسة تنجز، وقرارا ينفذ، وخدمة تتحسن، ومسؤولا يتحمل نتيجة عمله أو تقصيره.
أما الوزارة التي لا تستطيع أن تعمل بكفاءة إلا بوجود شخص بعينه، أو تتعطل لأن الوزير والأمين العام لا يعرفان كيف يعملان معا، فمشكلتها أعمق من خلاف إداري؛ إنها مشكلة في بناء المؤسسة وفي مفهوم المسؤولية العامة.