تاريخ النشر - 04-05-2026 10:35 PM عدد المشاهدات 1 | عدد التعليقات 0
لماذا يبدأ المسؤول الأردني عهده بترويح الموظفين

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون المحلية
في كل مرة يتبدّل فيها موقع القرار داخل مؤسسة أردنية، تتكرر الحكاية ذاتها وكأنها نص محفوظ لا يقبل التعديل: مسؤول جديد يصل محمّلاً بشعارات “الإصلاح وإعادة الهيكلة، يتبعها سريعًا سيل من القرارات الداخلية التي تبدأ بإعادة رسم الخرائط الوظيفية، ولا تنتهي عند حدود إنهاء خدمات أو تدويرأو ترويح تحت مسميات مختلفة، فيما يُعاد إنتاج خطاب جاهز يُلقي بثقل الإخفاقات على كاهل الإدارات السابقة والموظفين معًا، هكذا، يتحول التغيير الإداري من فرصة مفترضة للتطوير إلى دورة متكررة يدفع ثمنها الأضعف دائمًا: الموظف.
المشكلة هنا لا تكمن في مبدأ التغيير بحد ذاته، فالتحديث ضرورة، وإعادة التقييم حق مشروع لأي إدارة جديدة، لكن الخلل يتجلى حين يصبح هذا التغيير أقرب إلى إثبات حضور سريع منه إلى إصلاح مؤسسي عميق، إذ تُختزل الاستراتيجية في قرارات متعجلة، وتُستخدم إعادة الهيكلة كأداة جاهزة وسهلة، بدل أن تكون عملية مدروسة تنطلق من تشخيص حقيقي للاختلالات، وتستند إلى بيانات دقيقة ومعايير واضحة.
في هذا السياق، يغدو الموظف الحلقة الأضعف في معادلة غير متكافئة، فبدل أن يُنظر إليه كجزء من الحل، يُقدَّم أحيانًا كعنوان للمشكلة، وتُحمَّل عليه تبعات تراكمات إدارية قد لا يكون له فيها ناقة ولا جمل،والأسوأ من ذلك أن هذه الممارسات تُلبس لبوس الإصلاح، في حين أنها في كثير من الحالات لا تتجاوز كونها إعادة توزيع للأدوار، أو استبدالًا لأسماء بأخرى، دون المساس بجوهر الخلل.
وإذا ما تمعّنا في المشهد أكثر، سنجد أن غياب الاستمرارية في السياسات هو أحد أبرز مظاهر الأزمة، فكل إدارة تأتي بخطتها الخاصة، وكأن المؤسسة تبدأ من الصفر في كل مرة، دون البناء على ما سبق أو تقييمه بموضوعية، هذه القطيعة المستمرة لا تستهلك الموارد فحسب، بل تُفقد المؤسسات ذاكرتها التراكمية، وتُدخلها في حالة من الدوران في المكان، حيث يُعاد اكتشاف المشكلات ذاتها، وتُجرَّب الحلول ذاتها، وتُرتكب الأخطاء ذاتها.
كما أن ضعف أنظمة التقييم المؤسسي يفاقم المشكلة، فحين تغيب معايير واضحة وشفافة لقياس الأداء على مستوى الإدارات العليا، يصبح من السهل توجيه اللوم إلى الأسفل، وتبرير القرارات القاسية باعتبارها إصلاحًا ضروريًا، وفي ظل غياب المساءلة الحقيقية للقيادات، يبقى الموظف هو الطرف الأكثر تعرضًا للضغط، والأقل قدرة على الدفاع عن نفسه داخل منظومة غير متوازنة.
ولا يمكن إغفال الأثر الاجتماعي والاقتصادي لهذه السياسات، فحالة عدم الاستقرار الوظيفي التي تتولد عنها لا تنعكس فقط على الأفراد، بل تمتد إلى عائلاتهم، وإلى السوق ككل، حيث تتراجع الثقة، ويزداد القلق، وتتآكل فكرة الأمان الوظيفي التي تُعد أحد أعمدة الاستقرار المجتمعي، ومع تكرار هذه الدورة، تتكرس قناعة لدى شريحة واسعة بأن التغيير الإداري لم يعد مرادفًا للتطوير، بل بات مرتبطًا بالمخاطر وعدم اليقين.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس قرارات الترويح بحد ذاتها، بل تحوّلها إلى نمط متكرر يُمارَس دون مراجعة، وكأن المؤسسات محكومة بعادة لا تُكسر، وهنا يبرز السؤال الجوهري: من يدفع ثمن إعادة الاكتشاف في كل مرة وهل يعقل أن تبقى المؤسسات تدور في الحلقة ذاتها، بينما يُطلب من الموظف في كل مرة أن يتحمل كلفة البداية الجديدة؟
الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من إنهاء خدمات، ولا من تبديل الأسماء، بل من بناء منظومة متكاملة تقوم على تقييم موضوعي، ومساءلة عادلة، واستمرارية في السياسات، واحترام للموارد البشرية باعتبارها أصلًا لا عبئًا، كما أن الاستراتيجية الجادة لا تُقاس بعدد القرارات التي تُتخذ في الأشهر الأولى، بل بقدرتها على إحداث أثر مستدام، يحفظ للمؤسسة توازنها، ويعزز ثقة العاملين فيها، ويضمن أن يكون التغيير خطوة إلى الأمام، لا دورانًا جديدًا في الحلقة ذاتها.
وفي المحصلة، ليست المشكلة في قدوم مسؤول جديد، بل في الطريقة التي يُدار بها هذا القدوم، فإما أن يكون التغيير فرصة لتراكم الإنجاز والبناء على ما سبق، أو يتحول إلى قطيعة متكررة تعيد إنتاج الأزمة بأدوات مختلفة، وبين هذا وذاك، يبقى الموظف هو الميزان الحقيقي: إن شعر بالإنصاف والاستقرار، تقدمت المؤسسة، وإن ظل يدفع ثمن كل مرحلة انتقالية، فإن الحديث عن الإصلاح سيبقى مجرد عنوان لا يجد طريقه إلى الواقع.