كتب الدكتور عمر الزيود
في التجربة الحديثة للدول، لا يُقاس أداء الاتصال الحكومي بعدد البيانات الصادرة أو المؤتمرات الصحفية، بل بقدرته على منع الفراغ قبل أن يتحول إلى حقيقة بديلة، وفي الحالة الأردنية، يبدو أن الإشكال اليوم لم يعد في وفرة التصريحات، بل في غياب اللحظة الأولى للرواية.
الحكومة الأردنية، في عدد من الملفات العامة، لا تبدو متأخرة في المعلومة، لكنها متأخرة في تقديم معناها، وهذا الفارق الدقيق هو الذي يصنع الفجوة بين "ما حدث" و"ما فهمه الناس".
في هذا السياق، يبرز موقع الناطق الرسمي باسم الحكومة ووزير الاتصال الحكومي الدكتور محمد المومني بوصفه مركزاً يُفترض أن يدير الإيقاع العام للرواية الحكومية، لا أن يكتفي بمتابعة تشكلها في الفضاء العام.
وعندما تتكرر حالات غياب الرواية الحكومية أو تأخرها في عدد من الملفات التي شغلت الرأي العام، يصبح من الطبيعي أن تتجه الأنظار إلى وزارة الاتصال الحكومي بوصفها الجهة المكلفة بتنسيق الرسائل الرسمية وإدارة الرواية العامة للحكومة، فالمواطن لا يتابع تفاصيل الصلاحيات بين المؤسسات، بقدر ما ينتظر خطاباً حكومياً موحداً يشرح ويبرر ويجيب قبل أن تتسع مساحة التأويل والاجتهاد.
لكن الواقع العملي في عدد من المحطات الأخيرة يشير إلى نمط متكرر: تبدأ القصة في المنصات الرقمية، تتسع بسرعة، تتشكل حولها انطباعات أولى، ثم تأتي الرواية الحكومية لاحقاً لتوضيح ما تم تثبيته مسبقاً في وعي الجمهور.
وهنا لا تعود المشكلة تقنية، بل بنيوية في طريقة إدارة الاتصال الحكومي: هل هناك فعلاً مركز واحد يلتقط الحدث في لحظته الأولى ويصوغه كرواية دولة؟ أم أن كل مؤسسة حكومية ما تزال تتحرك بمنطق منفصل عند وقوع الجدل؟
ما يظهر في الصورة العامة هو أن الحكومة، في كثير من الحالات، تدخل النقاش بعد أن يكون الجمهور قد دخل فيه، وبعد أن تكون المنصات قد صاغت مفرداته الأولى.
وفي زمن السوشال ميديا، لم يعد الفراغ مجرد مساحة محايدة، بل أصبح مساحة إنتاج للمعنى، وكل تأخير في ملئه يعني عملياً السماح بتشكيل روايات موازية تصبح لاحقاً أصعب في التفكيك.
بين الحدث والرواية.. فراغ لا يبقى فارغاً
خلال الفترة الأخيرة، برزت مجموعة من القضايا التي أعادت طرح سؤال جوهري حول طبيعة الاتصال الحكومي في الأردن: هل تمتلك الحكومة رواية واحدة متماسكة ومقنعة، حاضرة في لحظتها الأولى، أم أنها تعمل غالباً بمنطق التوضيح اللاحق لما تشكّل مسبقاً في الفضاء العام؟
من الجدل الذي رافق بعض الخطابات أو المنشورات الصادرة عن مؤسسات حكومية، إلى النقاش حول دور ما يسمى بالمؤثرين في إيصال الرسائل الرسمية، وصولاً إلى ملفات اقتصادية وإدارية شغلت الرأي العام قبل أن تصدر حولها توضيحات حكومية مكتملة، تبدو الصورة أقرب إلى نمط متكرر لا إلى حالات منفصلة.
المشكلة الأساسية ليست في غياب المعلومة، بل في لحظة وصولها، فالفراغ الاتصالي في زمن السرعة الرقمية لا يبقى فارغاً، بل يُملأ سريعاً بتفسيرات متعددة، بعضها دقيق، وكثير منها قائم على الانطباع أو التأويل أو التسريب غير المكتمل، ومع الوقت، تصبح مهمة الرواية الرسمية أصعب، لأنها تدخل إلى مساحة سبق أن تشكلت فيها الانطباعات الأولى.
اللغة الحكومية.. بين القرب من الناس وحدود الدولة
من الواضح أن الخطاب الحكومي في الأردن بات يبحث عن لغة مختلفة؛ أكثر قرباً من الناس، وأكثر مباشرة، وأحياناً أكثر حدة، في محاولة لمجاراة الإيقاع السريع لمنصات التواصل الاجتماعي.
هذا التحول يعكس إدراكاً داخل الحكومة بأن اللغة التقليدية لم تعد وحدها كافية للوصول إلى جمهور يتشكل وعيه عبر منصات لا تمنح وقتاً طويلاً للشرح ولا تنتظر السياق الرسمي الطويل.
لكن هذا التحول يضع الحكومة أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن الاقتراب من الجمهور دون فقدان توازن الخطاب المؤسسي للدولة؟ وكيف يمكن أن تكون الرسالة فعالة وسريعة دون أن تتحول إلى رد فعل لحظي على ضغط الفضاء الرقمي؟
القضية هنا ليست لغوية فقط، بل تتعلق بفلسفة الاتصال الحكومي نفسه: هل هو خطاب دولة يُدار باستباق، أم خطاب يتشكل تحت ضغط التفاعل اليومي؟
إعادة توزيع أدوات التأثير لا بديلاً عن الرواية الرسمية
في هذا السياق، برزت فكرة الاستعانة بما يسمى المؤثرين كأحد أدوات إيصال الرسائل الحكومية، وهو تطور يعكس تحوّلاً في إدراك الحكومة لطبيعة الجمهور الجديد وتوزع تأثيره على منصات غير تقليدية.
