-

اسرار وخفايا

تاريخ النشر - 20-05-2026 01:27 AM     عدد المشاهدات 32    | عدد التعليقات 0

عيادات يقرأ المشهد: "حوار طرشان" بين واشنطن وطهران على حافة الانفجار

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون السياسية
في تطور سياسي يعكس حجم التوتر والتشابك في المشهد الدولي، أعلن الرئيس الأميركي Donald Trump تعليق ضربة عسكرية كانت وشيكة ضد إيران، استجابةً لطلبات من قادة دول خليجية، بالتزامن مع حديثه عن تطور إيجابي للغاية في مسار المحادثات مع طهران، في خطوة فتحت الباب مجدداً أمام تساؤلات عميقة حول طبيعة الصراع الحقيقي بين واشنطن وطهران، وما إذا كانت المنطقة تتجه نحو تسوية سياسية أم مجرد هدنة مؤقتة تسبق انفجاراً أكبر.


وفي قراءة سياسية معمقة للمشهد، أكد أستاذ النظرية السياسية وعميد كلية الأمير الحسين بن عبدالله الثاني للدراسات الدولية، الدكتور محمد خير عيادات، أن الإشكالية الجوهرية في العلاقة الأمريكية الإيرانية تكمن في أن الطرفين يريدان "حسم نتيجة المفاوضات قبل الدخول فيها" ، موضحاً أن الأزمة لم تعد تقنية مرتبطة بالملف النووي فقط، بل تحولت إلى معركة إرادات وصور سياسية وروايات انتصار.
وقال عيادات إن الرئيس الأمريكي يسعى إلى تقديم نفسه أمام الداخل الأمريكي والعالم باعتباره الرجل الذي أجبر إيران على التراجع، وأن الولايات المتحدة حققت انتصاراً حاسماً ومطلقاً، فيما يحاول الطرف الإيراني تثبيت رواية معاكسة تقوم على أن الصمود الإيراني لم يكن مجرد تكتيك مرحلي، بل تعبير عن انتصار استراتيجي في مواجهة الضغوط الغربية والعقوبات والعزل السياسي.

لكن المفارقة، بحسب عيادات، أن الوقائع لا تمنح أياً من الطرفين هذا الانتصار الكامل، مؤكداً أن الولايات المتحدة لم تتمكن من كسر المشروع الإيراني بصورة نهائية، كما أن إيران لم تستطع فرض معادلتها الإقليمية والنووية دون أثمان سياسية واقتصادية وأمنية باهظة.

ووصف عيادات المشهد الحالي بأنه “أقرب إلى حوار طرشان”، موضحاً أن الإيرانيين لا يبدون حتى اللحظة في مزاج الدخول بمفاوضات حقيقية تؤدي إلى تنازلات جوهرية، بينما تبدو الإدارة الأمريكية نفسها غير قادرة على تحديد ما الذي تعتبره نجاحاً نهائياً لهذه المفاوضات، أو حتى ما الذي تحقق فعلياً خلالها.

وأشار إلى أن هذا التناقض العميق هو ما يفسر حالة التأرجح المستمرة بين التصعيد العسكري والانفتاح السياسي، حيث تتحول المفاوضات أحياناً إلى مجرد أدوات لإدارة الأزمة وليس لحلها، فيما تبقى المنطقة رهينة الرسائل المتبادلة والتهديدات المؤجلة.

وفي ما يتعلق بالملف النووي الإيراني، يرى عيادات أن إمكانية الوصول إلى صيغة تفاهم ما تزال قائمة، لكن ضمن إطار يرضي الولايات المتحدة وإسرائيل، بحيث تصبح عملياً فرصة تحول إيران إلى قوة نووية عسكرية “أمراً غير ممكن”. ويرى أن أي اتفاق مستقبلي سيقوم على تقييد طويل الأمد للقدرات النووية الإيرانية مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات وإعادة دمج اقتصادي محدود.

غير أن اللافت في حديث عيادات كان ربطه بين المسار الإيراني الأمريكي والتحرك الصيني المتصاعد في المنطقة، خاصة بعد التصريحات التي أطلقها ترامب عقب عودته من زيارته إلى الصين، وهي الزيارة التي وصفها بأنها “ملفتة للنظر” وتحمل أبعاداً تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية.

وأوضح عيادات أن هناك “فسحة أمل” كانت مطروحة لدى بعض الأطراف بأن تلعب الصين، باعتبارها الحليف الاستراتيجي الأهم لإيران، دوراً محورياً في تخفيف التوتر، خصوصاً فيما يتعلق بأمن الملاحة في Strait of Hormuz، أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم.

وبيّن أن نتائج المحادثات الأمريكية الصينية أوصلت رسالة واضحة مفادها أن بكين تريد بقاء مضيق هرمز مفتوحاً وحراً أمام حركة التجارة الدولية، وأن الصين لا ترغب بأي ضرائب أو رسوم أو تهديدات قد تؤثر على حركة السفن والبضائع عبر المضيق، نظراً لارتباط ذلك المباشر بأمن الطاقة والاقتصاد الصيني.

وأضاف عيادات أن الصين، رغم تحالفها الاستراتيجي مع إيران، لا ترغب في أن تتحول طهران إلى دولة نووية، لأن ذلك سيقود إلى اختلالات استراتيجية كبرى قد تهدد الاستقرار الاقتصادي العالمي، وتفتح الباب أمام سباق تسلح إقليمي واسع لا يخدم المصالح الصينية بعيدة المدى.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة دخلت في حوار مع الصين من زاويتين متناقضتين؛ فمن جهة، تحتاج واشنطن إلى دور صيني قادر على التأثير في إيران واحتواء التصعيد، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تظهر أمام العالم وكأنها تطلب “مساعدة” من بكين لإدارة أزمة تعتبرها واشنطن جزءاً من نفوذها التقليدي في الشرق الأوسط.

وكشف عيادات أن الرسالة الصينية للأمريكيين كانت شديدة الوضوح، ومفادها أن أزمة مضيق هرمز هي في الأساس “مشكلة أمريكية”، وبالتالي فإن مسؤولية حلها تقع على عاتق الولايات المتحدة نفسها، لا على الصين.


وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبدو المنطقة وكأنها تعيش على إيقاع “اللا حرب واللا سلام”، حيث تتأجل المواجهة العسكرية مرة، وتُفتح أبواب التفاوض مرة أخرى، بينما تبقى الحقيقة الأوضح أن الشرق الأوسط ما يزال عالقاً بين مشاريع النفوذ الكبرى، وأن أي خطأ في الحسابات قد يدفع المنطقة بأكملها نحو مواجهة لا يمكن التكهن بنتائجها.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :