تاريخ النشر - 14-05-2026 03:52 PM عدد المشاهدات 14 | عدد التعليقات 0
عشاق الكراسي والحجب .. كيف تسللت الشعوذة إلى عقول بعض الشخصيات

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون المحلية
في كل مرة تُثار فيها قضية تعيينات عليا أو تغييرات مفاجئة في مواقع القرار، تعود إلى الواجهة أحاديث الشارع عن "طرق خفية" يلجأ إليها بعض أصحاب النفوذ والسياسيين لتعزيز حضورهم أو المحافظة على مواقعهم، بعيداً عن الكفاءة والخبرة والعمل المؤسسي.
ورغم غياب الأدلة الرسمية أو الوثائق التي تثبت صحة كثير من هذه الروايات، إلا أن حجم التداول الشعبي لها يطرح تساؤلات عميقة حول أسباب انتشار هذه الثقافة، ولماذا يربط جزء من الرأي العام بين بعض السياسيين وبين اللجوء إلى الدجل أو الشعوذة أو ما يعرف شعبياً بـ"الأعمال" و " الحجب" بهدف تحقيق النفوذ أو الوصول إلى مناصب عليا.
وتتحدث روايات متداولة في مجالس بعض السياسيين عن سفر شخصيات ورجال أعمال ومسؤولين معروفين ، من بينها شخصيات سياسية أو أصحاب نفوذ، إلى دول مختلفة من بينها منطقة شمال أفريقيا ، بحثاً عن أشخاص يدّعون امتلاك قدرات روحية أو طقوس خاصة مرتبطة بالحظ والنفوذ والتأثير، وهي روايات تبقى ضمن إطار التداول الشعبي وغير المثبت رسمياً، إلا أنها تعكس حالة اجتماعية ونفسية تستحق التوقف عندها.
ويرى مراقبون أن مجرد انتشار هذه القصص بهذا الشكل الواسع يكشف عن أزمة ثقة متنامية بين المواطن وبعض النخب السياسية، حيث بات جزء من الناس يعتقد أن الصعود في بعض المواقع لا يرتبط دائماً بالكفاءة أو الإنجاز، بل أحياناً بالعلاقات أو النفوذ أو حتى الخرافة.
ويقول مختصون في علم الاجتماع إن بعض الشخصيات التي تصل إلى مواقع متقدمة قد تعيش هاجس فقدان السلطة أو التراجع عن دائرة الضوء، ما يدفعها أحياناً للتعلق بأي وسيلة تمنحها شعوراً بالقوة أو السيطرة، خاصة في البيئات السياسية التي تقوم على المنافسة والصراع المستمر على النفوذ.
وفي السياق ذاته، يؤكد مختصون بالشأن الديني أن اللجوء إلى الشعوذة أو تصديق مدّعي معرفة الغيب يتعارض بشكل صريح مع تعاليم الدين الإسلامي، الذي يرفض الدجل والتلاعب بعقول الناس واستغلال ضعفهم النفسي أو طموحاتهم الشخصية.
ويشير هؤلاء إلى أن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس فقط البعد الديني أو الأخلاقي، بل تأثيرها على صورة الدولة ومؤسساتها، إذ إن تداول مثل هذه الروايات حول شخصيات عامة يضعف ثقة الناس بفكرة العدالة وتكافؤ الفرص، ويعزز الاعتقاد بأن النفوذ قد يُصنع بوسائل غير مشروعة أو غير عقلانية.
وفي السنوات الأخيرة، ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في تضخيم هذه القصص، حيث تنتشر مقاطع وتصريحات وحكايات غير موثقة تتحدث عن مسؤولين ورجال أعمال وشخصيات عامة يزورون "معالجين روحانيين" أو "شيوخ طاقة" أو أشخاصاً يزعمون القدرة على التأثير في المستقبل والمناصب والعلاقات السياسية.
ورغم أن جزءاً كبيراً من هذه الروايات قد يكون مبالغاً فيه أو غير دقيق، إلا أن استمرار تداولها يكشف عن حالة ثقافية أعمق، تتمثل في حضور الفكر الخرافي داخل بعض المجتمعات العربية، حتى بين فئات يُفترض أنها تمثل النخبة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.
ويرى متابعون أن مواجهة هذه الظواهر لا تكون فقط عبر النفي أو السخرية، بل من خلال تعزيز الشفافية داخل المؤسسات، وربط التعيينات والترقيات بالكفاءة الحقيقية، وترسيخ ثقافة المساءلة، بما يعيد ثقة الناس بأن النجاح السياسي والإداري لا يتحقق إلا بالعمل والإنجاز والنزاهة.
فيما تبقى الحقيقة الثابتة أن الدول لا تُبنى بالخرافة، ولا تُدار بالأوهام، وأن المجتمعات التي تسمح بتغلغل ثقافة الدجل إلى فضاء السياسة تدفع ثمناً باهظاً على مستوى الوعي والثقة والمؤسسات، فحين يصبح النفوذ مرتبطاً في أذهان الناس بالطلاسم بدل الكفاءة، تكون المشكلة أكبر من مجرد إشاعة متداولة، بل أزمة ثقافة ومسؤولية عامة خاصة بين عشاق المنصب والبريستيج والحياة السياسية.