وفي هذا الإطار، يبرز دور وزير الاتصال الحكومي باعتباره المسؤول عن تنسيق الخطاب الاتصالي الحكومي وإدارة حضوره في الفضاء العام، في مرحلة تتعدد فيها المنصات وتتداخل فيها مصادر التأثير.
لكن هذا التحول يضع الحكومة أمام معادلة أكثر تعقيداً: كيف يمكن الاستفادة من أدوات الانتشار السريع دون الإخلال بوحدة الرسالة الرسمية أو معايير المصداقية والاتساق المؤسسي؟
فالمؤثر قد يملك وصولاً واسعاً، لكن الدولة تُقاس بثبات خطابها وقدرته على الصمود أمام الزمن، لا بسرعة انتشاره فقط.
الرواية الحكومية.. هل تُبنى أم تُلاحق؟
في عدد من الملفات العامة، يظهر نمط متكرر لا يمكن تجاهله: تتشكل الرواية في الفضاء العام أولاً، ثم تأتي الرواية الحكومية لاحقاً لتوضيح أو تصويب أو شرح.
هذه المعادلة، حتى وإن كانت مفهومة في سياق السرعة وتعقيد المشهد، إلا أنها تترك أثراً تراكمياً على إدراك الجمهور، حيث تتحول الرواية الأولى إلى مرجعية ذهنية يصعب تعديلها لاحقاً.
وهنا يبرز سؤال أكثر حساسية: هل ما زالت الرواية الحكومية هي الرواية الأولى التي تصل إلى المواطن؟ أم أنها أصبحت رواية لاحقة لما سبق أن ترسخ في الفضاء الرقمي؟
هذا السؤال لا يتعلق بملف واحد أو حدث محدد، بل ببنية الاتصال الحكومي ككل، وبقدرة الحكومة على امتلاك لحظة التعريف الأولى بالحدث قبل أن تتوزع التأويلات حوله.
الاتصال الحكومي.. من إدارة الرسالة إلى إدارة اللحظة
الاتصال الحكومي الحديث لم يعد مجرد عملية إصدار بيانات أو توضيحات، بل أصبح إدارة دقيقة للزمن السياسي والإعلامي معاً.
أي أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في "ماذا نقول"، بل في "متى نقول"، لأن التوقيت في الفضاء الرقمي أصبح جزءاً من المضمون نفسه.
وفي هذا السياق، يصبح غياب الرواية المبكرة مكلفاً، لأن الرأي العام لا ينتظر اكتمال الصورة، بل يبني صورته الخاصة ثم يثبتها مع الوقت، وهنا تتسع الفجوة الدقيقة بين الحكومة والجمهور: فجوة لا تتعلق بالمعلومة، بل بالإيقاع.
سؤال للحكومة قبل أن يكون نقداً
بعيداً عن الأشخاص والأسماء، يبقى السؤال الذي تفرضه المرحلة أكثر عمقاً من أي جدل ظرفي:
هل تمتلك الحكومة الأردنية اليوم مركز رواية واحداً قادراً على التقاط الحدث في لحظته الأولى، وصياغته بلغة مفهومة، وتقديمه للجمهور قبل أن تتشكل حوله روايات موازية؟
لأن الحكومة لا تُختبر فقط بما تقوله، بل بقدرتها على أن تكون هي أول من يقول، وبشكل يمنح روايتها الشرعية الزمنية قبل الشرعية التفسيرية.
وفي زمن تتقدم فيه المنصات الرقمية على كل شيء، تصبح المسافة بين الحدث وروايته هي المساحة الأكثر حساسية في تشكيل الوعي العام.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم هو لماذا تتأخر الرواية الحكومية، بل ماذا يعني أن تتأخر أصلاً في دولة تمتلك كل أدوات الاتصال والمؤسسات والمنصات الرسمية؟ لأن أخطر ما في المشهد ليس تعدد الروايات، بل قبول فكرة أن الرواية الأولى لم تعد حكراً على الحكومة.
فحين تفقد الحكومة لحظة "الكلمة الأولى"، فإنها لا تفقد حق التفسير فقط، بل تفقد تدريجياً قدرتها على تحديد معنى الحدث نفسه.
وعند هذه النقطة تحديداً، لا يعود الخطر في ما يُقال عن الحكومة، بل في أن الحكومة لم تعد هي من يقول أولاً.
|
تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه. |
|
| الاسم : | |
| البريد الالكتروني : | |
| التعليق : | |
إحالة عمداء وعقداء في جهاز الأمن العام إلى التقاعد .. أسماء
المنطقة العسكرية الشمالية تُحبط محاولة تسلل على إحدى واجهاتها الحدودية
رحيل عبد العزيز مخيون .. وجه الدراما الهادئ الذي أسس مسرح الفلاحين
البنك الأردني الكويتي الراعي البلاتيني لمعرض الوكالات والامتياز التجاري 2026 بالشراكة مع مصرف بغداد
بشرى خير .. 4 عوامل ترجح كفة المنتخبات العربية في كأس العالم
أمانة عمّان تبدأ اليوم بأعمال قشط وتعبيد في منطقة طارق