-

اسرار وخفايا

تاريخ النشر - 06-10-2026 12:36 PM     عدد المشاهدات 167    | عدد التعليقات 0

الهاشمية نيوز تُقدم قراءة اقتصادية شاملة في مشروع سكة العقبة–الشيدية–معان

الهاشمية نيوز - لم يكن الحجر الذي وُضع أمس في العقبة مجرد حجر أساس لخط من الحديد، ولا مجرد إعلان عن مشروع جديد في قطاع النقل، فالمشهد الذي جمع جلالة الملك عبدالله الثاني وولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، يحمل في خلفيته قصة اقتصادية أكبر بكثير من السكة نفسها.
فحين تبدأ عجلات القطارات مستقبلا بالحركة من الشيدية وغور الصافي باتجاه العقبة، فإن ما سيتحرك معها ليس الفوسفات والبوتاس وحدهما، وإنما جزء من معادلة الاقتصاد الأردني: كلفة النقل، تنافسية الصادرات، كفاءة الموانئ، الاستثمار، الخدمات اللوجستية، وفرص النمو في محافظات الجنوب.
ومن هنا، فإن مشروع سكة حديد ( العقبة الشيدية معان) يستحق أن يُقرأ باعتباره مشروعا اقتصاديا قبل أن يكون مشروعا للنقل.

الديوان الملكي الأردني وصف المشروع بأنه أحد أبرز مشاريع النقل السككي في الأردن، فيما أوضحت المعطيات الرسمية أنه يستهدف رفع كفاءة نقل منتجات التعدين وخفض كلف النقل وتعزيز تنافسية الصادرات الأردنية، وترسيخ مكانة ميناء العقبة كمركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية، ومن المتوقع أن تنقل المرحلة الأولى قرابة 13 مليون طن من الفوسفات سنويا من الشيدية إلى العقبة، مع تكامل المشروع مع ميناء معان البري.

2.5 مليار دولار.. عندما يتحول الحديد إلى استثمار

بحسب وكالة أنباء الإمارات، فإن المشروع تطوره الشركة الأردنية الإماراتية للقطارات باستثمار أردني–إماراتي يصل إلى نحو 2.5 مليار دولار، ويتضمن شبكة سكك حديدية بطول 403 كيلومترات.

وهنا تبدأ القراءة الاقتصادية الحقيقية.

فالـ2.5 مليار دولار ليست فقط تكلفة لإنشاء مسارات وقاطرات وجسور وأنفاق، وإنما كتلة استثمارية تدخل في الاقتصاد عبر سلسلة طويلة من الأنشطة، تبدأ بالإنشاءات والهندسة والمقاولات، ولا تنتهي عند التشغيل والصيانة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والتدريب.
وبحسب التغطيات الدولية، يتضمن المشروع إنشاء نحو 55 جسرا وستة أنفاق ومنشآت هندسية مرتبطة بالشبكة، كما يتوقع أن يوفر نحو 5 آلاف فرصة عمل، إلى جانب نشاط اقتصادي في قطاعات الهندسة والإنشاء والصيانة والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا، وهذا يعني أن السؤال الاقتصادي لا يجب أن يتوقف عند: كم تبلغ كلفة المشروع؟، بل السؤال الأهم هو: كم فرصة اقتصادية يمكن أن تنشأ حول هذا المشروع؟.

من المنجم إلى الميناء.. إزالة حلقة من كلفة التصدير

في الاقتصاد، لا تكفي وفرة المنتج إذا كانت تكلفة وصوله إلى السوق مرتفعة، والأردن يمتلك ثروات تعدينية تشكل الفوسفات والبوتاس جزءا أساسيا منها، لكن رحلة هذه المنتجات من مناطق الإنتاج إلى الموانئ والأسواق العالمية تتطلب منظومة نقل قادرة على التعامل مع أحجام ضخمة من البضائع بكفاءة واستمرارية، وهنا يأتي مشروع السكة.
فالمشروع مصمم لربط مناطق التعدين في الشيدية وغور الصافي بميناء العقبة، بما يوفر مسارا مباشرا وأكثر كفاءة لنقل المنتجات التعدينية إلى بوابة التصدير، وتُقدّر التغطيات المتخصصة الوفر في تكاليف نقل الفوسفات والبوتاس بنحو 40 مليون دولار سنويا، قد يبدو الرقم، للوهلة الأولى، مجرد وفر تشغيلي، لكن في اقتصاد الصادرات، تخفيض كلفة نقل الطن يعني مساحة أكبر أمام المنتج الأردني للمنافسة في الأسواق الخارجية.
فكل دولار يتم توفيره في سلسلة النقل يمكن أن ينعكس على كلفة المنتج، أو على هامش المنتج والمصدر، أو على القدرة التنافسية أمام منتجات منافسة تأتي من أسواق أخرى، وبالتالي فإن السكة لا تضيف فقط وسيلة نقل جديدة؛ة، بل يمكن أن تخفض كلفة الوصول إلى السوق العالمي.

13 مليون طن.. الرقم الذي يشرح أهمية المشروع

المرحلة الأولى تستهدف نقل قرابة 13 مليون طن من الفوسفات سنويا من الشيدية إلى العقبة، فيما تشير التغطيات الدولية إلى أن الشبكة مصممة للتعامل مع نحو 16 مليون طن سنويا من الفوسفات والبوتاس، وهنا تظهر أهمية التمييز بين الرقمين.
فالـ13 مليون طن ترتبط بالمرحلة الأولى الخاصة بنقل الفوسفات من الشيدية، بينما الـ16 مليون طن تعكس الطاقة التصميمية المشار إليها للفوسفات والبوتاس، والأهم من الرقمين هو ما يمثلانه: حجم تدفق ضخم من السلع الأساسية عبر مسار لوجستي واحد باتجاه العقبة.
وهذا يرفع من أهمية البنية التحتية التي تستقبل هذه الكميات وتتعامل معها، من السكك إلى الموانئ والمناطق الصناعية والخدمات اللوجستية.

العقبة.. من ميناء إلى عقدة لوجستية

هنا ربما تكمن واحدة من أهم زوايا المشروع
فالعقبة لا تستقبل السكة باعتبارها مجرد نهاية لمسار حديدي انما باعتبارها نقطة التقاء بين الإنتاج الأردني والأسواق العالمية.
والمشروع، بحسب اقتصاديين ، يستهدف ترسيخ مكانة ميناء العقبة كمركز إقليمي للنقل والخدمات اللوجستية، كما أن ارتباطه بميناء معان البري يفتح المجال أمام نقل البضائع المختلفة بكفاءة بين العقبة ومعان، وهذا يعني أن القيمة الاقتصادية للمشروع يمكن أن تتجاوز نقل المعادن.
فكلما زادت قدرة العقبة على استقبال البضائع وتخزينها ومناولتها وإعادة تصديرها، زادت الحاجة إلى شركات النقل والخدمات اللوجستية والمستودعات والصيانة والتأمين والتخليص والخدمات المرتبطة بالتجارة، بمعنى آخر:السكة يمكن أن تولد اقتصادا حولها، وليس فقط إيرادات من تشغيلها

الجنوب.. المستفيد الذي يجب ألا يُختزل في الوظائف

غالبا ما تقاس مشاريع البنية التحتية بعدد فرص العمل التي توفرها، وهذا مهم، لكنه ليس كل القصة، فالمشروع يمتد في قلب الجنوب الأردني، ويربط مناطق الإنتاج بميناء العقبة، وإذا رافق تشغيله توسع في الخدمات والصناعات المرتبطة بالنقل والتعدين واللوجستيات، فإن أثره يمكن أن يتجاوز الوظيفة المباشرة إلى خلق طلب جديد على الأعمال والخدمات المحلية، وهنا تصبح التنمية الإقليمية جزءا من المعادلة.
فكل استثمار كبير في البنية التحتية يمكن أن يتحول إلى منصة لاستثمارات أخرى إذا توافرت حوله البيئة المناسبة.
ولهذا فإن العائد الحقيقي على المشروع لن يقاس فقط بعدد الكيلومترات التي ستبنى، وإنما بعدد الأنشطة الاقتصادية التي ستتحرك على جانبي هذه الكيلومترات.

من طريق الشاحنات إلى شبكة أكثر كفاءة

المشروع يأتي أيضا في سياق إعادة تنظيم حركة نقل المعادن، وتشير التغطيات إلى أن السكة ستوفر بديلا عن الطريق الذي تنقل عبره شاحنات البوتاس من غور الصافي باتجاه العقبة، كما ستعيد إحياء نقل الفوسفات بالسكك من الشيدية إلى الميناء، وهنا تظهر فوائد اقتصادية إضافية لا تختصرها قيمة الوفر المباشر في تكاليف النقل.
فالنقل السككي للبضائع السائبة ذات الأحجام الكبيرة يمكن أن يرفع كفاءة الحركة، ويخفف الضغط عن شبكة الطرق، ويعيد توزيع جزء من حركة الشحن الثقيل إلى وسيلة مصممة أصلا للتعامل مع الكميات الكبيرة، وبالتالي، فإن المشروع يمس في الوقت نفسه قطاع النقل، وقطاع التعدين، والموانئ، واللوجستيات، والتجارة الخارجية.
وهذه هي النقطة التي تجعل وصفه بأنه "مشروع سكة حديد" وحده أقل من حجمه الاقتصادي الحقيقي.

الشراكة الأردنية الإماراتية.. رأس مال وخبرة وسوق

البعد الآخر في المشروع هو الشراكة الأردنية الإماراتية، فالاستثمار المعلن، الذي يصل إلى نحو 2.5 مليار دولار، يأتي ضمن مشروع تطوره الشركة الأردنية الإماراتية للقطارات، لكن أهمية الشراكة لا تقاس فقط بحجم رأس المال، فالاستثمارات الكبرى في البنية التحتية تحتاج إلى تمويل، وخبرة فنية، وإدارة، وقدرة على التنفيذ والتشغيل، فضلا عن رؤية طويلة الأمد للعائد الاقتصادي.
ومن هذه الزاوية، فإن المشروع يقدم نموذجا للشراكة التي لا تنتهي عند تمويل مشروع، وإنما ترتبط ببناء أصل اقتصادي يمكن أن يخدم قطاعات أخرى لسنوات طويلة.

هل تبدأ الحكاية من الفوسفات وتنتهي عنده؟

ربما لا، فالمشروع يأتي ضمن خطة أوسع لإنشاء شبكة سكة الحديد الوطنية، ويعده أحد أبرز مشاريع رؤية التحديث الاقتصادي، كما أن الاتفاقيات الموقعة في نيسان الماضي تضمنت إنشاء مسارات بطول 360 كيلومترا لنقل صادرات الفوسفات والبوتاس من الشيدية وغور الصافي إلى العقبة.

وهنا يصبح السؤال الاقتصادي الأهم للمستقبل:
هل ستكون هذه السكة خطا لنقل التعدين، أم نواة لشبكة لوجستية وطنية أوسع؟
الإجابة ستتوقف على كيفية تطوير المراحل اللاحقة، ومدى ربط الشبكة بالمناطق الصناعية ومراكز الإنتاج والموانئ والمنافذ الحدودية، وقدرتها على استقطاب حركة شحن إضافية.
إذا توسعت الشبكة، فإن العائد الاقتصادي المحتمل لن يبقى محصورا في الفوسفات والبوتاس.

السكة في لحظة إقليمية مختلفة

لا يمكن أيضا فصل المشروع عن التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد، فالأزمات الإقليمية واضطرابات طرق التجارة أثبتت خلال السنوات الأخيرة أن الدول لا تبحث فقط عن أقصر طريق، وإنما عن طرق أكثر أمنا واستمرارية ومرونة.
وهنا يمكن للأردن أن ينظر إلى موقعه الجغرافي باعتباره فرصة اقتصادية إذا استطاع تحويل الجغرافيا إلى بنية تحتية قادرة على خدمة التجارة، لكن ذلك يتطلب أكثر من خط حديد، انما يتطلب ميناء فعالا، وشبكة طرق، ومناطق لوجستية، ومراكز تخزين، ومناطق صناعية، وتشريعات استثمارية، وخدمات جمركية ورقمية سريعة، أي أن السكة هي جزء من منظومة، وليست المنظومة كلها.

الاستثمار الحقيقي يبدأ بعد وضع حجر الأساس

وهنا، ربما تكون أهم رسالة اقتصادية في مشروع الأمس أن وضع حجر الأساس ليس نهاية القصة، بل هو بداية الاختبار الحقيقي، فالأسئلة المقبلة ستكون أكثر أهمية من مراسم الأمس: هل ينفذ المشروع ضمن الجدول الزمني والتكلفة المستهدفة؟، هل تتحول وفورات النقل إلى قدرة أكبر على المنافسة في الأسواق العالمية؟، هل تستطيع الشركات الأردنية الدخول في سلسلة التوريد والإنشاء والتشغيل؟، هل تنشأ صناعات وخدمات جديدة حول الخط؟، هل تستفيد محافظات الجنوب من المشروع بما يتجاوز فرص العمل المؤقتة؟، وهل تستطيع العقبة أن تستثمر هذه البنية التحتية لتعزيز موقعها كمركز إقليمي للخدمات اللوجستية؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد في النهاية حجم العائد الاقتصادي الحقيقي.

ليست سكة حديد.. بل اختبار لقدرة الاقتصاد على الحركة

يجدر ذكره انه يمكن النظر إلى مشروع سكة حديد العقبة–الشيدية–معان باعتباره أحد المشاريع التي تضع البنية التحتية في قلب معادلة النمو الاقتصادي الأردني، فالحديد هنا لا يربط نقطتين على الخريطة فقط.
إنه يربط المنجم بالمصنع، والمصنع بالميناء، والميناء بالسوق، والاستثمار بالنمو، وإذا نجح المشروع في تحقيق أهدافه المعلنة، فإن أثره لن يظهر فقط في عدد القطارات التي ستصل إلى العقبة، ولا في عدد الأطنان التي ستُنقل سنويا، بل سيظهر في السؤال الأهم:
كم ستصبح كلفة الأردن أقل، وصادراته أكثر قدرة على المنافسة، وعقبتُه أكثر قدرة على لعب دورها كبوابة اقتصادية إلى العالم؟، فالسكة، في نهاية المطاف، ليست الحديد الذي يوضع على الأرض، السكة هي الاقتصاد الذي يمكن أن يتحرك فوقه.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :