تاريخ النشر - 05-03-2026 02:46 PM عدد المشاهدات 4 | عدد التعليقات 0
رسائل تحذيرية إلى الحكومة والنواب .. لا تُرهقوا الجبهة الداخلية

الهاشمية نيوز - كتب محرر الشؤون المحلية
تعيش المنطقة اليوم واحدة من أكثر لحظاتها توترًا وتعقيدًا منذ سنوات، مع تصاعد المواجهة العسكرية والسياسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تلك المواجهة لا تدور في فراغ، بل تهزّ الشرق الأوسط بأكمله، وتفتح الباب أمام احتمالات التصعيد الواسع، ما يجعل المنطقة بأسرها في حالة ترقب وقلق شديدين.
في قلب هذا المشهد المضطرب يقف الأردن، بحكم موقعه الجغرافي والسياسي، متأثرًا بشكل مباشر بتداعيات هذا الصراع، فالتوتر الإقليمي ينعكس على الاقتصاد، وعلى الأسواق، وعلى المزاج العام في الشارع الأردني الذي يعيش حالة من الترقب وعدم اليقين، وسط مخاوف من اتساع رقعة الحرب وتداعياتها على المنطقة.
وفي خضم هذه اللحظة الحساسة، وبالتزامن مع تطور الأوضاع، بدأت الحكومة بطرح ملف تعديلات قانون الضمان الاجتماعي، وهو ملف بالغ الحساسية يمس حياة الأردنيين ومستقبلهم الاقتصادي والاجتماعي، غير أن السؤال الذي يتردد بقوة في الأوساط الشعبية والاقتصادية اليوم هو: هل هذا هو التوقيت المناسب لفتح هذا الملف.
المواطن الأردني يواجه بالفعل ضغوطًا معيشية متزايدة، من ارتفاع تكاليف الحياة إلى حالة القلق التي فرضتها التطورات الإقليمية المتسارعة، وفي مثل هذه الظروف، فإن أي قرارات قد تُفهم على أنها زيادة في الأعباء الاقتصادية يمكن أن تتحول من مجرد تعديل تشريعي إلى مصدر توتر اجتماعي في وقت تحتاج فيه البلاد إلى أقصى درجات التماسك الداخلي.
إن قوة الدول في لحظات الأزمات لا تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرارات، بل بحكمتها في اختيار توقيت تلك القرارات، فالإصلاحات الاقتصادية قد تكون ضرورية، لكن طرحها في لحظة اضطراب إقليمي وضغط داخلي قد يفقدها القبول الشعبي، ويجعلها تبدو وكأنها عبء إضافي على مجتمع يعيش أصلًا حالة من القلق والضغط.
ومن هنا تبرز المسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق مجلس النواب الأردني، بوصفه المؤسسة الدستورية التي تمثل إرادة الشعب وتعبّر عن نبض الشارع، فالبرلمان في مثل هذه اللحظات لا يُفترض أن يكون مجرد محطة لتمرير التشريعات، بل ساحة للنقاش العميق والتفكير المسؤول في تداعيات أي قرار يمس حياة المواطنين.
إن التشريع في أوقات الأزمات يتطلب حسًا وطنيًا عاليًا وقراءة دقيقة للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فليس كل ما يمكن تشريعه اليوم يجب أن يُشرّع اليوم، وليس كل إصلاح مطلوب ينبغي أن يتم في لحظة قد تكون فيها الأولوية لحماية الجبهة الداخلية وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.
الأردن اليوم بحاجة إلى سياسات تطمئن المواطن وتدعم صموده في مواجهة التحديات الإقليمية، لا إلى قرارات قد تزيد من شعوره بالضغط أو القلق، فالجبهة الداخلية هي الركيزة الأساسية لاستقرار الدولة، وأي خلل في توازنها قد تكون له انعكاسات أوسع من مجرد نقاش اقتصادي أو قانوني.
وفي زمن الحروب والتوترات الكبرى، تتغير أولويات الدول، ويصبح الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للمواطنين أولوية تتقدم على أي اعتبارات أخرى فالدول القوية لا تختبر قدرة شعوبها على التحمل في لحظات الخطر، بل تحرص على حمايتهم وتعزيز ثقتهم بدولتهم ومؤسساتها.
فيما تقتضي الحكمة السياسية اليوم التروي وإعادة قراءة المشهد بدقة، فالإصلاح الحقيقي لا يقاس بسرعة تمرير القوانين، بل بمدى قدرتها على تحقيق التوازن بين استدامة الدولة وحماية المجتمع، فالدول تُحمى بجبهتها الداخلية،
والجبهة الداخلية لا تُحمى بالقرارات الثقيلة.