كتب محرر الشؤون المحلية
وثيقة غريبة عادت إلى التداول عبر منصات ومواقع التواصل الاجتماعي، تعيد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في تاريخ الرواتب والاستحقاقات المالية للوزراء في الأردن، وتكشف جانبًا من حكاية تبدو اليوم أقرب إلى مشهد ساخر منها إلى قصة تتعلق بالمال العام، الوثيقة تعود إلى عهد حكومة رئيس الوزراء الأسبق نادر الذهبي عام 2009، وتتحدث عن رواتب الوزراء العاملين، قبل أن تقودنا صفحتها الثانية إلى قائمة تضم 45 وزيرًا سابقًا لم يشملهم تعديل راتب التقاعد الذي أقرته الحكومة آنذاك.
القصة قديمة متجددة ،إذ أفاد الوزير الأسبق حمدي الطباع في حديث ل " الهاشمية نيوز"، أن المطالبات ما زالت مستمرة منذ عام 2009 وحتى عهد حكومة الدكتور جعفر حسان في ذلك الملف، إذ كُلّف الطباع من قبل الوزراء الذين ظهرت اسمائهم في القائمة بأن يتحدث ويطالب باسمهم بتحسين رواتبهم التقاعدية.
وبين الأسماء يظهر وزير التنمية الاجتماعية الأسبق فيصل الرفوع، والذي تقاعد من السلك الأكاديمي، إلى جانب عدد من الوزراء السابقين، في مشهد يعيد طرح سؤال بسيط لكنه محرج: متى ينتهي الوزير فعلًا من كونه وزيرًا؟ فالوزارة، كما يعرف المواطن، وظيفة لها بداية ونهاية؛ يأتي الوزير إلى مكتبه، يجلس على الكرسي، يدير الوزارة، ثم يغادرها ذات يوم ليعود إلى حياته المهنية، لكن يبدو أن الحكاية مع بعض أصحاب المعالي لم تكن بهذه البساطة، فالكرسي قد يُغادر، لكن بعض ظلاله تبقى حاضرة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالاستحقاقات المالية.
ولعل اسم فيصل الرفوع يستحق التوقف عنده تحديدًا، ليس لأنه الوحيد في القائمة، وإنما لأن قصته تختصر جانبًا من المفارقة التي تكشفها الوثيقة، فالرفوع، وبعد انتهاء مهمته الوزارية، عاد إلى إحدى الجامعات الحكومية والتحق بالتدريس ، واستمر في مساره الأكاديمي، أي أن باب العمل والراتب لم يكن قد أغلق أمامه، بل على العكس، كان أمامه موقع أكاديمي وراتب وظيفي ومسار مهني جديد.
لكن يبدو أن مغادرة الوزارة لم تكن تعني مغادرة ملف الاستحقاقات المرتبطة بها، فالرفوع واخرين من الوزراء السابقين احتجوا على عدم شمولهم بالزيادة على رواتبهم التقاعدية، وفق ما نقل عنه آنذاك، وهنا تبدأ المفارقة التي تستحق أن تُروى كما هي: وزير سابق يغادر الحكومة، يعود إلى الجامعة، يستمر في العمل ويتقاضى راتبًا من مؤسسة حكومية، ثم لا ينسى أن يطالب أيضًا بما يراه حقًا له عن سنوات الوزارة.
ولا أحد يقول إن من حق الوزير السابق أن يُحرم من أي استحقاق قانوني، ولا أن الحصول على راتب جامعي أمر يستوجب الاعتراض، ولا أن مكافأة نهاية الخدمة، إن كانت مستحقة قانونًا، تصبح مخالفة لمجرد أن صاحبها كان وزيرًا، لكن المشكلة تبدأ عندما ينظر المواطن العادي إلى هذه الصورة من بعيد، ويسأل نفسه: كيف تبدو الحياة الوظيفية لأصحاب المعالي بعد مغادرة الوزارة، وكيف تبدو للمواطن الذي لا يملك إلا راتبه التقاعدي وينتظر الزيادة بالدور.
المواطن العادي قد يعمل ثلاثين أو أربعين عامًا، ثم يخرج من وظيفته وهو يحمل راتبًا تقاعديًا بالكاد يغطي احتياجاته، وقد يقضي سنوات وهو يطالب بزيادة أو تحسين أو إنصاف، وربما لا يجد من يسمع صوته، أما أصحاب المعالي، فقد كان لهم صوت مسموع ومنابر مفتوحة، وحين شعروا أن الزيادة لم تشملهم، لم يترددوا في الاحتجاج والمطالبة بها، وهنا تحديدًا يصبح السؤال مشروعًا: هل كانت معركة الزيادة معركة حاجة فعلًا، أم معركة استحقاق لا يريد أصحابها أن يفلت من أيديهم " قرش واحد" .
