-

اسرار وخفايا

تاريخ النشر - 16-02-2026 02:00 PM     عدد المشاهدات 192    | عدد التعليقات 0

العين أ. د سهاد الجندي تكتب للهاشمية نيوز .. هل حان وقت مراجعة بيداغوجيا التعليم العالي

الهاشمية نيوز - كتبت مقرر لجنة التربية والتعليم في مجلس الأعيان الأردني، عضو مجلس الأعيان أ. د سهاد الجندي للهاشمية نيوز: هل حان وقت مراجعة بيداغوجيا التعليم العالي؟

في ظل التسارع التكنولوجي وتزايد الاعتماد على ادوات الذكاء الاصطناعي في مؤسسات التعليم العالي ، يبرز سؤال هام: هل ما زالت طرق التدريس التقليدية قادرة على إعداد خريج ينافس في اقتصاد معرفي متحوّل؟ أم أننا أمام لحظة تاريخية تفرض مراجعة شاملة لبيداغوجيا التعليم العالي؟

تشير تقارير المؤسسات الدولية، مثل OECD وUNESCO، على أن الذكاء الاصطناعي لا يهدد الجامعات بقدر ما يكشف نقاط ضعفها البنيوية. فحين تصبح المعلومة متاحة ومولّدة في ثوانٍ، يفقد التعليم القائم على الحفظ قيمته التنافسية. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
عند ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي ساد خطاب الخوف. .. واعتُبرت أدوات الذكاء الاصطناعي تهديدًا للنزاهة الأكاديمية، وصدرت تعليمات بالحظر والتقييد. غير أن التجربة أثبتت أن المنع وحده لا يصمد أمام تطور تقني متسارع. ومع الوقت، تحوّل النقاش في العالم من “كيف نمنع؟” إلى “كيف نُعيد التصميم؟”.

هذا التحول لم يكن نظريًا فحسب؛ فقد بادرت جامعات مرموقة مثل University of Oxford وStanford University إلى إدماج أخلاقيات الذكاء الاصطناعي في مناهجها، وتشجيع الطلبة على الإفصاح عن استخدامهم للأدوات الرقمية ضمن أطر شفافة ومنظمة. و أصبح التساؤل المطروح هو : هل المشكلة في الأداة، أم في طريقة توظيفها؟.
وإذا كانت المعرفة قابلة للتوليد الفوري، فما القيمة المضافة للجامعة؟
الإجابة، كما تشير تقارير حديثة، تكمن في التحول من تعليم المعرفة إلى تعليم الكفاءة. فالمهارات التي يطلبها سوق العمل اليوم — التفكير النقدي، التحليل المركّب، حل المشكلات متعددة الأبعاد، والقدرة على اتخاذ القرار الأخلاقي — لا يمكن أتمتتها بالكامل لأنها مهارات تُبنى بالتجربة، بالحوار، وبالتفاعل الإنساني.
وهكذا، لم يعد معيار الجودة الأكاديمية هو كمية المعلومات التي يحفظها الطالب، بل قدرته على توظيفها بوعي ومسؤولية. وهذا التحول يعيد تعريف وظيفة الأستاذ الجامعي من ناقل معرفة إلى مصمم خبرة تعلم، وموجّه لعمليات التفكير العميق.

وهنا تبرز أهمية اساليب التقييم… هل هي الحلقة الأضعف في هذه السلسلة؟
من المعروف أن أي إصلاح بيداغوجي يظل ناقصًا دون إعادة النظر في أنظمة التقييم. فالواجبات المنزلية التقليدية والمقالات والمشاريع النمطية أصبحت عرضة للتوليد الآلي، ما دفع جامعات عديدة إلى اعتماد التقييم الشفهي، والمشروعات التطبيقية، واختبارات التفكير داخل القاعة.
لم يعد السؤال: “هل استخدم الطالب الذكاء الاصطناعي؟”
بل أصبح: “هل يفهم ما قدّمه؟ وهل يستطيع الدفاع عنه وتحليله؟”
بهذا المعنى، يتحول التقييم من أداة رقابة إلى أداة تعلّم، ومن آلية ضبط إلى منصة حوار معرفي.

أما المكون الاهم..انظمة الحوكمة والجودة… هل تتأرجح بين الضبط والابتكار ؟
ان الناظر بتعمق سيرى انه مع اتساع التحول الرقمي في العالم، فقد بدأت هيئات الجودة والاعتماد في دول متقدمة بإعادة صياغة معاييرها لتواكب البيئة الرقمية الجديدة. فالجودة لم تعد تُقاس بعدد الساعات المعتمدة فقط، بل بأثر التعلم الفعلي على الطالب.

إن تحديث البيداغوجيا لا يمكن أن يكون قرارًا فرديًا لأستاذ أو كلية، بل هو مشروع مؤسسي يتطلب شراكة بين الجامعات، وهيئات الاعتماد، وصنّاع القرار. فالجامعة التي تتردد في التكيّف قد تجد نفسها خارج السباق.
وفيما يرى البعض في الذكاء الاصطناعي تهديدًا وجوديًا لدور الجامعات. إلا أن القراءة الأعمق تكشف أنه فرصة لإعادة تعريف رسالتها. فكما غيّرت الطباعة والإنترنت شكل التعليم في مراحل سابقة، يفرض الذكاء الاصطناعي اليوم مرحلة انتقالية ثالثة — لا تلغي الجامعة، بل تعيد تشكيلها.

إن اللحظة الراهنة ليست أزمة، بل اختبار رؤية…هل نتمسك بالنموذج التقليدي دفاعًا عن الماضي؟ أم نمتلك الجرأة لإعادة تصميم بيداغوجيا قادرة على مواكبة المستقبل؟

في النهاية، القضية هنا ليست تقنية، بل فلسفية عميقة...الذكاء الاصطناعي لن ينتظر من يتأخر، والتعليم الذي لا يراجع نفسه قد يفقد قدرته على التأثير.
الجامعة التي تعيد تعريف دورها ستبقى— كما كانت دائمًا — مصنعًا للفكر، ومنصة للإبداع، وحاضنةً لعقول قادرة على قيادة عصرها لا اللحاق به.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أضـف تعلـيق

تنويه :
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة الهاشمية الإخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة الهاشمية الإخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط ولا تعبر عن رأي الموقع والقائمين عليه.
الاسم :
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق :
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :