-

اسرار وخفايا

تاريخ النشر - 01-10-2026 12:32 PM     عدد المشاهدات 124    | عدد التعليقات 0

وزير النقل أمام سؤال الـ3000 دينار: من اختار "خبيرة النقل" ولماذا؟

الهاشمية نيوز - في وزارة يفترض أن تكون مهمتها رسم الطريق أمام منظومة النقل الأردنية، يبدو أن طريقا آخر يحتاج هو نفسه إلى إشارة واضحة: طريق الـ3000 دينار شهريا لخبير نقل تم التعاقد معه مؤخرا في وزارة النقل ة، هنا لا نتحدث عن راتب عابر، ولا عن فاتورة خدمة هامشية، وإنما عن تعاقد تحت مسمى "خبير نقل" يفتح بابا واسعا من الأسئلة حول من احتاج إلى هذه الخبرة، ولماذا، وكيف جرى اختيار صاحبها، وماذا ستقدم فعليا مقابل مبلغ يصل إلى 36 ألف دينار سنويا.
المفارقة لا تقف عند الرقم، بل تبدأ منه؛ فحين تدفع مؤسسة عامة 3000 دينار شهريا لشراء خبرة يفترض أنها متخصصة في قطاع حساس بحجم النقل، يصبح من حق الرأي العام أن يسأل، وبصوت مرتفع: أين الحاجة التي استدعت التعاقد؟ وأين الخبرة التي بُني عليها الاختيار؟ وأين المخرجات التي تبرر الإنفاق؟
وفي زمن تتحدث فيه الحكومة عن كفاءة الإنفاق وترشيد الموارد وتعزيز الحوكمة، فإن السؤال لا يعود: من هي الخبيرة؟، بل يصبح أكثر عمقا: هل جاءت الحاجة أولا، ثم جرى البحث عن الخبير القادر على تلبيتها، أم أن الخبير كان حاضرا قبل أن تولد الحاجة؟.
وهنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن تفتحها وزارة النقل بنفسها قبل أن تفتحها الأسئلة الصحفية: 3000 دينار شهريا، مقابل ماذا تحديدا؟
المعلومات المتوافرة تشير إلى التعاقد مع دكتورة بوظيفة "خبير نقل" على حساب شراء الخدمات، بأجر شهري يبلغ 3000 دينار، في وقت تعمل فيه المتعاقدة في المجال الأكاديمي لدى إحدى الجامعات الخاصة،الأمر الذي يطرح جملة من الأسئلة المتعلقة بطبيعة العقد، وشروطه، والالتزامات التي يفرضها، وما إذا كان يتطلب التفرغ أو الحضور المنتظم، وكيف تنظم العلاقة بين العمل الأكاديمي والمهمة الجديدة في الوزارة.

وهنا لا تكمن المشكلة في الجمع بين العمل الأكاديمي والاستعانة بخبرة أكاديمية، إذ إن ذلك قد يكون مشروعا في حالات عديدة، وإنما في وضوح الالتزام وقابلية قياس المخرجات؛ فالمؤسسة الحكومية التي تشتري خدمة بخلاف الوظيفة الدائمة مطالبة بأن تعرف ماذا تشتري، ولماذا تشتريه، وماذا ستحصل عليه في المقابل.
والأهم من ذلك كله أن وزارة النقل نفسها تنشر عبر موقعها الرسمي قاعدة للخبراء، تتضمن تخصصات مرتبطة بالنقل البري والبحري والجوي والسككي واللوجستيات والموانئ، إلى جانب بيانات تتعلق بالسيرة الذاتية وسنوات الخبرة والخبرة العملية، ما يجعل الحديث عن الخبرة المتخصصة في صلب عملية اختيار أي شخص للعمل بوصفه خبيرا لدى الوزارة.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر تحديدا: ما الخبرة المتخصصة في قطاع النقل التي استندت إليها الوزارة عند اختيار المتعاقدة؟ وهل تتطابق مؤهلاتها وسيرتها المهنية مع طبيعة المهمة التي أسندت إليها؟ وهل كانت هناك معايير محددة سلفا للخبرة المطلوبة، أم أن المعايير وضعت ضمن عملية التعاقد نفسها؟
وهذه ليست محاولة للنيل من المسار الأكاديمي للمتعاقدة، فالعمل الأكاديمي له قيمته ومكانته، لكن لقب "خبير نقل" يفرض بطبيعته سؤالا مهنيا مشروعا حول الخبرة العملية المتخصصة في النقل، خصوصا عندما يكون التعاقد ممولا من المال العام وبقيمة شهرية تبلغ 3000 دينار.

ثم تأتي الحلقة الأهم في القصة: آلية الاختيار.

من الذي حدد الحاجة إلى خبير نقل؟ ومن الجهة التي رفعت التوصية؟ وهل جرى الإعلان عن الحاجة إلى هذه الخدمة؟ وهل كان هناك أكثر من مرشح؟ وهل شكلت لجنة للمفاضلة؟ وما المعايير التي استخدمتها اللجنة إن وجدت؟ ومن اتخذ القرار النهائي بالتعاقد؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر أهمية إذا كانت الوزارة تستطيع أن تثبت أن التعاقد جاء استجابة لحاجة فنية محددة، وأن المتعاقدة اختيرت وفق معايير معلنة أو موثقة، وأن هناك مخرجات واضحة يمكن قياسها.
أما إذا كانت الإجابات عامة من قبيل "نحتاج إلى خبرة"، فإن السؤال سيبقى قائما: ما هي هذه الحاجة تحديدا؟
هل هناك دراسة تحتاجها الوزارة؟ هل هناك مشروع نقل يتطلب خبرة متخصصة؟ هل هناك استراتيجية يجري إعدادها؟ هل هناك ملف يتعلق بالنقل العام أو اللوجستيات أو النقل البري أو السككي أو الموانئ؟ وما الذي سيضاف إلى عمل الوزارة نتيجة لهذا التعاقد؟
فالـ3000 دينار شهريا تعني 36 ألف دينار في السنة إذا استمر العقد لمدة عام، وهو مبلغ لا يصح التعامل معه باعتباره رقما مجردا، وإنما باعتباره تكلفة لخدمة ينبغي أن تكون محددة الملامح والمخرجات.
وهنا ينتقل السؤال من "كم تدفع الوزارة؟" إلى السؤال الأكثر أهمية: "ماذا تحصل الوزارة مقابل ما تدفعه؟"
كم تقريرا أعدت الخبيرة؟ ما الدراسات التي أنجزتها؟ ما التوصيات التي قدمتها؟ هل شاركت في إعداد سياسات أو خطط؟ هل قدمت استشارات مرتبطة بملفات نقل محددة؟ وهل تبنت الوزارة أيا من مخرجاتها؟ وهل يمكن قياس الأثر الذي أحدثته تلك الخدمة في عمل الوزارة؟
هذه الأسئلة ليست ترفا صحفيا، خصوصا أن قطاع النقل الأردني يقف أمام ملفات كبيرة ومتشعبة، تتعلق بالنقل العام، ونقل البضائع، واللوجستيات، والربط بين المحافظات، وتحسين كفاءة الخدمات، وتطوير البنية التنظيمية للقطاع.
وبالتوازي مع ذلك، تظهر معلومات من داخل الوزارة تثير تساؤلات حول ما إذا كان التعاقد يعكس حاجة فنية فعلية أم أن الأمر يحتاج إلى تفسير أوسع يتعلق بآلية شراء الخدمات نفسها.
وهنا تحديدا يجب التوقف؛ لأن ما يقوله مصدر من داخل الوزارة لا يمكن أن يتحول وحده إلى حقيقة منشورة، ولا يجوز أن يكون بديلا عن الوثيقة، لذلك فإن السؤال الصحفي الصحيح ليس: "هل هي تنفيعة؟"، وإنما: "هل تستطيع الوزارة إثبات أن الحاجة كانت موجودة قبل اختيار الشخص، وأن الاختيار تم وفق معايير واضحة، وأن الخدمة المقدمة تقابل قيمة العقد؟"
إذا كانت الإجابة نعم، فإن الوثائق والمخرجات قادرة على حسم الجدل، وإذا كانت الإجابة لا، فإن السؤال سيبقى مشروعا حول الطريقة التي يتم بها شراء الخبرات في المؤسسات الحكومية.
القضية إذن لا ينبغي أن تتحول إلى محاكمة لشخص، ولا إلى تشكيك مسبق في أي أكاديمي أو خبير يعمل مع الحكومة، وإنما إلى اختبار حقيقي لشفافية شراء الخبرة من المال العام.
فالدولة حين تحتاج إلى الخبير، من حقها أن تستعين به، لكن المواطن من حقه أن يعرف لماذا احتاجت إليه، وكيف اختارته، وماذا دفع له، وماذا قدم في المقابل.
وفي نهاية المطاف، لا يحتاج هذا الملف إلى كثير من الكلام بقدر ما يحتاج إلى ورقة واحدة قادرة على الإجابة عن السؤال الكبير: ما الذي اشترته وزارة النقل مقابل 3000 دينار شهريا؟
فإذا كانت الوزارة قد اشترت خبرة حقيقية يحتاجها القطاع، فلتضع الأسس والمخرجات أمام الرأي العام، وإذا كان التعاقد قائما على حاجة محددة، فلتشرحها،وإذا كانت هناك منافسة ومعايير اختيار، فلتوضحها.
أما إذا كانت كل هذه الإجابات غائبة، فإن السؤال سيبقى قائما، وبصوت أعلى:حين تدفع وزارة حكومية 3000 دينار شهريا مقابل "خبرة نقل".. هل كانت الحاجة هي التي قادت إلى الخبير، أم أن الخبير هو الذي احتاج إلى الحاجة؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :