-

اسرار وخفايا

تاريخ النشر - 04-10-2026 10:29 AM     عدد المشاهدات 251    | عدد التعليقات 0

المخابرات رفضتك .. من يحمي هيبة الجهاز من روايات المسؤولين؟

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون المحلية:
في الأردن، ثمة عبارة باتت تتردد في المجالس والصالونات والاتصالات، كلما طرق مواطن أو صاحب مصلحة باب مسؤول بحثا عن وظيفة أو موقع أو تكليف أو فرصة:"المخابرات رفضت"، عبارة قصيرة، لكنها تحمل في طياتها ما هو أكبر من مجرد تبرير لقرار لم يصدره صاحب القرار أمام صاحبه.
فحين يُرفض طلب، وحين لا يأتي التعيين، وحين تسقط ترشيحات، وحين يغلق باب أمام شخص، يصبح اسم دائرة المخابرات العامة حاضرا في المشهد، وكأن كل قرار إداري أو وظيفي يحتاج إلى ختم أمني، وكأن الدائرة تحولت من جهاز استخباري معني بأمن الدولة إلى جهة تدير تفاصيل الوظائف والمناصب وتقرر من يجلس على هذا الكرسي ومن لا يجلس.
وهنا تحديدا يجب أن يتوقف الكلام، ليس دفاعا عن أحد، ولا هجوما على أحد، وإنما دفاعا عن هيبة مؤسسات الدولة، وعن وضوح المسؤوليات، وعن حق المواطن في أن يعرف من يتخذ القرار الذي يمس مستقبله، ومن يتحمل مسؤوليته.
فقانون دائرة المخابرات العامة واضح في تحديد مهمتها الأساسية: حماية الأمن الداخلي والخارجي للمملكة من خلال العمليات الاستخبارية اللازمة لذلك، إلى جانب جمع المعلومات وتحليلها وتقديمها لصناع القرار، ومواجهة التهديدات التي تمس أمن المملكة واستقرارها.
هذه ليست دائرة توظيف، وليست لجنة اختيار للمناصب، وليست جهة يفترض أن تتحمل مسؤولية كل قرار إداري لا يريد صاحبه أن يضع اسمه عليه.
والأهم من ذلك أن التوجيهات الملكية المتعلقة بعمل دائرة المخابرات العامة شددت على أهمية تركيزها على اختصاصها الاستخباري، وترك الأدوار الرقابية والتنظيمية للجهات صاحبة الاختصاص، بما يعزز قدرة الدائرة على أداء دورها الأساسي في حماية الأمن الوطني.
إذا، من أين جاءت هذه الثقافة التي تجعل من اسم المخابرات العامة مظلة جاهزة لكل رفض؟ ومن المستفيد من أن يقال للمواطن: (المخابرات رفضتك) بدلا من أن يقال له بوضوح: هذا القرار اتخذته الجهة المختصة، وهذه أسبابه.
السؤال هنا ليس اتهاما للمخابرات، بل العكس تماما، إنه سؤال عن الذين يزجون باسم جهاز أمني واستخباري وطني في قرارات يفترض أن يتحملوا هم مسؤوليتها، وعن أولئك الذين يجدون في هيبة المؤسسة الأمنية مساحة مريحة للاختباء خلفها.
فالقول للمواطن إن جهة أمنية رفضتك يضعه أمام باب مغلق لا يستطيع طرقه، ولا يعرف من أغلقه، ولا يستطيع مناقشة القرار، ولا يعرف إن كان الرفض حقيقيا أم مجرد تبرير، وهذه أخطر نقطة في المسألة.
لأن المواطن عندما يسمع اسم المخابرات، قد يتعامل مع الرواية باعتبارها حقيقة نهائية، وقد يتردد في السؤال، وقد يعتقد أن وراء القرار معلومة أمنية لا يستطيع معرفتها، بينما قد لا يكون الأمر في بعض الحالات أكثر من قرار إداري أو شخصي اتخذه مسؤول، ثم جرى تحميل مسؤوليته لجهة لا علاقة لها به.
وهنا تتحول الهيبة إلى شماعة، ويتحول الصمت إلى غطاء، وتتحول المؤسسة الوطنية إلى طرف غائب في قصة يرويها آخرون نيابة عنها.
المسألة في جوهرها ليست من حصل على الوظيفة ومن لم يحصل عليها، ولا من وصل إلى المنصب ومن بقي خارجه، المسألة أكبر من ذلك بكثير، المسألة هي: من يتحمل مسؤولية القرار عندما يتخذه صاحب القرار.
إذا كان الوزير هو صاحب الصلاحية، فليقل إنه رفض، وإذا كانت المؤسسة صاحبة الاختصاص هي التي قررت، فلتتحمل مسؤوليتها وفق القانون، وإذا كان هناك سبب أمني حقيقي، فله مساراته وأدواته ومرجعياته التي لا تحتاج إلى تحويلها إلى حديث مجالس أو روايات تتناقلها الألسن.
أما أن يصبح اسم المخابرات العامة جوابا جاهزا لكل سؤال، فهذا يفتح بابا خطيرا على مفهوم المسؤولية المؤسسية، فالوظيفة العامة ليست منحة شخصية من مسؤول، والمنصب العام ليس هدية لأحد، والرفض كذلك ليس فعلا يحتاج إلى الاختباء وراء اسم مؤسسة وطنية.
الدولة الحديثة تقوم على الصلاحيات الواضحة، والمسؤولية المحددة، والمساءلة، وسيادة القانون، والمسؤول الذي يملك قرارا يجب أن يمتلك شجاعة تحمل تبعاته، لا أن يقول لمن أمامه: أنا لا علاقة لي، المخابرات رفضت.
فإن كان القرار أمنيا بالفعل، فذلك شأن مؤسسي له قنواته، وإن لم يكن أمنيا، فلماذا يُقحم اسم المخابرات فيه؟
السؤال مشروع، بل إن طرحه يحمي المخابرات نفسها من أن تتحول، في الوعي العام، إلى عنوان لكل قرار لا يجد صاحبه الشجاعة الكافية لنسبته إلى نفسه.
وهنا لا بد من التمييز بين أمرين، الأول أن للأجهزة الأمنية والاستخبارية دورا أصيلا في حماية أمن الوطن، ورصد مصادر الخطر، وجمع المعلومات وتحليلها، ورفع التقييمات إلى صناع القرار، وهذا دور وطني لا يختلف عليه اثنان.
والثاني أن هذا الدور لا يعني تحويل اسم المؤسسة إلى مظلة عامة لتبرير كل قرار إداري أو وظيفي أو شخصي.
بل إن الحفاظ على هيبة المؤسسة يقتضي ألا يستخدم اسمها في غير موضعه. فهيبة المخابرات العامة لا تصان بكثرة الزج باسمها في الحكايات، وإنما تصان باحترام اختصاصها، وحصر الحديث عنها فيما يتعلق بمهامها، وعدم تحميلها قرارات الآخرين.
ومن هنا، ربما آن الأوان لأن تتغير العبارة،بدلا من المخابرات رفضت، يجب أن يكون السؤال: من صاحب القرار؟، وبدلا من الأجهزة الأمنية لا تريد، يجب أن نسأل: ما هي الجهة صاحبة الاختصاص؟
وبدلا من تحميل مؤسسة وطنية مسؤولية قرار مجهول المصدر، يجب أن تكون هناك قاعدة بسيطة في الإدارة العامة: من يملك القرار يتحمل مسؤوليته، فالمنصب تكليف، والسلطة مسؤولية، والقرار له صاحب، والمسؤولية لا ينبغي أن تكون مجهولة.
أما أن تصبح عبارة المخابرات رفضت مفتاحا سحريا لإغلاق كل باب، وتفسير كل رفض، وإسكات كل سؤال، فهذه ليست طريقة لبناء الثقة بالمؤسسات، ولا هي الطريق الذي يحفظ هيبة الدولة.
الأردن دولة مؤسسات، وكل مؤسسة فيها لها اختصاصاتها، وحين نحترم اختصاص كل مؤسسة، فإننا لا نضعف الدولة، بل نقويها، وحين نعيد القرار إلى صاحبه، فإننا لا نسيء إلى المسؤول، بل نضعه في موقعه الطبيعي الذي يفترض أن يكون فيه: مسؤولا عن قراره، وقادرا على تبريره، ومستعدا لتحمل مسؤوليته.
أما اسم المخابرات العامة، فليس شماعة، إنه اسم مؤسسة وطنية حملت، وفقا لاختصاصها القانوني، مهمة حماية أمن الأردن ومصالحه، ومن حقها على الجميع ألا تستخدم هيبتها لتغطية قرارات لا تخصها.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :