-

اسرار وخفايا

تاريخ النشر - 06-10-2026 09:55 AM     عدد المشاهدات 114    | عدد التعليقات 0

البنك الأهلي الأردني يُغلق بابه بوجه العملاء .. ماذا يحدث في الأهلي الأردني

الهاشمية نيوز - ليس كل ما يسمى "تطويرا" يشعر به المواطن تطويرا، وليس كل قرار تتخذه الإدارة خلف أبواب مجالس الإدارة يصل إلى العميل بالصورة التي رُسمت له على الورق، وفي عالم البنوك، قد تبدو الأرقام وحدها جميلة: أرباح، موجودات، ودائع، تسهيلات، واستثمارات في التكنولوجيا، لكن البنك في النهاية ليس مجرد ميزانية سنوية، ولا مجرد تطبيق على هاتف ذكي؛ البنك علاقة يومية بين مؤسسة وعميل، والثقة فيها لا تقاس فقط بحجم الأرباح، وإنما أيضا بمدى سهولة وصول المواطن إلى أمواله وخدماته وموظفيه وفرعه الذي اعتاد عليه.
من هنا تبدأ الحكاية التي وصلت إلى "الهاشمية نيوز" من عملاء للبنك الأهلي الأردني، بينهم عملاء كبار، يحملون شكاوى وتساؤلات تتجاوز إغلاق فرع هنا أو هناك، لتصل إلى سؤال أكبر: ماذا يحدث داخل البنك الأهلي الأردني، وإلى أين تمضي سياسة إعادة هيكلة شبكة الفروع، وما الذي تحمله الإدارة الجديدة للبنك ؟.

الحديث المتداول بين عدد من العملاء يرتبط بإغلاق فروع كان لها حضور فعلي في مناطقها، من بينها فرع بيادر وادي السير، وفرع المنطقة الحرة، وفرع مؤتة في الكرك، إلى جانب فروع أخرى، وما ترتب على ذلك، بحسب شكاوى العملاء، من انتقال جزء من الضغط إلى فروع بديلة، وازدياد المسافة التي يحتاجها المواطن للوصول إلى الخدمة المصرفية.
وهنا لا نتحدث عن مواطن يذهب إلى البنك مرة واحدة في العام، هناك رواتب، وحسابات، وحوالات، وشيكات، وتسهيلات، ومعاملات يومية، ومتقاعدون، وأصحاب أعمال، وعائلات، وشرائح من العملاء لا تزال ترى في الفرع المصرفي المكان الطبيعي والآمن لإنجاز معاملاتها، فهل يصبح إغلاق الفرع بالنسبة للبنك قرارا إداريا بسيطا؟، بينما يتحول بالنسبة للعميل إلى رحلة إضافية وتكلفة إضافية ووقت إضافي يُهدر من يومه؟.
عندما يغلق بنك فرعا، فإنه قد يخفض إيجارا ومصاريف تشغيلية وتكاليف إدارية، وقد يكون القرار منطقيا اقتصاديا إذا أثبتت الدراسات أن الفرع لم يعد مجديا، لكن هناك طرفا آخر في المعادلة هو العميل، فالعميل الذي كان ينجز معاملته على بعد دقائق من منزله أو مكان عمله قد يجد نفسه مضطرا إلى قطع مسافة أطول، ودفع المزيد من ثمن المحروقات، والدخول في ازدحامات مرورية، ثم الوصول إلى فرع آخر أكثر اكتظاظا.
بمعنى آخر، قد تكون الكلفة قد خرجت من دفاتر البنك، لكنها لم تختف، وربما انتقلت إلى جيب العميل ووقته وأعصابه.

وهذه ليست مسألة عاطفية، إنها مسألة اقتصادية بامتياز، فما قيمة "رفع الكفاءة التشغيلية" إذا كان جزء من هذه الكفاءة يتحقق عبر تحميل العميل كلفة الوصول إلى الخدمة؟ وما قيمة الاستثمار في تجربة العميل الرقمية إذا كان العميل نفسه يقول إنه يريد فرعا قريبا وموظفا أمامه؟.
هنا تزداد الأسئلة ثقلا، الأرقام الرسمية المنشورة لا تشير إلى أن البنك الأهلي الأردني يعيش حالة انهيار مالي، بل على العكس، فقد سجل البنك 21.3 مليون دينار صافي أرباح بعد الضريبة في 2025، بعد أن بلغ صافي الربح نحو 17.8 مليون دينار في 2024، كما أن البنك ظل يمتلك قاعدة مصرفية كبيرة من الموجودات والودائع والتسهيلات.
وبالتالي فإن السؤال ليس: هل البنك قادر على الاستمرار؟ السؤال الأكثر دقة هو: لماذا هذا التقليص في شبكة الفروع الآن؟ وما مقدار الوفر الذي تستهدفه الإدارة؟ وإذا كانت الفروع المغلقة غير مجدية اقتصاديا، فليقل لنا البنك ذلك بالأرقام، كم كان حجم مصاريف كل فرع؟ كم كانت إيراداته؟ كم عدد العملاء النشطين؟ كم حجم الودائع والتسهيلات التي كان يديرها؟ وكم ستوفر عملية الإغلاق سنويا؟ وكم كلفت عملية نقل العملاء والموظفين والعمليات إلى الفروع الأخرى؟

هذه ليست أسرارا بنكية، بل أسئلة تتعلق بكفاءة الإدارة واستخدام أموال المساهمين وجودة الخدمة المقدمة للعملاء.
لا أحد يستطيع أن يجادل بأن القطاع المصرفي لا يتجه نحو الرقمنة، البنوك في العالم كله تستثمر في التطبيقات والمنصات الإلكترونية والخدمات الذاتية، والبنك الأهلي نفسه ينفق مبالغ كبيرة على التكنولوجيا، لكن المشكلة ليست في الرقمنة، بل في أن تتحول الرقمنة إلى إجابة جاهزة عن كل سؤال ومبرر لكل خطأ يراه العميل.
فليس كل عميل رقميا بالدرجة نفسها، وليس كل مواطن قادرا على إدارة كل تفاصيل علاقته المصرفية من خلال التطبيق، وهنا تحديدا تبرز قضية المتقاعدين العسكريين والمدنيين، وكبار السن، وشرائح اجتماعية واسعة اعتادت على التعامل المباشر مع الموظف، بالنسبة إلى هؤلاء، الفرع ليس "قناة تقليدية" يمكن حذفها من المعادلة بمجرد ارتفاع استخدام التطبيق، الفرع بالنسبة إليهم هو الخدمة نفسها.
فهل أجرت إدارة البنك دراسة فعلية عن أثر تقليص شبكة الفروع على هذه الفئات؟ وهل جرى قياس قدرتهم على استخدام القنوات الرقمية؟ وهل وفرت لهم الإدارة مساعدة فعلية للانتقال إلى الخدمات الإلكترونية؟ أم أن المطلوب ببساطة أن يتكيف العميل مع قرار اتخذته الإدارة؟

السوق الأردني ليس نسخة من أوروبا، التركيبة السكانية مختلفة، ومستويات الثقافة الرقمية مختلفة، وسلوك العملاء مختلف، والاعتماد على الفروع يختلف من منطقة إلى أخرى، وحتى داخل الأردن نفسه، لا يمكن التعامل مع عميل في منطقة أعمال مكتظة بالطريقة ذاتها التي يتم التعامل بها مع متقاعد أو مواطن في محافظة أو لواء يعتمد على الفرع المحلي منذ سنوات.

الرقمنة يجب أن تكون وسيلة لتسهيل حياة المواطن، لا سببا لتعقيدها، وإذا كان البنك يريد تقليص الفروع، فالسؤال ليس فقط لماذا تفعلون ذلك، بل ما البديل الذي قدمتموه للعميل؟، لطالما تم إزالة بعض الصرافات الالية من أماكن مكتظة بالعمل أيضا ؟.
وهناك ملف آخر لا يقل أهمية: موظفو الفروع المغلقة، التقارير الرسمية للبنك تظهر أن البنك يشغل أكثر من ألف موظف ضمن شبكته في الأردن، وأن شبكة فروعه تضم عشرات الفروع، وعندما يغلق فرع، فإن وراء الباب المغلق موظفين وعائلات والتزامات ومستقبل مهني.
فما الذي حدث لهؤلاء الموظفين؟ هل نقلوا إلى فروع أخرى؟ هل أعيد توزيعهم؟ هل جرى تقليص أعداد الموظفين؟ هل خرج بعضهم من الخدمة؟ وإذا كان الهدف هو رفع الكفاءة، فهل تحققت الكفاءة من خلال إعادة توزيع العاملين أم من خلال تخفيض العمالة؟
هذه الأسئلة ليست تدخلا في إدارة البنك، بل هي جزء من المسؤولية الاجتماعية لمؤسسة مالية كبيرة لها حضور واسع في الاقتصاد الأردني.

وفي نهاية 2024 كان البنك الأهلي الأردني يشغل 49 فرعا في الأردن و1,141 موظفا، وفقا لتقريره السنوي، بينما تظهر البيانات المنشورة لاحقا تغيرات في عدد الفروع والموظفين، وهذا بحد ذاته يفتح بابا لسؤال مهم: إذا كانت شبكة الفروع يعاد تشكيلها، فكيف تتغير العلاقة بين عدد الفروع وعدد الموظفين وحجم الأعمال؟ وهل الهدف هو التوسع في الفروع ذات العائد الأعلى؟ وهل يجري دمج بعض الوظائف؟ وهل تتغير طبيعة الوظائف نفسها مع الرقمنة؟
ثم تأتي مسألة أخرى تستحق التوقف عندها، ليس باعتبارها دليلا على أزمة، وإنما باعتبارها واقعة مالية موثقة تستحق السؤال، الإفصاحات الرسمية تظهر أن احد أعضاء مجلس الادارة غير تنفيذي في البنك ويعتبر من أكبر المساهمين في البنك الأهلي باع في تشرين الأول 2025 مليون سهم، فأصبح إجمالي ملكيته خمسة ملايين سهم، ثم باع في أيار 2026 مليوني سهم إضافيين، ليصبح رصيده ثلاثة ملايين سهم.

أي أن ملكيته المباشرة انخفضت خلال هذه الفترة من ستة ملايين إلى ثلاثة ملايين سهم.
لكن المهنية الصحفية تقتضي قول الحقيقة كاملة: بيع المساهم لأسهمه لا يعني تلقائيا أن البنك يواجه أزمة، لكن عندما يجري تخفيض ملكية عضو مجلس إدارة بهذا الحجم، بالتزامن مع تغييرات تشغيلية وإعادة ترتيب لشبكة الفروع، فإن من حق السوق أن يسأل: هل هناك رؤية جديدة للبنك؟ هل هناك إعادة تموضع؟ هل تغيرت الأولويات؟ هل نحن أمام مرحلة جديدة في إدارة البنك؟ أم أن الأمر لا يتجاوز قرارات استثمارية منفصلة وإعادة هيكلة تشغيلية طبيعية؟
المواطن ليس رقما في نموذج مالي، قد تكون الإدارة ترى أن الفرع الذي لا يحقق عائدا كافيا يجب أن يغلق، وقد يكون هذا صحيحا من منظور محاسبي، لكن البنك الذي يتعامل مع أموال الناس لا يستطيع أن ينظر إلى العلاقة مع العميل من خلال جدول أرباح وخسائر فقط.

هناك شيء اسمه الثقة.

