-

اسرار وخفايا

تاريخ النشر - 16-05-2026 03:10 PM     عدد المشاهدات 21    | عدد التعليقات 0

الأردني يعيد حساباته السياحية بين (العقبة - اللاذقية) .. من يخطف السائح في عطلة العيد

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون المحلية
مع اقتراب عيد الأضحى المبارك وبداية الموسم الصيفي، يعود السؤال ذاته إلى الشارع الأردني، لكن هذه المرة بصوت أكثر وضوحاً ومرارة: هل ما تزال السياحة الداخلية حقاً متاحة للمواطن الأردني؟ أم أنها تحولت تدريجياً إلى رفاهية لا تستطيع كثير من العائلات تحمل كلفتها؟.

في السنوات الماضية، كان الأردني ينتظر العطل الطويلة ليحجز رحلة إلى العقبة، أو يقضي أياماً في البحر الميت، أو يهرب من حر الصيف إلى عجلون وجرش، أما اليوم، فقد أصبحت الحسبة مختلفة تماماً، لا بسبب غياب الرغبة، بل بسبب ضغط الجيب، وارتفاع الكلف، وتغير الأولويات المعيشية لدى المواطن الذي أصبح يحسب تكلفة "الاستجمام" كما يحسب فاتورة الكهرباء والماء والطعام.

وفي ظل هذا الواقع، جاءت عودة سوريا إلى المشهد السياحي الإقليمي لتفتح باباً جديداً للنقاش داخل الأردن، خاصة بعد إعادة فتح الحركة السياحية والبرية بشكل أوسع، وبدء الحديث عن عودة المصايف والأسواق والرحلات منخفضة التكلفة، الأمر الذي دفع كثيرين إلى إعادة المقارنة بين كلفة السياحة الداخلية والخارجية.

اليوم، لا يتحدث المواطن الأردني عن الفخامة، ولا يبحث عن سياحة مترفة، بل عن "حقه الطبيعي" بقضاء إجازة بسيطة مع عائلته دون أن يضطر للاقتراض أو استنزاف راتبه بالكامل، فالكثير من العائلات أصبحت ترى أن ليلة واحدة في بعض الفنادق أو المنتجعات داخل الأردن قد تكلف ما يكفي لتنظيم رحلة برية كاملة إلى دولة مجاورة، تشمل النقل والطعام والإقامة، وهنا تكمن القضية الحقيقية.

المواطن الأردني لا يقاطع السياحة الداخلية، ولا يتخلى عن بلده، بل يبحث عن خيار يستطيع تحمّله، فالسياحة ليست ترفاً نفسياً فقط، بل حاجة اجتماعية وإنسانية أيضاً، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية والنفسية المتزايدة التي يعيشها الناس.

ورغم ما يمتلكه الأردن من كنوز سياحية عالمية: من البترا ووادي رم إلى البحر الميت والعقبة وعجلون وجرش، إلا أن المشكلة التي تتكرر كل موسم تكمن في سؤال بسيط: هل هذه المواقع متاحة فعلاً للمواطن الأردني متوسط الدخل؟.

الشارع اليوم يتحدث بصراحة أكبر من أي وقت مضى، هناك من يرى أن الأسعار المرتفعة في بعض المرافق السياحية والفنادق والمطاعم جعلت المواطن يشعر أحياناً بأنه "غريب" داخل وجهاته الوطنية، وأن بعض المواقع باتت تستهدف السائح الأجنبي أو المقتدر أكثر من العائلة الأردنية البسيطة التي تريد فقط قضاء عطلة محترمة بكلفة معقولة.

وفي المقابل، فإن القطاع السياحي الأردني يواجه تحدياً مزدوجاً هذا الصيف: فمن جهة هناك منافسة إقليمية متصاعدة على السائح الخليجي، خاصة بعد عودة سوريا تدريجياً إلى الخارطة السياحية وعروض السياحة إلى مصر ، ومن جهة أخرى هناك خطر تسرب السائح الأردني نفسه نحو وجهات أقل تكلفة وأكثر مرونة.

لكن النظرة الذكية للمشهد لا يجب أن تقوم على الخوف من المنافسة، بل على إعادة التفكير بطريقة إدارة الملف السياحي بالكامل.

فالأردن لا ينقصه الجمال، ولا الأمن، ولا التنوع، بل يحتاج إلى إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والسياحة الداخلية، بحيث يشعر الأردني أن له نصيباً حقيقياً من هذا القطاع، لا أن يبقى مجرد متفرج على بلده من خلف الصور والإعلانات.

ومن أبرز الحلول المطروحة لإنعاش القطاع السياحي، توسيع برامج السياحة الداخلية المدعومة وتقديم أسعار خاصة للسائح الداخلي خلال المواسم، إلى جانب تنشيط السياحة البرية عبر استهداف الزوار القادمين من سوريا ولبنان وتركيا من خلال عروض منخفضة الكلفة ومسارات سياحية متكاملة، كما تبرز الحاجة إلى تطوير مرافق سياحية متوسطة وشعبية تناسب العائلات، وإعادة تسويق الأردن إقليمياً كوجهة تجمع بين السياحة العلاجية والدينية والترفيهية والطبيعية، بما يحقق توازناً بين دعم الاقتصاد ومنح المواطن الأردني فرصة حقيقية للاستمتاع بالسياحة داخل وطنه.

كما أن التطورات الإقليمية الحالية قد تتحول إلى فرصة لا إلى أزمة، إذا جرى استثمار الموقع الجغرافي للأردن بطريقة أكثر ديناميكية، فبدلاً من النظر إلى فتح الحدود والحركة البرية على أنها تهديد فقط، يمكن تحويلها إلى بوابة جديدة لجذب السياح من سوريا ولبنان وحتى تركيا عبر برامج سياحية برية وأسعار تنافسية ومسارات مشتركة تربط بين عمّان والعقبة والبترا ووادي رم.

الأردن يمتلك ميزة استراتيجية مهمة في قلب المنطقة، لكنه ما يزال بحاجة إلى تسويق أكثر جرأة وواقعية، يقوم على استهداف العائلات والسياحة البرية والرحلات المتوسطة الكلفة، لا الاكتفاء بالنمط التقليدي للسياحة الموسمية مرتفعة الأسعار.

فالمرحلة المقبلة لن تكون معركة بين الأردن وسوريا أو أي دولة أخرى، بل ستكون معركة "القيمة مقابل السعر" ، ومعركة قدرة الدول على جعل السائح يشعر بأنه مرحب به وقادر على الاستمتاع دون ضغوط مالية خانقة.

ويبقى السؤال الأهم الذي يطرحه الأردني البسيط قبل كل موسم: هل يمكن أن يأتي يوم تصبح فيه السياحة الداخلية حقاً متاحاً للجميع، لا امتيازاً لفئة محدودة فقط؟.

لأن الوطن الذي يفتح أبوابه للعالم، لا بد أولاً أن يفتحها لأبنائه، وهم خير مسوّق للسياحة الأردنية.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :

عـاجـل :