تاريخ النشر - 02-04-2026 11:19 AM عدد المشاهدات 7 | عدد التعليقات 0
بين التهديد والتطبيق .. من يضبط الأسعار

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون المحلية
مرة جديدة، تعود الحكومة إلى أدواتها التقليدية في مواجهة ارتفاع الأسعار، عبر حزمة إجراءات تقودها وزارة الصناعة والتجارة والتموين، تقوم على تشديد الرقابة، وتفعيل لجان التفتيش، والتلويح بعقوبات صارمة بحق المخالفين، لكن، وبعيداً عن النصوص، يفرض الواقع سؤالاً أكثر عمقاً: هل المشكلة في نقص القرارات، أم في غياب تطبيقها؟
الأسواق، حتى اللحظة، لا تعكس حالة الضبط التي يجري الحديث عنها. تفاوت الأسعار لا يزال قائماً، وبعض السلع تشهد ارتفاعات تتجاوز منطق الكلفة، ما يشير إلى أن جزءاً من الأزمة مرتبط بسلوك استغلالي، لا بعوامل اقتصادية بحتة، وهنا، يظهر خلل جوهري في معادلة الضبط: وجود قرار لا يعني بالضرورة وجود أثر.
تعتمد الحكومة في هذه المرحلة على الردع القانوني كأداة رئيسية، في محاولة لإرسال رسالة حاسمة بأن التلاعب بقوت المواطن خط أحمر، غير أن هذه المقاربة، رغم أهميتها، تصطدم بتحدٍ تقليدي في إدارة القرار ، يتمثل في فجوة التنفيذ، فالسوق لا يتغير بالتصريحات، بل بنماذج حقيقية لمخالفات تم ضبطها، وعقوبات تم تنفيذها بشكل علني ورادع.
السؤال الذي يتكرر في الشارع والقطاع التجاري على حد سواء ليس عن وجود لجان التفتيش، بل عن فاعليتها واستمراريتها: أين هذه اللجان؟ كم عدد المخالفات التي تم ضبطها فعلياً؟ وهل تحولت العقوبات إلى واقع أم بقيت ضمن إطار التهديد؟ هذه الأسئلة تمثل جوهر الثقة بين الحكومة والسوق، وهي التي تحدد إن كانت الإجراءات قادرة على إحداث فرق حقيقي.
في المقابل، لا يمكن إغفال تعقيد المهمة نفسها، فالحكومة لا تواجه فقط سلوكيات استغلالية، بل تتعامل مع ضغوط خارجية حقيقية، من ارتفاع كلف الاستيراد إلى اضطراب سلاسل التوريد، ما يجعل أي تدخل مباشر في التسعير سلاحاً ذا حدين؛ إذ إن الإفراط في القيود قد يدفع بعض التجار إلى تقليص المعروض أو التوقف عن التوريد، ما يفتح الباب أمام نقص في السلع، ويحوّل الأزمة من سعر مرتفع إلى سلعة مفقودة.
هذا التوازن الحساس بين الضبط والانسيابية هو التحدي الحقيقي، فنجاح السياسة لا يقاس بصرامة القرار، بل بقدرته على تحقيق هدفين متوازيين: كبح الاستغلال من جهة، والحفاظ على تدفق السلع من جهة أخرى.
في ظل التطورات الإقليمية ، تكشف هذه المرحلة عن معضلة أعمق في إدارة السوق في الأردن: الإفراط في إنتاج القرارات مقابل نقص في استدامة التنفيذ، فالأزمة ليست وليدة اللحظة، بل نمط متكرر يتجدد مع كل ظرف اقتصادي ضاغط.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي اليوم لا يجب أن يكون على إعلان المزيد من الإجراءات، بل على كسر هذه الحلقة التقليدية، عبر رقابة يومية مستمرة، وشفافية في إعلان المخالفات، وتحويل الردع من خطاب إلى ممارسة، دون ذلك، ستبقى الأسواق تدور في ذات الحلقة، وسيبقى السؤال مفتوحاً في كل أزمة:
هل المشكلة في السوق أم في غياب التطبيق؟.