والأكثر إثارة أن بعض الوزراء السابقين الذين دخلوا تلك المعركة لم تتوقف حياتهم المهنية عند مغادرة الوزارة؛ فمنهم من عاد إلى الجامعة، ومنهم من اتجه إلى مصالح وأعمال خاصة، ومنهم من واصل مساره الوظيفي في مواقع أخرى، ومع ذلك بقيت صفة الوزير السابق حاضرة عندما جاء الحديث عن الحقوق المالية، وكأن الوزارة يمكن أن تنتهي على الورق، لكن لقب "معالي" يظل صالحًا للاستخدام عندما يحين موعد المطالبة.
وفي حالة الوزير الأسبق الدكتور فيصل الرفوع، يصبح المشهد أكثر وضوحًا: من الوزارة إلى الجامعة، ومن راتب الوظيفة إلى الاستحقاقات المرتبطة بالوزارة، ثم المطالبة بزيادة لمجرد أن صاحبها كان وزيرًا، وهنا لا بد أن نسأل: ماذا عن المواطن الذي لم يكن وزيرًا؟ ماذا عن الموظف الذي خدم الدولة سنوات طويلة ولم يحصل على فرصة ثانية في جامعة حكومية، ولا امتلك وظيفة خاصة، ولا وجد أمامه أكثر من باب للراتب والاستحقاق؟.
والقصة، في الحقيقة، لا تخص الوزير الأسبق الدكتور فيصل الرفوع وحده، فالوثيقة تتحدث عن 45 وزيرًا سابقًا، وهنا تتحول المسألة من قصة شخص إلى سؤال عن ثقافة كاملة في التعامل مع أصحاب المناصب العليا، لماذا يستطيع الوزير السابق أن يرفع صوته عندما يشعر أن راتبه أو تقاعده أو استحقاقه لم يُنصف، بينما قد يقضي المواطن العادي سنوات وهو يطالب بحقوق أبسط بكثير ولا يجد من يفتح له الباب.
قد يقول قائل إن كل ذلك قانوني، وإن الوزير له حقوق كما للموظف حقوق، وهذا صحيح من حيث المبدأ، لكن المال العام لا يُدار بالمبدأ وحده؛ بل يحتاج أيضًا إلى شفافية تتيح للمواطن أن يعرف: من تقاضى ماذا؟ وعلى أي أساس؟ وكم بلغت كلفة هذه المسارات الوظيفية والاستحقاقات في النهاية؟.
ربما كان الرفوع ورفاقه ال44 يرون أن ما طالبوا به حق لهم، وربما كان القانون في ذلك الوقت يسمح لهم بالمطالبة، لكن المواطن من حقه أيضًا أن يسأل عن المفارقة: كيف يستطيع صاحب المعالي أن يجمع بين مسارات مهنية متعددة، ثم يبقى حريصًا على ألا تضيع منه أي خانة في دفتر الاستحقاقات، بينما المواطن العادي بالكاد يستطيع الحفاظ على خانة راتبه التقاعدي؟.
ولذلك فإن قصة الرفوع لا تحتاج إلى اتهام، فالوقائع وحدها أكثر قسوة، وزير يخرج من الوزارة، يعود إلى الجامعة، يستمر في العمل والحصول على راتب، ثم يظهر اسمه بين المحتجين على عدم شمول الوزراء السابقين بالزيادة، يا لها من ذاكرة مالية يقظة، فالوزارة انتهت منذ سنوات، لكن يبدو أن حساباتها لم تكن مستعدة لأن تنتهي معها.
وهنا تبقى الوثيقة أمام الجميع، بأسمائها وأرقامها وتاريخها، وتترك السؤال الأهم معلقًا: هل كان خروج الوزير من الوزارة يعني فعلًا انتهاء علاقته بالمال العام، أم أن بعض أبواب الاستحقاق تظل مفتوحة إلى أن يحصل صاحب المعالي على آخر دينار يعتقد أنه حقه؟
أما المواطن، فليست لديه قائمة من 45 وزيرًا يحتج باسمها، ولا وزارة سابقة يستند إليها، ولا لقب "معالي" يفتح له بابًا إضافيًا، لذلك ربما كان الفرق الحقيقي بينه وبين أصحاب المعالي بسيطًا جدًا: هم عرفوا كيف يحتجون، وهو تعلّم كيف يخدم الوطن بلا مقابل.
|
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه. |
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |
الرئيس الأميركي يعلن الموعد المتوقع لانتهاء حربه مع إيران
ساطور و35 غرزة .. طفل في إربد ضحية لعصابة MG
تفاصيل عملية احتيال بـ18 ألف دينار في إربد
الفايز: الأردن لا يتهاون في محاربة غسل الأموال وتمويل الإرهاب
الأمن يتعامل مع 142 قضية كريستال وضبط 222 شخصا خلال أسبوع
ماذا حققت حملات صناع المحتوى للأردن .. نائب يطالب بأرقام التكلفة وعائد الزيارات السياحية