والثقة المصرفية لا تبنى فقط عندما يعلن البنك عن أرباحه، بل تبنى عندما يعرف المواطن أن فرعه موجود، وأن الموظف الذي يعرف معاملته موجود، وأن المسافة بينه وبين البنك معقولة، وأن المتقاعد يستطيع الدخول إلى الفرع دون أن يقال له: "نزّل التطبيق"، وأن صاحب العمل يستطيع الوصول إلى موظف يعرف طبيعة نشاطه، وأن إغلاق فرع لا يعني تلقائيا وضع عشرات أو مئات العملاء أمام طابور أطول في فرع آخر.
لا نريد من إدارة البنك الأهلي الأردني أن تتوقف عن الرقمنة، ولا نريد منها أن تبقي على فرع خاسر إلى الأبد، ولا نريد أن ندير البنك بدلا من مجلس إدارته.

لكننا نريد أن نفهم.

ما هي الخطة؟ ما هي الفروع التي ستغلق؟ كم عددها؟ ما المعايير التي اعتمدتها الإدارة؟ ما الوفر المالي المتوقع؟ ما مصير الموظفين؟ ما أثر القرار على العملاء؟ كم عدد العملاء الذين سيعاد توزيعهم على الفروع الأخرى؟ هل تمت دراسة الطاقة الاستيعابية للفروع البديلة؟ هل توجد مواقف سيارات كافية؟ هل تمت دراسة خصوصية المتقاعدين وكبار السن؟ وهل توجد خطة انتقال رقمية فعلية للفئات الأقل قدرة على استخدام التكنولوجيا؟
وهل هناك سقف محدد لإعادة هيكلة شبكة الفروع، أم أننا أمام سلسلة من الإغلاقات ستستمر خلال المرحلة المقبلة؟ ، هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تجيب عنها إدارة البنك الأهلي الأردني.
فالبنك الأهلي الأردني مؤسسة مصرفية عريقة، وليست شركة ناشئة تستطيع أن تغير نموذج عملها بين ليلة وضحاها بحس مزاج الإدارة ، وكلما كان اسم المؤسسة أكبر، أصبحت مسؤوليتها أمام عملائها أكبر.
ولهذا فإن المطلوب ليس مقاومة التغيير، بل إدارة التغيير بعقل أردني يعرف السوق والناس قبل أن يعرف الجداول والمؤشرات.
فالرقمنة مهمة، والكفاءة مهمة، وتخفيض النفقات مهم، وحماية حقوق المساهمين مهمة، لكن هناك معادلة لا يجوز كسرها: ربحية البنك يجب ألا تتحول إلى كلفة إضافية على العميل، وكفاءة الإدارة يجب ألا تعني مشقة أكبر للمواطن.
ومن حق مساهمي البنك أن يعرفوا أين تذهب الاستراتيجية، ومن حق الموظفين أن يعرفوا ماذا ينتظرهم، ومن حق العملاء أن يعرفوا لماذا أغلقت فروعهم، ومن حق السوق أن يفهم لماذا تتغير خريطة البنك، ومن حق المواطن، قبل كل ذلك، ألا يصبح مجرد رقم في معادلة التحول الرقمي.
فالبنك الذي يربح من الناس، لا يكفي أن يحسب أرباحه من الناس، عليه أيضا أن يحسب كلفة قراراته عليهم.
وهنا يبقى السؤال مفتوحا أمام إدارة البنك الأهلي الأردني: هل ما يجري إعادة هيكلة ضرورية ومدروسة لشبكة الفروع، أم أن سباق التحول الرقمي بدأ يأخذ البنك بعيدا عن جزء من عملائه الذين صنعوا معه هذه العلاقة والنجاح على مدى سنوات؟

الإجابة لا تحتاج إلى بيانات عامة وشعارات عن المستقبل، تحتاج إلى أرقام، ودراسات، وحقائق.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :