-

كتابنا

تاريخ النشر - 12-04-2026 09:40 PM     عدد المشاهدات 1    | عدد التعليقات 0

السعودية وإعادة تشكيل ميزان الأمن الإقليمي

الهاشمية نيوز -
في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، حيث تتداخل حسابات الحرب والتوازنات الدولية، تعمل المملكة العربية السعودية بهدوء محسوب على إعادة صياغة مفهوم الأمن في الخليج. ما يجري ليس قطيعة مع الولايات المتحدة، بل انتقال تدريجي نحو استقلالية استراتيجية فرضتها وقائع الميدان، لا الشعارات. الحرب الأخيرة كشفت فجوة عميقة بين أولويات واشنطن ومصالح حلفائها في الخليج، ودفعت الرياض إلى إعادة التفكير في قواعد اللعبة.

خلف الهدوء الدبلوماسي، يتصاعد استياء واضح في العواصم الخليجية من الانجرار إلى صراع لم يكن خيارها. الضغوط الأمريكية للانخراط في الحرب قوبلت برفض ضمني وعملي، ليس بدافع الحياد فقط، بل إدراكًا أن كلفة هذه المواجهة تتجاوز أي مكاسب محتملة. دول الخليج وجدت نفسها تدفع ثمنًا اقتصاديًا وأمنيًا، مع تعرض منشآت حيوية لهجمات، في وقت لم تثبت فيه المظلة الأمريكية قدرتها على توفير الحماية الكافية كما كان يُفترض.

هذا التحول في القناعة لم يأتِ من فراغ. بعد سنوات طويلة من الاعتماد على القواعد الأمريكية، بدأت تتشكل قناعة خليجية بأن هذه المنظومة لم تعد ضامنة للأمن كما في السابق، وأن الحماية الخارجية لم تعد خيارًا موثوقًا في بيئة دولية متغيرة. هذه اللحظة تمثل نقطة انعطاف في التفكير الاستراتيجي الخليجي، عنوانها: الاعتماد على الذات أولًا.

في المقابل، تتحرك السعودية لتأسيس منظومة تحالفات جديدة أكثر توازنًا وواقعية. الشراكة مع باكستان تأخذ بعدًا أعمق، ليس فقط عسكريًا بل ردعيًا، بالنظر إلى ما تمثله إسلام آباد من ثقل استراتيجي. كما تبدو تركيا مرشحة للانضمام إلى هذا المسار بما تمتلكه من قدرات عسكرية وصناعية متقدمة، إلى جانب مصر بثقلها العسكري والبشري، والأردن، مع إمكانية انخراط العراق لاحقًا، ودول الخليج العربي التي باتت تبحث عن صيغة أمنية أكثر استقلالًا.

إذا ما تبلور هذا المحور، فإنه قد يتحول إلى قوة إقليمية قادرة على فرض معادلات جديدة في المنطقة. وفي حال تراجعت الولايات المتحدة أو أعادت تموضعها، فإن المشهد قد ينحصر بين قوتين: إسرائيل ذات النزعة التوسعية، وإيران التي تمسك بأحد أهم مفاصل الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز. ومن هنا، يأتي تحرك السعودية لتشكيل قوة ثالثة تضمن توازنًا حقيقيًا، وتمنع بقاء الدول العربية في موقع المتلقي أو المتفرج.

السعودية، بقيادة سمو الأمير محمد بن سلمان، تمتلك من الأدوات السياسية والاقتصادية ما يؤهلها لقيادة هذا التحول، إذا ما استمر العمل بنفس الوتيرة والمنهجية.

بالتوازي، تدرك الرياض أن التحالفات وحدها لا تكفي. لذلك تتجه بقوة نحو بناء قاعدة صناعية دفاعية محلية، تقلل الاعتماد على الخارج وتمنحها هامش قرار أوسع. هنا تبرز الصين كشريك محتمل، ليس فقط كمورد سلاح، بل كمصدر لنقل التكنولوجيا، وهو عنصر حاسم في بناء قدرات مستدامة. ويواكب ذلك توجه لاستقطاب الكفاءات العربية في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي، في محاولة لتحويل الأمن من استهلاك إلى إنتاج.

ما يتشكل اليوم، إذا اكتمل، قد يقود إلى نظام إقليمي جديد لا يعتمد على الإذن الخارجي لتفعيل أدواته. سوق دفاعي مشترك، منظومة ردع متعددة الأطراف، وتوازنات لا تحتكرها قوة واحدة. هذا يعني عمليًا بداية تراجع الهيمنة الأحادية، وصعود نمط أكثر تعقيدًا وتعددًا في إدارة الأمن الإقليمي.

في النهاية، قد تتوقف الحرب، لكن آثارها لن تتوقف. السعودية تعيد تعريف موقعها، من حليف يعتمد إلى قوة تبني خياراتها بيدها. ومن لا يقرأ هذا التحول بجدية، سيتفاجأ بأن قواعد المنطقة قد تغيّرت ب



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :